صحيفة البلد

“ومضات مدنية ” : الفردانية لا تساوي الوحدانية

أحمد المخيني*

الدولة المدنية هي التي تستمد شرعيتها من الشعب مباشرة أو عبر نوابه وممثليه وتعتمد أساسا على كفالة الحقوق والحريات وتحترم التعددية وتلتزم بالتداول السلمي للسلطة وتعمل على تجسيد سيادة القانون وتحقق المواطنة المتساوية؛ بمعنى أن المواطنة حق وفي ذات الوقت منبع للسلطات، وأن جميع أفراد الشعب متساوون في المسؤوليات والواجبات والحقوق، وأنه لا عصبية تفوق العصبية الوطنية. ولب الدولة المدنية حكومة مدنية مقيدة؛ بمعنى أنه لا سلطة للعسكر على تدبير أمر الدولة، وأن تصرفات الحكومة وسلوكيات أفرادها مقننة ومقيدة وفق إجراءات تجعلها تحت محاسبة ورقابة متبادلة بين أفرع الحكومة الثلاث (الإدارة التنفيذية والجهاز التشريعي والقضاء)، بالإضافة  إلى الرقابة الشعبية من خلال الإعلام (السلطة الرابعة) ومؤسسات المجتمع المدني (السلطة الخامسة) ارتكازا على الشفافية وحق الحصول على المعلومات ذات الطابع العام.

وكما ذكرنا سابقا فإن الدولة المدنية دولة علمانية المعرفة، ونعنى بذلك أن الدولة المدنية تعتمد العلم (بحميع أنواعه ودرجاته ومناحيه) ليكون المرجعية المعرفية الأساسية لاتخاذ القرارات والسياسات، وذلك لا يعني بالضرورة اللادينية أو الإلحاد أو التهميش للدين والمعتقد وإنما يصبحان مرجعين جنبا إلى جنب العلم. وعليه يكون أسلوب إدارة شؤون الحكم هو الديموقراطية ، بقصد أن يكون أساس اتخاذ الرأي استجلاء الآراء على اختلاف منابعها ومشاربها وأهدافها سعيا للوصول إلى الحق وفق الظروف والمعطيات دون مواربة ، وتكون منهجية إسناد المهام وتولية الأمور هي التقنوقراطية أي يسند الأمر إلى أولي العلم من الخبراء والمختصين والمتعلمين الذين يتمتعون بالأمانة إلى جانب كفاءتهم ، ويكون أساس الاختيار هو المؤهلات العلمية والفكرية والقدرات العملية، وندع جانبا الاعتبارات التقليدية من اعتبارات قبلية أو تجارية أو علائقية صرفة أو أخرى غيرها مما لا نعلمها. والمزج بين الديموقراطية والتقنوقراطية تجعل من الدولة المدنية إطارا عمليا مناسبا يسمح للفرد أن يجسد فردانيته دون وحدانية، والفردانية في رأيي هي الحالة الطبيعية للإنسان ، فمتى ما فقد الإنسان سبل تمتعه بها أو معاملته على أساسها نحا إلى التطرف سواء بالإفراط في ممارستها خلاف البيئة المحيطة أو التفريط فيها كسبا لرضى المحيطين به.

وأعني بالفردانية تحقق تمتعه بتفرده وإظهار ذلك التفرد ، أي خصوصية كونه فردا فريدا يتمتع بعلاقة فريدة ومباشرة بينه وبين كل من خالقه (فكل آت الرحمن فردا) والدولة والمجتمع المحيط به (محليا وعالميا)، وتنبثق الخصوصية من الفروقات الفردية والظروف المتعلقة بنشأة الفرد منا التي تستدعي نظرة موازنة بين فردانيته التي لا غني عنها لإبراز إبداعاته وعضويته في الجماعة، كما تتطلب مقاربة منصفة داعية إلى التشديد أو التخفيف بحسب الأحوال في الأحكام أو أسلوب المعاملة.  

والفردانية لا تعني الوحدانية ولا تبررها ، بل على الفردانية أن تناهض الوحدانية إن شاءت الفردانية أن يستقيم أودها ويستقر أمرها، فالوحدانية ضرب من الأنانية المستبدة، وأعني بالوحدانية الاستفراد بالرأي دون مشورة أو الأخذ بالرأي الشخصي دون الآراء المقدمة ، أو تغليب المصلحة الفردية على الجماعة والعودة بذلك إلى مجتمع الغاب.  والوحدانية منزلق موصل إلى تماهي الشخص والمكانة التي يتبوأها أو القوة المستمدة من تلك المكانة سواء أكانت تلكم المكانة بين أقرانه أو أفراد عائلته أومجموعته الثقافية أو ضمن أطياف المشهد السياسي للبلاد أو وظيفته الرسمية.

ولذا كان مناط الدولة المدنية سيادة القانون، فإن الله يزع بالسلطان (أي السلطة والقانون) ما لايزع بالقرآن، وهذا مؤداه أن نقوم على المستويات الفردية والجمعية والمؤسسية بتقنين السلوكيات لا القيم والمثل، وأن نسن لقيم الاحترام والتسامح والعدالة الاجتماعية والحرية والكرامة والمساواة قوانين تضبط السلوك ومؤسسات ترعاها بدل تركها للسلطة التقديرية للأفراد أو تحت رحمة أمزجة  السياسيين والمتنفذين.  وسيادة القانون حقيقة لا  تعني القانون الوضعي فحسب، بل تأخذ بعين الاعتبار روح القانون ، وهي العدالة والإنصاف ، والتي هي العمود الفقري للقانون الإلهي والقانون الطبيعي ، اللذين يعدان بمثابة مرجعية جذرية لتفسير القانون الوضعي وتطبيقه عند غموض أحكامه أو عندما يحتاج لتعزيز روحه.

وحتى يستقيم أمر الدولة المدنية ونحميها من الانحراف لابد من وجود بعض الضمانات المساندة لسيادة القانون مثل: (1) الفصل بين السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية من خلال الرقابة المتبادلة؛ و(2) الشفافية من خلال حق الوصول إلى المعلومات؛ و(3) اللامركزية من خلال توزيع السلطات التخطيطية والتنفيذية على المحافظات وتمكين المواطنين من المشاركة بنجاعة في المجالس الولائية والبلدية وحتى القضائية؛ و(4) حيادية المؤسسات العسكرية والأمنية والدينية من خلال الابتعاد عن تحليل الأمور وإدارتها من هذه المناظير أو إدعاء هيمنتها طلبا للردع والتوحيش.

  إن هذا لا يعني أن الدولة المدنية تفرض علينا قيما خارجية أو تتطلب منا التخلي عن قيمنا العمانية وخصوصيتنا الثقافية وتقاليدنا الأصيلة (التي لم يتم إلى الآن تحديدها وتوضيحها على الرغم من كثرة التشدق بها) أو الانسلاخ منها، بل على العكس فالدولة المدنية هي الوعاء الجامع الممكن لتعددية القيم ، يحترم خصوصيتها ويحميها جميعا على اختلاف مشاربها دون تمييز، وهو يعطيها مهما صغر حجمها حقها من العناية والرعاية الواجبين لها. وفي الحقيقة أظهرت التجارب الإنسانية أن الدول المدنية هي أنجح في ترسيخ القيم ؛ لأنها تبعد الفرد عن الاتكالية والرفض اللذين عادة ما يصاحبان الأمور المفروضة من قبل الحكومات. إن مسألة المحافظة على القيم والتقاليد مسألة في جلها ذات بعد شخصي بالإضافة إلى بعدها المؤسسي.  

أما البعد الشخصي فهو أكثر تمكينا في الدول المدنية التي تتيح للفرد أن يعيش فردانيته دون وحدانية أو الإخلال بالجماعة أو التأثير على المجتمع، وتجعله يشعر بقدرته الحقيقية على أن يعيش إنسانيته دون وصاية وأن يبادر كلما وأينما وحيثما شاء للتنازل عن هذه الفردانية دون قسر. أما من حيث البعد المؤسسي فما من مانع ضمن إطار الدولة المدنية يحول دون إنشاء مدارس دينية أو مؤسسات مخصصة لدعم الذاكرة التاريخية أو الهوية الدينية  أو تأسيس جمعيات ومؤسسات مدنية تسمح بنشر الفكر والوعي وكسب التأييد حيال قيمة ما أو قضية ما يخشى عليها من الضياع، فهذا حق أصيل من حقوق الإنسان وركن أساسي من أركان الدولة المدنية، شرط أن يكون هذا الحق متاحا للجميع دون ضرر أو ضرار.  

* باحث مستقل مهتم بالشئون السياسية وحقوق الإنسان والحوار  jicfa@yahoo.com