اليمن 2015

السلم دربٌ ودين، الإسلام من السلم ومن رب السلام، والدين رحمة للناس، ومن يحوله إلى نقمةٍ أول كافرٍ به، والدين نعمة للبشرية كلها، وإذا كانت البشرية والإنسانية لا تستحق الحياة ما كان للإيمان بالرسل والأنبياء قيمة، وما كانت الرسالات قادمة من السماوات العلى، بكل التضحيات والمجاهدة والتقوى من أجل هداية الكفار، ولو كان الكافرون بلا قيمة لما بعث الله إليهم رسالاته وكتابه وهداه.

أنظرُ إلى الحرب على اليمن اليوم وأتذكر وصف غاندي للحرب بين الهنود في كشمير بالحرب السفيهة، أنظر إلى الصور القادمة من اليمن بكل ما فيها من الموت والعذاب والتعب والآلام وأتساءل غاضاً النظر عن قناعتي بأن الحروب ما حلت مشكلة قط، أهذه حرب عادلة؟ إن وجدت الحرب العادلة قط.

تعلم الناس من أوروبا كيف يشنون حروباً يمتلك فيها أحد الخصوم آخر التقنيات الحربية والطائرات والصواريخ المتطورة، ولا يمتلك الآخر إلا ما هو مطروح في السوق السوداء من فتات الأسلحة، أرى قوات التحالف وطائرات السعودية تحلق في سماء اليمن وتمطر أرضه بالنار، وأرى من يقاومهم يقاوم ببقايا ما كان يمتلكه الجيش اليمني من أسلحة، مع الانقسامات التي حاقت بالجيش، وبما اشتراه من تجار الأسلحة، هكذا أرى كفةً راجحة وكفة خارج معيار الميزان كلية.

فإذا أضفنا إلى ذلك الحصار، والتجويع، واستهداف مخازن الوقود، فلن نرى إلا حرباً على الطريقة الغربية كالطريقة الأمريكية حين شنت حربها في أفغانستان الفقيرة أو على العراق المحاصرة والمجوّعة متأكدةً من انتصارها، هي حرب على الطريقة البريطانية في بدايات القرن حين كانت تحرص على منع الأسلحة من الوصول الى كل المناطق التي تحت سيطرتها لتحتفظ لنفسها بالتفوق. وبهذا المنطق هي حرب جبناء. وفي حروب العصر الحديث انتهى مفهوم الشجاعة، والمواجهة، لكن يبدو أن هناك طريقة أخرى لتمييز الجبناء من الشجعان، فليس من شك بأن من يقف في وجه كل هذه الآلات الوحشية المدمرة التي لا تعرف الا القذف من بعيد هو في منتهى الشجاعة، وأن الجبان من يرمي الناس من مأمن يعرف أنه محصّن.

لست مع أي من الأعداء اليوم، ولكن من الواضح أنهُ مشهدٌ عربي مقزز، يضاف لكل المشاهد المقززة التي نتذابح فيها في الشام والعراق ومصر وليبيا، هذا هو القرن الزمني الذي يجد فيه العربي نفسه في مواجهة العربي، بادعاءات أقل ما يقال فيها أنها سفيهة، وبلا مبرر يتشرد الآلاف ويموت الآلاف ويجوعون ويفتقرون لأبسط شروط الحياة ويتشردون في المنافي وسط الإهانات وامتهان الكرامة وسقوط الشرف، وتمريغ النخوة. ولا مبررات مهما بلغت ضخامتها وأحجامها تقدر أن تقدم حجة مقنعة كي يرى بعض من اليمنيين والليبيين والسوريين والمصريين أياً كان انتماؤهم أن لهم الحق كي يوافقوا على موت إخوتهم، فقتل الأخ غير مبرر الا بمنطق قابيل حين قتل هابيل.

إن قتل الأخوة لا تقره أية شريعة ولا يقبل به أي دين، ولا أي مذهب، فكيف يمكن لنا أن نعتبر أن هذه الدماء التي تسيل هي من أجل قضية عادلة يباركها الله، حاشا الله، وفي هذه الحرب اليمنية قد تمت الدعوة للسلم بشكل واضح وجلي، وأعلن الأطراف موافقتهم، لكن يبدو أنها كانت موافقة من وراء القلوب فحاقت بها خيانة العهود ونكث المواثيق، وسقوط الكلمة بين الرجال.

لم نفقد فلسطين ولم يمت إخوتنا في فلسطين إلا بسبب ذلك الموقف الأخلاقي العربي المنحط نفسه الذي جعل الأنانية مقدمة على الأخوة، والذي جعلنا نتبع أحقاد القلوب، والذي جعلنا نحتقر الإنسانية أمام أطماعنا ورغباتنا في السلطة والقوة، وها نحن منذ قرن ننحط من درك لدرك، وكلما ظننا أن الوضع العربي بلغ غاية انحطاطه يفاجئنا الانحطاط ويدهشنا باختراعه لهاوية انحطاط جديد، ولم نحصد طوال انحطاطنا إلا الحروب والتمزق، والأحقاد والضغائن والكراهية، حتى ها قد خرج وحشنا بعباءة الدين اخيراً من قمقمه ليقطع رقاب المساكين على مرأى العالم.

لا نلومن إلا أنفسنا، ولنتوقف عن تعليق اللوم كل مرة بجهة، فلم يكن لأية قوة في الأرض أن ترغمنا على فعل شيء ما لم نكن نحن ضعفاء النفوس ضيقي الصدور، وإلا كيف أصبحت دمائنا عندنا أهون من شربة الماء، وكيف ارتفع السلاح في وجه الأخ في البلد الواحدة، ومنذ متى كانت مستباحة لنا دماء المسلمين تحت أية حجة كانت؟!

هناك من يوجه أصابع الاتهام إلى إيران، وهنا وهناك من يريد أن يجعل من إيران عدواً للأمة، إيران نفسها التي ثارت ضد طاغيتها وولاءاته الغربية، وأسست ما هو أقرب إلى روحها ورغبتها، ورأت في الخميني مرشداً ودليلاً، وحاربتها الأمم الغربية ما استطاعت طوال عقود، ونحن الذين جعلنا من أنفسنا ومن أهلنا ومن بلاد ما بين النهرين سلاحاً للغرب ليضرب به إيران، ولننظر جيداً اليوم ماذا حلّ بذلك السلاح ومن مزقه وأهانه؟ ولننظر إلى اليوم الأقرب الذي وصلت فيه إيران إلى اتفاقيتها المعلنة مع الدول الغربية وأمريكا.

كيف في اللحظة التي تستبيح فيها الآلة الإسرائيلية دماء إخوتنا الفلسطينيين وأرضهم ومقدساتنا وتستهزئ بقادتهم ولا تعترف بدولتهم ولا بحكوماتهم نقول أن عدو الأمة هو إيران، وأن إيران التي تشاركنا معها هذا الزمن كله، وهذه الجغرافيا والأرض كلها، والتاريخ والأرض، وقاسمتنا الدين والله هي العدو، فأي منطق هزيل هذا؟

إن أكبر براهين اللحظة هو الدوّامة التي جُيشت فيها الجيوش لضرب العراق واسقاط حكومته ودولته بأموال الخليج والعرب ودعمهم ثم لم يسقط العراق إلا لقمة سائغة تحت تأثير إيران، وانقلب السحر على الساحر، فإذا كان اختلافنا مع إيران لأننا رأيناها تدعم نظاماً دموياً كنظام البعث في سوريه فقد اتضح أن لديها وجهة نظر، خاصة بعد كوارث الإرهاب وتمزق العراق، وخاصة ونحن نرى ما تجنيه على شعوبها الأنظمة التي خضعت للغرب من كوارث وويلات وفقر وفساد ونهب منظم على ثروات الشعوب وعلى حياة الإنسان في أرضنا.

لنعد إلى أنفسنا ولنحاسبها قبل اتهام الآخرين، فلدينا من خلل النفوس، ما تفضحه هذه الحرب وما يحتاج إلى إصلاح لا يكفي لإصلاحه إنشاء المساجد الجديدة وترميمها وإقامة دور العبادة وبناء المدارس، لأن الخلل في القلوب، وإذا كان الخلل في القلوب فلا مصير للجسد إلا الفساد.

الروح العربية اليوم تعاني ويضيق صدرها، وتتفكك، وتضعف، وتكاد تفرّ من الرضع، وحرب مثل هذه لا تزيد صحة الروح العربية إلا سوءاً، وتخنق المستقبل الذي نحلم به لأطفالنا قبل ولادته، ولن تجر إلا الكارثة.. ويجب أن تتوقف هي وكل حروبنا اليوم قبل الغد.

إبراهيم سعيد 

1 تعليقك

  1. الحرب تأخذ يوما لتكون، بينما السلام الذي يأخذ عقودا ليترسخ ثقيلٌ على النفوس التي لم تعتد السلام بداخلها!
    تحياتي لحروفك :)

Comments are closed.