في الوقت الذي تتعثر فيه قمم اقتصادية في أوروبا وأمريكا لاتباعها سياسات الخصخصة ورفع الدعم، وتسقط الشرائح الاجتماعية محدودة الدخل في ظل الفقر، ويتعثر الانتاج وتهرب الاستثمارات الأجنبية، بحكم طبيعة رأس المال الرعديد، في عصر دول رجال الأعمال، لا زالت دولنا تريد أن تعيد التجربة المريرة نفسها علينا: يصرح وزير الشئون المالية العماني درويش البلوشي، للمرة الثالثة، بخطط ودراسات لرفع الدعم الحكومي عن الوقود، وبعزم الحكومة (القاطع) على الخصخصة راجع الخبر
هل لنا قبل ذلك أن نستلهم من تجارب الحكومات التي طبقت الخصخصة،لنرى أنما جنته من فوائد مؤقتة في الميزانية العامة كان نكالاً على المواطنين والمقيمين، وخلال سنوات قليلة عادت الحكومة لتفرض ضرائب جديدة لرفع دخل الميزانية، فيما كان المستفيد الحقيقي من تلك السياسات التخصيصية للشركات العامة هو إثراء طبقة رجال الأعمال المتغولة والمتنفذة. وتمكينها من التحكم أكثر فأكثر في دفة القرار السياسي للدولة.
ليس غريباً أن العالم الذي يعتمد على السوق صار يتحكم به رجال الأعمال أكثر فأكثر، وليس غريباً أن كثيراً من السياسيين وقعوا في قبضة رجال الأعمال، وأن التجار صاروا يفرضون اليوم رؤيتهم، وما يناسب مصالحهم، على السياسات الحكومية، في عالمٍ قوامه المال والاقتصاد، ولا ريب أن الأرباح هي لب تفكير التاجر ورجل الأعمال والمستثمر، وما يترتب على تلك الأرباح من خسائر الأفراد العاديين يتم تسويقه كمسألة طبيعية وعادية لتدوير رأس المال. بينما الحقيقة التي يراها المواطن البسيط من الأسفل تبدو مرعبة أكثر فأكثر، عندماتسحق الآلة الجهنمية لرأس المال الطبقات المتوسطة والفقيرة، آلة وآلهة لا تعترف بكلمة الرحمة في قاموسها الذي لا يحتوي غير كلمات الفائدة والربح والخسارة.بينمارقيق الحال يتلصص على مظاهر الترف والثراء الفاحش الذي تتمتع به طبقة المستنفعين.
الدعم الحكومي العماني من مال الميزانية العامة يصب أكثر من نصفه منذ عقود في دعم الصناعة والتجارة، وهو ما خدم نفس الطبقة الاحتكارية التي كانت تتضخم دون أن تعرف شكل الخسارة، وحتى لو عرفتها تعود من جديد إلى نفس النبع العام لتطلب مزيداً من التسهيلات والدعم واسقاط الديون.
معظم، إن لم يكن كل، الشركات العمانية الكبرى تتمتع بحزم من الدعم الهائل، في حين أنها من جهة أخرىتستولي وتستحوذ سنوياً على معظم الموازنة عبر المناقصات العامة، ناهيك باحتكار بضعة أفراد يمتلكون مئات الشركات لمعظم السوق المحلي، وتوسعهم الاقليمي لا يتوقف.
وبالمقابل حين وجدت الحكومة نفسها، منذ أكثر من عقد، أمام مشكلة التشغيل الوطني للخريجين، لم يتحرك متحرك في القطاع الخاص، ولم يستشعر أدنى مسئولية أو واجب، أو حتى الولاء الذي لا يني يتشدق به، من أجل خلق فرص عمل حقيقية، بل فضّل كعادته اغراق سوق العمل بزيادة استجلاب العمالة الرخيصة، وتشويه سمعة العمالة الوطنية، والتقليل الدائم من امكانياتها وقدراتها، والاستهزاء بها، والتضييق عليها بفرص عمل هزيلة، وتوجيها، كما في منهج منظّم، للتكدس على البوابات الحكومية بحثاً عن عمل.
من جهة أخرى تحظى الصناعة العمانية والقطاع الخاص بالتالي بأقل تعرفة ثابتة للكهرباء منذ عقود، بينما يعاني الفرد من تعرفة مطاطة تتناسب مع الاستهلاك، ناهيك عن سعر الإيجار الرمزي للأراضي، والأفضلية في المناطق الصناعية الجديدة، إضافة لحزم من التسهيلات المالية وسهولة ومرونة التمويل، والاعفاء من القروض، وضرائب الدخل،غير الدعم المباشر، وماذا كانت النتيجة؟!
فشل القطاع الخاص في التشغيل الوطني، وغير هذا الفشل الذريع هناك فشل أكبر يتمثل في إصراره على الاعتماد على العمالة الوافدة (الرخيصة)، وهي نتيجة منطقية ما دامت أعمدته الفقرية قائمة على عمالة وافدة بدورها، ما شكل بالتالي نوعاً من المافيات التجارية، والتكتلات الأجنبية داخل السوق، تعمل لتدمير منافسيها، وأسهلهم المنافس الوطني، ولم يتوقف الفشل عند هذه الحدود..
فشل القطاع الخاص، بطريقته الاحتكارية، في تحقيق اكتفاء السوق المحلي، أو كبح أسعار السلع المستوردة، حتى من المنتجات التي يقوم بانتاجها وتصنيعها، مثلما فشل في تحقيق توازن معقول للأسعار مقارنة بالمنتجات المستوردة التي لا تحظى مثله بالدعم، والتي يضاف لأسعارها أرباح النقل والضرائب، ما يعني بالتالي أن حصة كبيرة من رأس المال العامل صارت تتسرب متبخرة إلى الخارج، ليعانيالسوق المحلي من زيادة الانفاق على البضائع المستوردة، دون ان ننسى التحويلات المباشرة لما يزيد عن المليونيوافد تقريباً.
اتجه القطاع الخاص للربح السريع، وأصبح هو الآخر منافساًللحكومة في بيع المواد الخام، وآخرها منتجات الكسارات والمحاجر التي أصبحت تخرج كمواد خام ليمسي جزء منها عائداً كمنتجات مصنعة تباع في السوق المحلي مضافاً إليها تكلفة التصنيع والنقل والشحن والضريبة مع هامش الربح، ليقوم السوق المحلي بدفع كل تلك التكاليف.
وبدل أن يقوم القطاع الخاص بالنهوض بصناعة وطنية حقيقية تقوم على استغلال أمثل للثروات العمانية والموارد فضّل صناعات التعبئة والتغليف، والصناعات الخفيفة، بينما تحطمت المشاريع الصغيرة والمتوسطة العمانية وسط سوق احتكاري، يديره فعلياً وافدون أجانب، تحت أسماء عمانية، يمتلكون الدعم اللوجستي، من الشركات الكبرى، ولديهم قدرة أكبر على المنافسة من المواطنين، كما يمتلكون شبكة علاقات وتمويل خاصة، غير قانونية في الأغلب، لا تتوقف عن دعمها المستمر، ويكاد يخرج اليوم البقية الباقية من العمانيين العاملين في القطاع الخاص، أو يبقى وضعهم الإسمي على المؤسسات، فيما تشغيلها الفعليّ قائم على وافدين، ولا تختلف في ذلك الشركات الكبيرة عن المشاريع الصغيرة.
ليس غريباً بعد ذلك كله أن الخطاب السلطاني في عام 2012 كان صريحاً في انتقاده للقطاع الخاص بالذات: من غير المقبول أن يكون هناك انطباع لدى بعض المواطنين بأن القطاع الخاص يعتمد على ما تقدمه الدولة وأنه لا يسهم بدور فاعل في خدمة المجتمع ودعم مؤسساته وبرامجه الاجتماعية وأنه لا يهدف إلا إلى الربح فقط ولا يحاول أن يرقى إلى مستوى من العمل الجاد يخدم به مجتمع وبيئته ووطنه.
تلك هي الحقيقة المريرة، والقطاع الخاص العماني اليوم يخدم شريحة الوافدين، والاقتصادات الإقليمية والسوق الدولية، أكثر مما يعنيه أو يفكر في خدمة مواطنيه الذين يعيش بينهم ويتقاسم معهم الثروات الوطنية ويستغلها لمصلحته فقط، دون أن يفكر بما يترتب على أنانيته من أخطار، ويتعامل بلا مسئولية، تاركاً المسئولية والامتعاضات الشعبية تقع على كاهل حكومة السلطان، فيما هو دائم التشدق بالوطنية الدعائية، بينما هي وطنية كلامية خالية من روح المسئولية،لم يعد بإمكانها حتى ستر نفسها، حين سعت لإفشال خطط الدولة في التشغيل الوطني، أو أرادت أن تملي شروطها لابتزاز الدولة، وسيظل ذلك حالها ما دامت تدار وتشغّل من وافدين اقامتهم مؤقتة، همهم الأساسي تكوين الثروات والعودة لبلدانهم، أو في أفضل الأحوال الحصول على جنسية عمانية.
إذن بدل أن توجه الحكومة تفكيرها لرفع الدعم عن الوقود، ما سيعني تفاقماً في الأسعار، لن تنعكس أولى كوارثه إلا على الشرائح ذات الدخل المحدود، ناهيك بالمشكلات التابعة التي ستخلق مخاطر اجتماعية اقتصادية وأمنية جديدة ستستنزف بدورها الميزانية العامة؛ على الحكومة بدلاً من ذلك، إذا كانت تسعى لموازنة الانفاق المتزايد، أن توجه بصرها إلى الطبقة الخاملة التي تتفيأ ظلال الميزانية العامة منذ عقود، وتلتهم نصف دعم الميزانية، دون نتائج على الأرض، وأن تعيد النظر في ضرائب الدخل غير المستوفاة من الشركات الكبرى، وإلى الطريقة المهلهلة التي يتم بها استيفاء تلك الضرائب، كما عليها وضع سياسات أكثر إحكاماً للحد من التهرب الضريبي على دخل الشركات والمؤسسات.
على الحكومة أيضاً وضع دراسات جديدة لتغيير سياساتها من أجل تحرير السوق من الاحتكار الذي أضعف الاقتصاد، وجعل ريعه وأرباحه تصب أغلبها خارج الدخل العام للدولة، أو في يد أفراد قلائل، وإعادة التفكير في حلول ناجعة من أجل تمكين الشباب من الامساك بزمام اقتصادهم الوطني، خاصة في المشاريع الضخمة المرتقبةوالسوق السياحية، كي يمكن توخي نتائج حقيقية بدل نتائج شكلية سرعان ما تتبخر بأجنحتها وهي راحلة.
إذن لموازنة الانفاق على السياسات الحكومية الاقتصادية قبل التفكير في قرارات ترفع تكلفة المعيشة، المرتفعة أصلاً، التفكير جدياًفي خطط ودراسات لرفع الدعم تدريجيا عن القطاع الخاص، فقد حان للقطاع الخاص أن يقوم على قدميه ليجابه تحدياته وحده ويؤدي التزاماته وواجباته، بعد أن ظل طوال عقود متكئاً على سخاء الدولةفي الانفاق على دعم مغامراتهالتجارية من الميزانية العامة.
لا نهوض للاقتصاد الوطني دون نهوض القطاع الخاص بمهمته جنباً إلى جنب مع القطاع العام، لكن تلك المسئولية تحتاج إلى تنظيم وسياسات حاسمة تطور ذلك القطاع من ركوده، ومن نومه في مستنقع أرباحه المؤقتة، لأن المهمة الوطنية التي تنتظره في المستقبل القريب جسيمة، وإذا لم يقم بها منذ الآن في ظل قوة وغنى الدولة فإنه لن يقوم بها، بكل تأكيد، عند ضعفها.
إبراهيم سعيد
صورة المقال : الأستوني تونس كانل من فليكرز ميناء ليما مسندم