مسرح كركلا الراقص

مسرح كركلا الراقص في دار أوبرا مسقط (كان يا ما كان)

استضافت دار الأوبرا السلطانية في مسقط في ختام موسمها هذا العام يومي 28 و 30 مايو فرقة مسرح كركلا الشهيرة الراقصة بجيلها الجديد بمصاحبة الأوركسترا السيمفونية لمسرح الباليه لدار الأوبرا الأرمنية، مقدمة ثلاث لوحات بعنوان كان يا ما كان على وقع موسيقى: سيمفونية شهرزاد لنيكولاي ريمسكي كورساكوف، واوركسترا: بوليرو لموريس رفائيل، واللوحة الأخيرة موسيقى فلكلور من التراث العربي. (قدم العرض لأول مرة في مهرجان بيت الدين 2012)

دار الأوبرا السلطانية أعدت عرضاً خاصاً دعت فيه أطيافاً متنوعة من موظفين حكوميين إلى أعضاء فاعلين في المجتمع، مع حضور رسمي رافقته الحوّامات الطائرة، وكان لي حظ الحضور بدعوة كريمة من مبادرة نور وبصيرة. وذلك في الحادية عشر والنصف ظهراً !! من يوم الأربعاء 29 مايو

الفصل الأول: شهرزاد:

بحرفية راقصة مليئة بالألوان، والملابس الاستعراضية الملونة (لكن بسترٍ من نوع خاص في الثياب الأنثوية بدا أنهُ مصمم للذوق المسقطي) وخفة الحركة والرشاقة الراقصة، والهوية الشخصية التي تتميز بها فرقة كركلا، وتحت إدارة الجيل الجديد من كركلا (تأليف وإخراج إيفان كركلا، وتصميم الرقصات أليسار كركلا) وعلى أنغام أداء راقي وجميل مع تنويع وحضور خاص للآلات الشرقية (قيادة المايسترو هاروت فازليان) لموسيقى كورساكوف الشهيرة (شهرزاد) ولما يقارب ال50 دقيقة للفصل الأول والثاني تقريباً، وسط ابهار تقني للمؤثرات البصرية(العرض والمؤثرات البصرية لسرجيو ميتالي) واستغلال عمق المسرح كشاشة سينمائية بتمازج وتداخل مع العرض المسرحي (تصميم المناظر المسرحية للويجي ماركيوني) ، واستغلال الامكانيات الضوئية التقنية، قدمت الفرقة افانين من اللوحات الراقصة، مع الفنان رفعت طربية الذي أدى دور الوزير والراوي في الفصل الأول والذي يروي للجمهور مداخل القصة الشهيرة التمهيدية لقصص ألف ليلة وليلة، (أدى الفنان والمخرج برج فازليان دور الملك الأب) وهي قصة الملكين شهريار وشاه زمان، والخيانات الزوجية التي جعلت شهريار (أدى دوره مايكولا ميكييف) يتحول إلى قاتل زوجاته.

استمتع الجمهور بعرض راقص انطلق من ثيمة الخيانات الزوجية لنرى الرقصات تحوم حول عالم الأبهة والفخامة والشهوات والأهواء الملكية، لكن بشكل طفيف مع توالي الرقصات يمكن الشعور بنوع من التكرار المنوّع الذي وكأنما كان يحاول ملء المساحة الزمنية بمزيد من الراقصات، مع تنويعات في ملابس المجموعات وتصميم الرقصة، وهذه مجرد ملاحظة هامشية.

شهرزاد بلا شهرزاد:

الملاحظة الرئيسية والتي أراها أهم ملاحظة شخصية على عرض الفصل الأول هي أنها تجري على أنغام موسيقى كارسيكوف الشهيرة التي ألفها على شرف واسم شهرزاد والتي أصرّ ريمسكي كارسيكوف أيما إصرار على أسمها كي تحيل إلى الفنانة الحكائية التي انطلقت الحكايات على لسانها، بينما طوال لوحات العرض المسرحي الراقص لا يوجد أي أثر لشهرزاد نفسها، ولا حتى لمحة بسيطة أو دور هامشي، بل يحتل العرض كل الشخصيات الأخرى عداها، ومثل الوزير دور الراوي والذي قد يحيل قراء ألف ليلة إلى الوزير والد شهرزاد.

إذا كانت شهرزاد تمثل الحكمة والقدرة على الحكي والرواية التي تمنع القاتل من قتل نفسه، فشهريار  بقتله لزوجاته يقتل ضمنياً جزء الألفة في ذاته، ويقتل زوجته أي شريكته، وبالتالي جزءاً منه، لكن شهرزاد بحكمتها تنقذه من ذلك القضاء الظالم الذي أجراه على زوجاته وبالتالي على نفسه، بالحكايات الليلية لألف ليلة وليلة.

هكذا تكون شهرزاد الموسيقى الكارسكوفية المخصصة لشهرزاد بطلة ألف ليلة وليلة الرئيسية، بينما العرض المسرحي الراقص الذي أدته كركلا على مسرح دار الأوبرا السلطانية لم يلتفت لشهرزاد بالتحية، وانشغل بالقاتل وبالتالي جعل أبطال عرضه هم النقيض من شهرزاد، أي كل الشخصيات التي أدت للمأساة والعقدة الصعبة التي كان على شهرزاد حلّها: بالحكايات.

استطاع الراقصون بحرفية عالية تقديم لوحات مبهرة، خاصة نجما الرقص المنفرد (يكاترينا كوزاشينكو و جان فانا) اللذين استطاعا الاستحواذ على مدة طويلة من العرض الراقص دون أن يفقد الجمهور الافتتان ببراعتهما. وكانت لوحة البداية بأجوائها الافتتاحية والمؤثرات البصرية باهرة.

الفصل الثاني أسواق الشرق موسيقى “بوليرو” لموريس رفائيل:

انتقل الجمهور بعد الاستراحة مع الفصل الثاني إلى ديكورات السوق الشرقي، ويدور العرض الراقص الذي يتركز معظمه على فكرة تاجر جواري ساحر يحوّل العجوز الشمطاء لفاتنة، ويحتل الصدارة والحدث الرئيسي فيه سوق نخاسة الجواري وبيعهن للسادة الشرقيين ليضموهن لمنتخبهم الحريمي.

هذا التصور الشرقي والمعروض رقصاً على المسرح هو ترسيخ لصورة نمطية أوروبية استعمارية عقيمة عن الشرق، ولعل دخول المصور الأوروبي بكاميرته القديمة للسوق وثيابه الناصعة وبدلته البيضاء من تصاميم القرن التاسع عشر كما تظهر في أفلام هوليود كان رمزاً للإرباك الكولونيالي الحادث على العرض.

هذا النوع من العروض لفرقة عربية شهيرة وعالمية كفرقة كركلا (يعود تأسيس الفرقة البعلبكية الجذور لسبيعينيات القرن الماضي، وقدمت عروضاً عالمية في مختلف بقاع العالم تقريباً)  يساهم، لربما من دون تعمد، في ترسيخ تصور نمطي خادع نحاول منذ زمن طويل كشرقيين وليس كعرب فقط تمييز الحقيقي والزائف فيه.

المشاهد الراقصة وخاصة الانفرادية كانت مبهرة، والعرض بشكل عام كان جميلاً مع حضور الألوان في الأزياء المصممة بطابع الاستعراض الاستشراقي كما تظهر في اللوحات الفنية عن أسواق الشرق، وكان التناسق المتكامل والانتقال بين اللوحات المتتالية خلاباً بحق، وأداء الراقصين والراقصات منسجماً وممتعاً بصرياً، بينما كانت الأوركسترا المصاحبة تشنف الآذان بمقاطع من بوليرو تلك المعزوفة التي وصفت بأنها أوركسترا بلا موسيقى، والتي استلهمها موريس رفائيل أساساً من رقصة أسبانية تدعى بنفس الاسم: بوليرو.

 

الفصل الثالث: فلكلور موسيقى من التراث.

بالحضور الافتتاحي للربابة، والمواويل، افتتح الفصل الأخير من العرض، وبأداء نجوم الطرب جوزيف عازر وسيمون عبيد والنجمة الشهيرة هدى حداد (كنت شخصياً افتقدت هدى حداد منذ زمن بعيد، ولولا بعض إحالات الطبقة الصوتية التي أحالتني لفيروز لم أكن لأتعرف عليها، ولم أتأكد تماماً حتى عدت لكتيب برنامج العرض)

رغم أن الموسيقى هنا هي فلكلور من التراث العربي، لكن عدداً من جملها اللحنية ذكرتني بأعمال مارسيل خليفة التي استلهمها من التراث هو الآخر؛ على المسرح تم عرض فيلم عن عمان مع بعض اسماء البلدان التي أدخلت في الشعر المغنّى فيما يفترض أنهُ تحية لجمهور الأوبرا. لكن عدم إلمام معدي العرض حتى بالطبيعة الجغرافية المقصودة: خيال رملي عن الخليج، جعل العرض يعتمد الرمل كخلفية لعرض عدد من الآثار المعمارية العمانية الشهيرة وهو ما فضح التكلف والتسرع، وكان إزجاء المديح المبالغ فيه فجّاً وخارجاً عن السياق، ويوحي بمسحة ابتذال.

جميل أن يحيي العرض الجمهور، لكن أصول التحية الفنية والخلفية الفنية لا تبيح زيادة التحية عن حدها، وتحويلها لفقرة مديح أعد على عجل بلا مبررات فنية، والمديح ليس عيباً لكن لهُ شروطه التي ان لم يلتزمها الفنان المرهف تحوّل لنفاق غير مبرر فجّ وجالب للكدر أكثر منه للحبور، وهذا ما حدث. ولعل زلة قدم عمر كركلا الراقص الفلكلوري العريق على صدر المسرح في لحظة القفلة الختامية والتي كاد بسببها يقع في وسط العرض أوضحت بشكل رمزي تلك الزلة من مسرح محترم ومقدّر ككركلا.

بالنسبة للعماني الذي أكونه بدا لي تقديم تلك الصورة الأيقونية لبلادي متكلفاً مبستراً وغير ملم حتى بموضوعه الذي يفترض أنهُ: عمان. فضلاً عن أني لا أظن هذا ما جاء لأجله الجمهور.

وهذه ليست المرة الأولى فقد سبق أن حضرت عرضاً آخر في دار الأوبرا وتم إقحام اسم عمان فيه إقحاماً على هيئة تحية للجمهور، ولست أعلم إن كانت دار الأوبرا السلطانية هي من يوحي للفرق بأن جمهور الدار يحب هذا النوع الفضفاض من المجاملات المتكلفة، أم أنهُ من وحي الفرق أنفسها، لكنهُ في الحالين كان فجّاً وخارجاً عن السياق الفني، ويحيل مباشرة لصورة ابتذال النفاق المجاني. وكما قيل (المدح في الوجه مذمّه)

جميل أن نحضر فناً راقياً أصبحنا نتشوق إليه، وهو ما دأبت دار الأوبرا على تقديمه، والأجمل أن يظل صدر الأوبرا في مواسمها الفنية رحباً برحابة الفن نفسه وأخلاقه، وقابلاً بل ومحباً للنقد، فبالنقد نتقدم، ونتحضّر.

 

إبراهيم سعيد

2 تعليقات

  1. طرح جميل … واتفق معك حول مسألة المدح المبالغ فيه والذي خرج عن سياقه واتخذ منحى اخر غير محبب …لكن ربما لهم عذرهم في ذلك بسبب شعورهم بالحميمية في بلد مثل عمان واحبوا ان يردوا بعضا منها ….شكرا لك

  2. يا خسارة البلد بمديحها للأوبرا المذمومة دينيا وشعبياً
    كنت أظن البلد أرقى من هذا المقال التافه

Comments are closed.