لماذا يسرقون؟

الأحكام الأخيرة في قضايا الفساد لم تكن الأولى.. ولن تكون الأخيرة.
وهي ليست حالة عمانية خاصة حتى يتم تضخيمها، ولن تبقى كذلك طالما أن النفس الإنسانية مجبولة على الضعف أمام رائحة المال، خاصة إن كان القفز على أسوار الضمير سهلا، ليس لأن الضمير ليس محصنا تماما فحسب.. بل لأن الصيد متاح، والمكانة رفيعة.. من الصعب أن تمسّ أو تحاسب.
من نوافذ العالم تطل قضايا الفساد بشكل يومي، من تركيا إلى إسرائيل وصولا إلى برلسكوني الإيطالي حيث لقاء المال والنساء، لكن الفارق هو عدم التهاون في التعامل مع القضية، وتناولها إعلاميا، حيث لا تبق مطبوعة لا تبحث في تفاصيلها وجزئياتها وتتناول المتهمين (حتى قبل الحكم عليهم) بالتحليل (وربما بالتهويل) لأن الأمر يتعلق.. بأموال وطن.
الوضع معنا لا يزال الإعلام يتعلم ألف باء التجربة، رغم أن الفاسدين تعلموها وأتقنوها، ساعدهم في ذلك حالة التغاضي، والمداراة (ضمن مفهوم الدائرة الواحدة والحامية لأفرادها) وعدم الجدّية في التعاطي مع هكذا قضايا تمس الأمن الاقتصادي الوطني، وليست مجرد سرقات صغيرة يمكن احتسابها (حالة ضعف إنساني) لا أكثر، والتعامل معها على أساس: عفا الله عما سلف.. ومن عفا وأصلح فأجره على الله.
سرقة / رشوة / اختلاس / تحايل.. تعددت المفردات، والنتيجة واحدة.. والذنب في حق الوطن كبير، وعلى قدر أهل العزم تأتي العزائم.. وعلى قدر المناصب تكبر الأرقام، ويهتم الناس بما وراء تلك الأرقام والشخصيات التي خذلتها ضمائرها وهي تعرف من أين يؤكل لحم (الخزينة) وكما يتردد (عجب أول عادي).. لكن العادي اختلف كثيرا، والمعضلة في ما وقع أيام تلك (العاديّة) وكيف تفوح روائحه الآن، على اعتبار أن المسألة (ماتت) والمبالغ وصلت إلى الحسابات (الداخلية والخارجية).
أكثر من شخص طرح السؤال: هؤلاء ويسرقون؟! ماذا يفعل الفقير إذن؟!
الكبير (الفاسد) يسرق على قدر الملعقة التي في يده من الكعكة التي أمامه، أما الصغير (الفاسد أيضا) فإنه ممسك بما يقدر عليه مقابل غنيمة لن يطال أكبر منها، وربما يكون عاملا مساعدا لبلوغ أصحاب الملاعق الكبيرة إلى غاياتهم وتسهيل المهمة (الدنيئة) للحصول على المال العام.. وفق القانون، فالفواتير وبقية الأوراق قانونية تماما.
لا علاقة للسرقة بأمر الثراء أو الفقر، لأنها لا تتعامل مع أرقام الحسابات البنكية، بل حسابات الضمائر، عظم شأن الموظف أو ضعف، و”لأن المال السايب يعلم السرقة” فإن ضعف القوانين وإمكانية القفز عليها من المتنفذين أغرت ضعاف النفوس (كبارا وصغارا) بالأخذ من الأموال العامة، والمأساة أن الصغار يبررون الأخذ لصغر ما يأخذونه مقارنة بما يأخذه (أو يتوهمون) أن كبار القوم يأخذونه.
هل سنرى صورا على وسائل الإعلام بعد الإدانة؟ غالبا لا، لأن هناك مراعاة للوضع الاجتماعي، مع أنهم لم يراعوا حرمة المال العام وهم يمدون أيديهم إليه.. لو جرى فتح الملفات لخشينا أن لا تكفي صفحات صحافتنا لصور من أخذ: أخذ مليونا.. أو قلم رصاص.. على غير وجه حق.
محمد سيف الرحبي 
الشبيبة