عُمان بعين ثانية

لأول مرة أشاهد عمان بهذا الجمال، مع أنني كنت أعلم أنها تمتلك إمكانات كبيرة من قبل، وكنت أعلم أن كل ما فيها صالح لأن يحول إلى أجمل ما في هذا الكون، إلا أنني لم أكن أراها بالشكل الذي هي عليه، صار ينبغي عليَّ أن أعترف الآن بهذا الأمر بعد أن شاهدتها بعين أخرى غير تلك العين التي كنت أراها بها، رأيتها هذه المرة بعين صديقين تونسيين يزوران السلطنة لأول مرة، أحبَّا أن يشاهدا البلد، وأحبَّا أن تكون مشاهدتهما أكبر من مجرد مشاهدة سائح، أحبَّا أن يدخلا إلى العمق، وأن يريا الناس، ويريا حياتهم بتفاصيلها الدقيقة، فقد كان الناس الأساس في الحكم على البلد، وهذا ما كان، رأيا الإنسان والمكان، وكانا يراهما بعين الفاحص، وبنظرة ثاقبة، وصلا إلى السلطنة في الساعة الثالثة فجرًا، دخلا ببساطة إلى المطار>

يقول أحدهما: “أول مرة أدخل فيها مطارا، ولا أشعر بالقلق والتوتر”، مع أنه لم يكن يحمل التأشيرة الأصلية، كل ما عنده مجرد نسخة منها، اكتفى الموظف بكتابة “لا يحمل التأشيرة الأصلية”، وختم عليها. قرأ العبارة الموظف الذي بعده ختم عليها ختما آخر وخرجا من المطار وهما يكادا لا يصدقان ما حدث، خرجا إلى الشارع الهادئ النائم، التقيت بهما في الفندق، من الأشياء التي قالاها: “عمان بلد هادئة” كان الانطباع الأول، وهو أمر حسن بالنسبة لي، ومع ذلك فقد قلت لهما لا تستعجلا فأنتما لم تريا شيئا بعد، قال: “الأمر واضح وجلي، وهي أيضا نظيفة وشوارعها جميلة” هذا الانطباع سرني كثيرا، فالبعض منا تبدأ علاقته بالبلد التي يحل فيها حبا أو بغضا من أول موقف يواجهه” أما هذان الصديقان فأحباها من أول نظرة كما قالا بعد ذلك، كان أحدهما متحمسا للذهاب في جولة في ربوع مسقط إلا أنني آثرت أن يرتاحا أولا على وعد بالقيام بالكثير من الجولات في قادم الأيام.

… كم أتمنى أن أتحدث عن تلك الزيارات بالتفصيل الممل، ولكني سأختصر الحديث في أهم ما جاء فيه؛ حيث إنهما ركزا كثيرا على مسقط العاصمة، وروحها القديمة، وطابعها العماني، ويعود هذا التركيز إلى فقدان الكثير من العواصم إلى هويتها، وروحها، وكان الجميل بالنسبة لهما أن استطاعت مسقط الحفاظ على هذه الهوية رغم مدنيتها، وذلك من خلال رؤيتهما لمسقط القديمة وبوابتها الحارسة لها، ومطرح بكورنيشها والسفن المستريحة في حضنها، والبستان، وسداب، والقوارب في هجوعها الليلي استعدادا ليوم طويل، وبوشر البلد متمثلة في (بيت المقحم) والأنصب والحمامات؛ وذلك الرجل الكبير الذي سلم علينا، ونشدنا عن أخبارنا على طريقتنا العمانية التقليدية التي كانوا يسمعون عنها، ورأوها كثيرا لاحقا بداية من هذا الشيخ امتدادا إلى كل من كنا نلتقي به.

كان الشيخ حريصا على أن نزور مزرعته التي وضح تمسكه الشديد بها؛ لأنه كان حارثا لا وارثا، أصرَّ الرجل على تناول القهوة معه، واعتذرنا منه بأدب شديد شاكرين له هذه الدعوة، ومن موقف هذا الرجل، ومواقف أخرى مرَّت بنا حفَّزت الضيوف على إلقاء هذا السؤال: “لماذا أنتم طيبون زيادة عن اللزوم؟”، أعلم أننا طيبون، ولكن هل فعلا أننا طيبون زيادة عن اللزوم؟! هذا السؤال كان سببه بسيطا، حيث دخلنا في نزوى أحد المحلات في السوق القديم، فإذا بالبائع العماني يأخذ ويعطي مع ضيفنا في الكلام، ويسأله عن أحوال تونس، ويقدم له القهوة العمانية، وفي نهاية الزيارة يقدم له هدية بسيطة.

كانا يستغربان كثيرا لعدم استغلال هذه الإمكانات الطبيعية والتاريخية في الدراما العمانية، فقد كانا يعدان العديد من المواقع التي زرناها مواقع جاهزة للتصوير، وهي بهذا الشكل لا تحتاج إلى أي زيادة في الديكور، ولا تحتاج إلى أي تغيير، فهي تضفي جمالا كبيرا على أي مشهد يصور فيها، كل ما تحتاجه هو استغلالها الاستغلال الأمثل؛ سواء أكان هذا من خلال الأعمال الدرامية العمانية أم من خلال فتح الأبواب مشرعة أمام الأعمال الدرامية من خارج البلد؛ لتكون مسوقا كبيرا للبلد وجماله وحضارته، وكان مثال الأعمال التركية حاضرا أمام الجميع، ومتفق عليه من قبل الجميع، وكلنا يرى أن عمان لا تبتعد عن هذا المثال.

أحدهما يتعرف على الفلج لأول مرة، مدهوش من كثرة الأفلاج في البلد، فأينما توجهنا ثمة فلج بانتظارنا، مادًّا ساقيته باتجاهنا، وكأنه يسقينا من حبه الذي لا ينضب، وكم كان مدهشا حساب ساعات الفلج بالساعة الشمسية التي كانت واقفة منتصبة في شارع من شوارع قرية بني صبح، ولا ينقص الإدهاش ساعة الوقوف أمام فلج دارس الذي يستطيع أن يختصر حكاية الأفلاج العمانية فيه، وكانت رائحة الجص النابعة من نزوى حكاية لا تنسى حتى إن صديقنا يرى أن نزوى تخرج الواحد من العالم لتدخله في عالمها الخاص، وكذلك تفعل مسفاة العبريين تلك الواحة المعلقة بين السماء والأرض، وهي مدينة عالمية كما يراها. يعتقد صديقي أنَّ عمان قادرة على ضرب سوق السياحة متجاوزة كل الدول السابقة في هذا المجال، يبقى السؤال هل يكون ذلك صحيحا؟!

محمد خلفان الهنائي