على غرار الأمانة

المناسبة الوحيدة التي تُذكر فيها الأمانة هي عند الاحتشاد لصناديق الاقتراع، حيث يلمح المواطن من بطونها بارقة أمل للتغيير، توضع بيد المترشح الذي لا يذكّره أحد بالأمانة الملقاة على عاتقه، ولا يردعه قانون لإساءة الأمانة عندما يفترش الموائد ويشتري ذمم الناخبين أو حتى يستغل أحلام البسطاء بشعارات خدميّة كاذبة لا تمت بمهام البرلمان أي صلة.

هناك؛ حيث يترقب بعض الزاعمين بقدرتهم على انتشال الناس من بؤسهم إلى الرخاء ومن فقرهم إلى الثراء، يترقبوا الظفر بكرسي تحت القبة كما يلوح لهم بريق كرسي آخر فوق القبة، لا تُذكر الأمانة إلا عندما يُراد من المواطن أن يشارك مشاركته السياسيّة الوحيدة والتي تحوّلت بفعل من ضيّع الأمانة حقّاً إلى تجربة مخيّبة، فالمواطن بكله أمانة بين أيديهم، لو أدوها حقاً، لما خشوا عليه أن يضيّع الأمانة، و المال العام الذي يتبدد جزافاً أمام مرأى الجميع أيضاً أمانة.

ورسالة الإعلام التي شوّهت المفهوم العميق للوطن في أذهان الناس وقدمته على شكل ولاءات للحكومة وإنجازاتها حتى غاب لأمد طويل معنى الإنتماء الحقيقي للوطن المجيد أمانة أيضاً، وهم يعلمون تماماً أنه من الإعلام يبدأ العجن الحقيقي للوعي والإدراك اللذان يحددان ما اذا كانت الشعوب قادرة على تحديد مصيرها وإدارة شؤونها ببرلمان حر وسلطات مستقلة.

لا نذكر الأمانة عندما نرى التعليم يتردّى يوماً بعد يوم ولا يهتم إلا بالشكليات والقشور والإشادات والظهور، أما المخرجات فالتعليم غير مهتم ما إذا كانت تعرف التفريق بين مجلس الشورى ومجلس الدولة أو الفرق بين الوطن والحكومة والدولة ويتم تحميلها الآن مسؤولية الأمانة.

لماذا لا نذكر الأمانة؟

عندما نحارب أي بؤرة ثقافية تقوم بمحاولة نبيلة لبث شيء من الثقافة والتنوير بين الناس ليعوا مالهم وما عليهم من حقوق وواجبات، ونعرقل كل تجربة تخرج عن سياق الوسط الثقافي الحكومي العاجز عن تقديم رسالته الحقيقيّة ونسبغ سبغة الإلحاد أو العلمانيّة أو الإنحلال أو تنفيذ أجندة خارجيّة أو غيرها من الإتهامات المغلفة بالخيانة، لا نذكر الأمانة.

عندما نرى الاخطاء الطبيّة تكاد أن تطال كل أسرة عمانيّة ويروح ضحاياها الكثير من المواطنين دون محاسبة او حتى وقفة جادة للنظر في هذا الأمر، لا نذكر الأمانة.

أو عندما نرى التخبط في الرؤية الإقتصادية والإخفاق في صناعة إقتصاد وطني متنوع مع وجود جميع المقومات والإمكانيّات والتي سيدفع ثمنها الناس غالياً في الأيام القادمة ولعله ستدفع ثمنها الأجيال القادمة أيضاً، لا تذكر الأمانة.

و عندما يُفرّغ الخطاب الديني من محتواه الجوهري المكتنز بالقيم الإنسانية العظمى من العدل والحرية والمساواة ونبذ الظلم والاستبداد والفساد واشغاله بقضايا الشكل وطول اللّحية وقّصر الثوب ولون العباءة، لا نذكر الأمانة.

يبدو أن الأمانة الوحيدة في بلادي هي صوت المواطن، أما الأفعال والممارسات والقرارات خارج إطار الأمانة !!

إسحاق الأغبري