الطموحات إشكالية اجتماعية

لا يمكنني أن أحلم أو أطمح في يوم ٍ من الأيام أن أصبح حاكما ً لهذه البلاد، ليس لأن جيناتي الوراثية لا تسمح بذلك، أو لأن سلالتي تقف عائقا ً لتحقيق ذلك، بل لأن الطموحات والآمال مشروع جماعي و ليس فرديا ً.

من الممكن أن تطمح لقيادة سيارة فارهة، و تحقق ذلك.
من الممكن أيضا ً أن تحلم بالسفر للكثير من دول العالم، وتحقق ذلك.
من الممكن كذلك، أن تتمنى الحصول على شهادة عليا، وتحصل عليها.
لكن من غير الممكن أن تحلم بكل شيء، جائز، ومشروع وتحققه.

ثمة عوائق تحول بين حلمك وبينك، وهذه العوائق ليست بالضرورةأن تكون ذاتية، تكمن فيك و في مستواك الفكري، بل في كثير من الأحيان، تنتمي هذه العوائق للمجتمع، للسياق العام، و للتاريخ أيضا ً.

التاريخ  يُفصّل إلى حد ٍ كبير أحلامنا و طموحاتنا، فهو يمدنا في الحالة الإيجابية بالدعم المعنوي والمساندة المباشرة للشروع في تحقيق هذه الخطوات ، كما انه يقوم ايضا ً بدور ٍ معاكس في الاتجاه المضاد.

التاريخ ، يمنح أحلامنا الكثير من المشروعية و صلاحية التنفيذ، ففيه (التاريخ) نجد المساندة المعنوية، التي نأخذها من التجارب السابقة، وبشكل ٍ خاص تلك التي تنتمي لنا بشكل ٍ مباشر.
غير أن التاريخ في هذا السياق ليس مسارا ً نهائيا ً ومنجزا ً لا يمكن تغييره، بل هو مسار في رسم الصيرورة والتكون. مسار لا ينتهي إلا بنهاية الإنسان الفاعل، من هنا يكون التاريخ في الكثير من الأحيان عامل دفع لتجاوز الماضي، وتغيير المسارات السابقة التي لا تُرضي طموحاتنا المعُاصرة.

إذا تم تجاوز عامل التاريخ السلبي، فمن الممكن أن يقف السياق العام، المجتمعي والقانوني، كعقبات لا يمكن التوقع بزوالها قريبا، على المستوى المنظور في الأحوال الطبيعية، ذلك أن الكثير من الأحلام والطموحات يتم وأدها منذ الصغر، ولا يمكن إعادة التفكير بها  لاحقا ً، فهي (بحسب بعض السياقات) لا تتناسب مع الجميع، بمعنى آخر ينبغي أن تكون أحلامك تحت سقف معُين، لا تطمح لتجاوزه، وإن حاولت فأنك شاذ؛ مجنون، أو شخص ينبغي التخلص منه.
وإذا تم تجاوز عاملي التاريخ والسياق العام بوصفها عائقين،  فإننا نجد المجتمع، الحاضن للعاملين السابقين بالمرصاد، وربما أكثر وطأة وعنفا ً تجاه ما نحلم. فالأفراد بشكل ٍعام الذين يكونّون المجتمع ويكونهم، باستطاعتهم أيضا ً، تغيير ذواتهم، وتغيير مسارهم المستقبلي العام و الخاص، لا يرغبون، أو لايطمحون، إلى تغيير المسار المستقبلي بشكل ٍ كبير، فالنزعة المحُافظة المستقرة، هي الأكثر شيوعا ً، في التاريخ، ذلك أن الثورات والتمرد تعتبر بمثابة الاستثناء الذي يكسر قاعدة المجتمع ومساره.

يختزل السياق عامل الزمان بشكل ٍ كبير ، و الزمان يختزل ايضا ً عامل الوعي ، المتغير ، الذي يفترض و يحتضن بدوره ، عامل تاريخية التفكير مضافا إليها الرغبات و الطموحات ، و صيرورتها و تفاعلها مع الواقع بكل تعقيداته و مزالقه.
بمعنى آخر ، إرتباط الطموحات بالزمان يضعها ، في موضع الشك بامكانية تأبيدها واستمراريتها، فهي (الطموحات) ليست نتاجا ً للطبيعة الفيزيائية، بل هي نتاج من نتاجات العوامل السابقة وغيرها، مما يعني بأنها قابلة وممكنة التجاوز، فهي ترتبط في الكثير من الأحيان بعامل التفكير الذي يسجننا في مناطق فكرية، واجتماعية محددة.

الطموحات، مهما كانت، تلك التي كانت مستحيلة منذ سنوات التي يتم تداولها الآن، لن ستصبح كذلك في السنوات والمراحل المجتمعية القادمة، فهي تتقادم تلقائيا ً بفعل الكلام والتداول، والتفكير الجماعي، الأمر الذي يجعلها مألوفة لدى الكثير من أبناء المجتمع، لتتحول بعد ذلك إلى حلم يراود الكثير من الاشخاص، الذي بدورهم سيتخذون الكثير من الوسائل للوصول اليها و تحقيقها. من الممكن الحديث هنا بأننا كذوات، صنيعة أحلامنا و طموحاتنا، و إلى حد ٍ كبير معارفنا و تجاربنا. فالطموح يقودنا إلى القيام بالكثير من التجارب، التي تهدف إلى  إنجاز أمل معين، و في هذا المسار ثمة الكثير من العقبات والأخطاء الطبيعية جدا ً والضرورية إلى حد ٍ كبير، التي بدونها لا يمكن للتجربة أن تتبلور وللأحلام أن تتضح وتنضج.

المسار هنا، ليس جاهزا، حتى و إن كان مهيأ بفعل الكثير من العوامل والظروف، فالمسارات الجاهزة لا تقود للجديد، ذلك أن هناك ارتباط كبير شبه ضروري بين الجاهزية والعادة التي تحتم التكرار وتبتعد عن الاختلاف. ثمة الكثير من الشخصيات التي أصبحت تاريخية الآن استطاعت  الخروج من المسارات الجاهزة و السياقات المماثلة، معلنة بذلك بدء مرحلة جديدة في التاريخ العمومي، وهي تمنحنا الكثير من الأمل والجرأة على تجاوز العقبات التي نعتقد متوهمين أنها أبدية لا تزول.

علي سليمان الرواحي