الإسلام ورجال الدين والمثقف

قبل ألف وأربعمائة سنة لم يكن العالم المعروف كما هو العالم المعروف اليوم، على صعيد الأفكار والمعتقدات التي هي أساس كل الأفعال والبنى اللاحقة، وفي ذلك التاريخ البعيد والمختلف كلية في القرن السابع الميلادي ما قبل السنة الثالثة عشر هجرية حين ظهر الإسلام كدين جديد في مكة، حمل في طياته كمية من الأفكار التحررية الجديدة، اهمها هو تحرير فكر الإنسان، كما أشار المفكر الكبير الراحل نصر حامد ابو زيد، فقد جاء الإسلام لتحرير عقل وقلب الإنسان من عبوديته للصنمية الجامدة المقفلة بالأساطير والخداع والأوهام، وجاء الإسلام لتحرير الدين أيضاً من رجال الدين، وقدّم الإسلام نفسه بوصفه ديناً للناس كافة ليس على المستوى الجماعات وحدها بل حتى على المستوى الطبقي داخل الجماعة الواحدة، لأن الإسلام جاء ليقول أن الناس كلهم عبدهم وفقيرهم وضعيفهم وغنيهم وكبيرهم وصغيرهم سواسية أمام الله، دون أية تفرقة، وأن الله لم يخلق الفروقات الطبقية. (يا أيها الناس إنّا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم إن الله عليم خبير) 13: الحجرات، هكذا كان آمن بالإسلام الفقراء والمستضعفون في الأرض والمساكين والمهمشون، ولا أدل على ذلك من أن أول أسرة شهيدة قدمت نفسها فداءاً للإسلام هي آل عمار.

جاء الإسلام بمنظومة عبادات وشعائر فردية تتجاوز رجال الدين نحو الله مباشرة، وذلك هو تجديده الديني، وهاجم القرآن في آيات كثيرة وما يفعله رجال الدين ويشوهونه في تراث الأنبياء، واتهمهم ببيع الدين لقاء أموال أو مناصب أو مصالح دينوية بائسة ضئيلة، وهاجم في آيات كثيرة رجال الدين الذين يشترون بآيات الله ثمناً قليلاً، وحذر المسلمين من نفس الفعل: (ولا تشتروا بعهد الله ثمناً قليلاً إنما عند الله هو خير لكم إن كنتم تعلمون) 95:النحل، وكان المسجد الإسلامي تجسيداً لتلك الفكرة الأساسية لتجاوز رجال الدين، فليس للمسجد موظفين للصلاة أو مؤسسة دينية، ولا للحج ولا للصوم ولا للشهادة فيما عدا الزكاة التي يقبضها الجابي للدولة الإسلامية أو ينفقها المسلم نفسه في أوجه الزكاة، وهكذا لا يستطيع رجل الدين ادعاء ملكية دار عبادة إسلامية أو أنها تحت إدارته، أو أن في الإسلام سدنة مساجد، باستثناء الكعبة، وفيما عدا القيمين بالمساجد ووكلائها الذين يعتنون بأوقاف المساجد من أموال وبساتين وزروع، وهي موقوفة لوجه الله، وليست للمسجد بمعنى أن ريعها لا يذهب لمصلحة الموظفين في دار العبادة كما في الكنيسة المسيحية، وفي الآية القرآنية (وأن المساجد لله فلا تدعوا مع الله أحدا) 18: الجن

بتلك المنظومة الفكرية استطاع الإسلام أن ينتشر في أرجاء واسعة كما لم يحدث لأي ديانة من قبل، عابراً للثقافات والاختلافات الجغرافية والجنسية والقبائلية والعرقية، ولقي الفكر الإسلامي الترحيب من أمم وجماعات وقطاعات واسعة في الشرق والغرب، وامتد تواجد المسلمين على رقعة جغرافية هائلة عرفت بالعالم الإسلامي. وذلك العالم الإسلامي لم يشهد وجوداً سياسياً موحداً مركزياً عدا فترة التأسيس الأولى التي كان فيها الخلفاء الأربعة هم المرجعية الإسلامية، وفيما عدا ذلك انقسم العالم الإسلامي سياسياً ومذهبياً.

بمنطلقات الفكر الاسلامي أصبح العربي والفارسي والرومي والسندي والهندي والبربري والأفريقي والأرمني والكردي والأوروبي يشعرون بالأخوة بغض النظر عن السلطة السياسية التي تحكمهم تجسيداً للآية (إنما المؤمنون أخوة) 10/الحجرات، فلم يشعر المسلم أن له حدوداً تخص أصله ونسله وفصله، أو أن بينه وبين الآخرين أية فروقات يقرها الدين، حتى العبودية تم تخفيف القبضة عليها، مقارنة بالسائد حينها، واصبح بإمكان العبد أن يكون حراً إذا اشترى حريته، أو أعتقه سيده، وإن ظلت حركة التحرر من العبودية بطيئة بشكل عام حتى جاء القرن العشرين بحركاته التحررية الشاملة، لكن مقارنة بالسائد ما قبل ذلك فإن طرح فكرة التحرير نفسها قبل ألف وأربعمائة سنة وتبنيها دينياً كان انجازاً لا يمكن بخسه، وهنا يشير نصر ابو زيد إلى أن الإٍسلام لم يعتبر تحرير العبيد قضيته بل جاء ليحرر فكر الإنسان المستعبد أولاً والذي بإمكانه إذا تحرر أن يحرر كل في مقدوره.

هكذا انتشر الإسلام بسرعة خاطفة، مقارنة ببطء وسائل التواصل وانقطاع البلدان والمجتمعات، لكن الإسلام انتشر ودخل الناس كما في الآية (ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجا) 2: النصر؛ وظلت الأفواج تتوالى دون توقف حتى يومنا المعاصر الذي لا زال الإسلام في الصدارة من حيث نمو عدد المسلمين سنوياً بنسبة تصل 1.82% سنوياً مقارنة ببقية الأديان رغم ضعف الجهود الإعلامية، والأهم رغم الأفعال التنفيرية المضادة والأداء الإعلامي الذي يجعل الإسلام يبدو كما لو كان ديناً إرهابياً يفرخ الإرهابيين!

 

الإسلام ورجال الدين:

كثير من المذاهب الإسلامية ترفض الاعتراف بوجود فكرة رجال الدين في الإسلام، انطلاقاً من الأسس الإسلامية، ولا يمكن إنكار جهود رجال العلم الأوائل الذين قعدوا للدين وجعلوا من الدين فروعاً وأصولاً تحول بموجبها الدين إلى علم، وتفرعت أغصانه بين حديث وفقه وعقيدة وسيرة، ثم تفرعت حتى فروعه، لكن ما نشأ من ذلك هو أن المعرفة تحولت إلى قوة، مثلما في مقولة فرانسيس بيكون الشهيرة، وتلك القوة حاولت السيطرة على الموضوع، وتنافس تلك السيطرة خلق تشعبات آراء، كانت في البداية رحمة على رأي علمائنا الأوائل (اختلاف العلماء رحمة) لكنها تحولت في المحك السياسي إلى نقمة وحروب وحروب مضادة وتجييش وقتال لم يتوقف، وإلى سجن فكري ضيق على حياة المجتمعات وأفكارها الحيوية، لصالح الجمود.

هكذا وأيضاً في ركاب السلطات السياسية المتعاقبة والأحداث السياسية عاد رجال الدين للوجود والسيطرة، وبعضهم تصادم مع السلطة السياسية وبعضهم انضوى تحت لوائها، بهدف معلن هو الحق، لكن الحق كان يمر عبر السيطرة على الاتباع، وارتفعت رايات الحق والباطل، وتحول العلماء ورجال الدين من روافع للدين إلى عناصر فرقة وشقاق مدمرة خاصة في التحالفات السياسية والانشقاقات المذهبية التي ظلت تكيل لأعدائها تهم الكفر والنفاق والخروج من الملة والدين وتبيح دمهم، وتستبيح حرماتهم، مع أن ذلك محرم قطعاً في القرآن: (ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات وأولئك لهم عذاب عظيم) 105:آل عمران

 

الإسلام والمثقف المعاصر:

نشأ المثقف المعاصر في ظل ثقافة إسلامية كان القرآن فيها هو الكتاب المحوري الذي تدور حوله حياة وفكر وأدب وفن المجتمعات، وفي هذه الثقافة الإسلامية حافظ حضور النص المقدس على القرابة مع الأفراد والحياة المشتركة وسهولة المأخذ والمتناول خاصة في حياة المجتمعات العربية التقليدية، ولا زال إلى اليوم بارز الآثار في الإنتاج الفني والأدبي المعاصر للبلدان الإسلامية.

في الأثناء ولدت اختلافات فكرية كانت مشتركة الأهداف يوم كان العدو واضحاً ومهيمناً على الحياة اليومية ممثلاً في الاستعمار القديم، لكن حين زال الاستعمار القديم المباشر بدأت تتضح ملامح الخلافات الفكرية، ولم تستطع استيعاب بعضها البعض، وأجج استعمار الهيمنة الجديد من الشقاقات البينية وهنا ولدت المعضلة الأساسية، وهي دوماً عبارة عن خطاب متطرف واحد يحاول أن يسحق خصومه، فكرياً أولاً ثم واقعياً، وردات الفعل على ذلك، كما حدث في محاولات الاغتيال الفكرية لفرج فوده ونجيب محفوظ والسياسية لأنور السادات قبلها.

دون أن نميز هذا الواقع الإسلامي تاريخاً ومعاصرة بكل ما فيه من تشابك شائك ونستوعبه لن يستطيع أي مثقف، بغض النظر عن انتماءاته الفكرية والدينية، أن يسير قدماً لواجبه التنويري، وسيبقى التمييز معدوماً بين قوى الظلام الحقيقية والزائفة، وبين الرجعية الحقيقية والفعلية، فمن المفترض أن المعارف ليست في حالة عداء، وأنها منضوية تحت هدف تحرير العقول وتنويرها، وكيف يمكن أن نفهم الاسلام كقوة رجعية وتأسيسه يشهد بأنه كان حركة تجديدة تاريخية بامتياز.

كيف نسلم إذن أن العنف إسلامي والإرهاب إسلامي وفي زمننا وحده شهدنا من تطرف الأديان الأخرى ضد الإسلام كوارث تصفية وعنف موجه لم يتحرك له المجتمع الدولي كما تمارسه اسرائيل في فلسطين، وما حدث للروهينجا في بورما من تطرف البوذية، أو كمسلمي أفريقيا الوسطى وما قاسوه من التطرف المسيحي، إذن هي حالة متأججة لا زالت موجودة تفضل لغة العنف الواقعية والفكرية وتمارس إرهابها باستمرار وتؤجج الارهاب المضاد.

ليس التطرف والإرهاب خاصاً بدين دون دين آخر، ويكفي أن نتذكر هنا محاكم التفتيش المسيحية حتى نستوعب المسألة، وإذا كانت اللحظة الراهنة العالمية بما لها من سطوة إعلامية أمكنت أن تستحث ردات الفعل الفورية على ما يحدث من مآسي، فيجب على المثقف بدوره أن لا يكون رهينة ردات الفعل المباشرة، وأن لا ينجرف بفكره وراء معامع سياسة عنف عالمية لا تهدف بكل وسيلة تستخدمها إلا إلى مزيد السيطرة.

بمكر سياسي استخدمت القوى العالمية الرأسمالية المجاهدين ليخوضوا حروباً بالنيابة عنها ضد أعدائها، أولاً في افغانستان ومؤخراً في سوريا، وهذا هو الجزء البارز فقط من جبل الجليد، وقد شاركت دول التحالف ضد داعش اليوم نفسها في تمويل الجهاد الإسلامي في أفغانستان بالثمانينات، وهي بالاسم وقفت موقف المتفرج على الحرب الأهلية الأفغانية في التسعينات والتي انتهت بحكم طالبان (الطلبة) ثم عادت بعد الحادي عشر من سبتمبر من القرن الجديد لتهجم على أفغانستان في مسعاها لتقويض حكم طالبان، ولم تسمح وتسمع الولايات المتحدة يومها لأي محاولة صلح، ولا لعروض تسليم أسامة بن لادن لطرف ثالث أو طلب محاكمة عادلة، بل فضلت طريق الحرب، واتضح لاحقاً أن الخطة كانت مبيّتة قبل الحادي عشر من سبتمبر لتقويض حكومة طالبان في أفغانستان.

والآن حرب ضد تنظيم داعش، لكن لا نية لأخذ أسرى أو سجناء، فالمقصد الواضح لكل عمليات التحالف هو القتل الشامل والتدمير والقضاء المبرم، ولا توجد أي نية واضحة كما يبدو في الاحتفاظ بأي سجناء أو أسرى لا يعرف حتى من سيطالب بهم إن وقعوا.

إذن أين على المثقف المعاصر اليوم أن يقف وحراب الاتهامات موجهة إلى الإسلام كثقافة ودين، من جهة قوات التحالف بقيادة أمريكا بدعوى مكافحة الإرهاب، وبنفس الدعوى من نفس الجهة حكومات عربية متخبطة تدعم ثم تحارب من تدعمه، ومن جهة أخرى جماعات متطرفة لم تعد تأبه في زاويتها الفكرية القتالية الضيقة بأي شيء آخر سوى إيلام عدوها وإيقاع أكبر ضرر به، ومن جهة ثالثة بنية تقليدية لرجال الدين تحاول أن تجد لنفسها، في المعركة، درباً ومتسعاً تحاول فيه من جديد ممارسة نفس التراث القديم.

هل على المثقف أيضاً هو الآخر أن يتخذ من الدين الإٍسلامي مرمى لهجومه الفكري، وهل الإسلام حقاً هو سبب تخلف المنطقة وتأخرها ومصائبها السياسية والاقتصادية والاجتماعية بالتالي؟ أليس من الواضح أننا نتجنى على الإسلام كدين وكفكرة، إذا لم نفرق بين الدين كدين ومعتقد وبين من يحاولون الحكم والسيطرة بالخطاب الفكري والكلام باسم الدين مثلما حاول ابن لادن والظواهري والبغدادي أن يهاجموا رجال الدين المنضوين تحت ألوية الحكومات والسلطات بوصفهم علماء نفاق.

داخل البنى التقليدية الإسلامية نفسها تولد أيضاً حركة تجديدية حوربت هي الأخرى، تلك الحركة حاولت وتحاول أن تحرر الإسلام من أسر الفهم الواحد الضيق إلى سعة جديدة مثلما هو في خطاب مثقفين فذين كالراحل هاني فحص ودعاة مشهورين اليوم كعدنان ابراهيم وسلمان العودة والقبانجي وأمثالهم ومن قبل كانت حركات القرن السابق التقليدية نوعاً من تجديد كما في حركة محمد عبد الوهاب وحسن البنا وسيد قطب وآية الله الخميني، وكما سبقهم أيضاً محمد عبده وجمال الدين الأفغاني وأبو الأعلى المودودي ومحمد اقبال.

من الواضح أن الدين الإسلامي خصب ولا زال رحماً يتوالد منه الجديد باستمرار، وفي عالم رهين لهيمنة عالمية واحدة تحاول ان تتحكم حتى بصورة العالم في عيون سكانه، فإن على المثقف الأنسني أن يلتزم بالإنسان لا بخيارات القوة والنفوذ والحكم، وأن يدرك أن التاريخ الإنساني أكثر تشابكاً وتعقيداً من التصنيف الثنائي لمع وضد وأبيض وأسود، وأنه عالم متعدد الألوان والأبعاد ليس ثنائي الأبعاد أبداً.

إن مشاركة الجمع الإعلامي في الهجوم على الإسلام واعتبار الإسلام عدواً هو نوع من دوغمائية ضيقة، ويمكننا العودة لأعمال مفكرين عالميين كإدوارد سعيد وعلي مزروعي وانور عبدالملك، وتشومسكي الذي أشار في محاضرة له مؤخراً إلى مقالة كتبها خبير مستقيل من وكالة الاستخبارات الأمريكية عنوانها داعش صنيعة الولايات المتحدة، فيما يعني صنيعة السياسات الخاطئة المؤدية لخلق التطرف والإرهاب، لنعرف أن الدخول في هذا الأنبوب الفكري الضيق ليس من المعرفة والإنسانية في شيء بقدر ما هو أذى متفجر وانجرار وراء قوة غطرسة مهيمنة، لا يتولد عنها إلا مزيد من الأدلجة والتحجر والتصنيم ومحاولة القضاء على الآخر المختلف، ولا يخلق ذلك إطاراً حياً.

ومهما كانت الأفعال التي تقوم بها الجماعات الإرهابية فيجب أن تجلب إلى ساحة محكمة عادلة، لتأسيس نظام عادل، كما حدث في حرب يوغسلافيا وكوارثها العنيفة، لا أن يتم قتل الجميع مثلما حدث في حرب أفغانستان، فقط لأن أفغانستان تقع في آسيا لا في أوروبا.

لا يمكن أن يمايز المثقف في مناهضته للتطرف والإرهاب، ويغض الطرف عن التطرف الذي تمارسه الدولة ومؤسساتها ضد الأفكار الجديدة كما حدث لرائف بدوي في المملكة العربية السعودية، أو ممارسات الانقلاب العسكري المصري ضد الإخوان، أو السجن الإماراتي للإصلاحيين وجماعة الإخوان، أو السجن العماني للنواب والشباب المعارضين، أو القطري للشاعر الناقد، والبحريني للمعارضة، فالتطرف هو التطرف، وهو ضيق أفق فكري قبل أن يكون أي شيء آخر.

 

إبراهيم سعيد