قراءة عامة في تقرير التنمية البشرية “عمان 2012″

قراءة عامة في تقرير التنمية البشرية “عمان 2012″
Share Button

مقدمة
يستعرض هذا المقال بعض الملاحظات العامة حول “تقرير التنمية البشرية: عمان 2012م” والذي صدر حديثًا عن المجلس الأعلى للتخطيط، في محاولة لإذكاء النقاش المجتمعي الذي حثّ عليه التقرير ذاته، وإيمانًا بأهمية أن يشارك كل ذي رأي في ما يتعلق بمستقبل الوطن. وكاتب المقال إذ يعرّج على بعض المشكلات التي وقع فيها التقرير، فإنه لا يريد بأي حالٍ من الأحوال انتقاص أي جهود مبذولة ولا أن يغلّف النقاش الدائر حول التقرير بالسلبية كما قد يتصوّر البعض، بل يؤمن بأن النقد هو قمة الإيجابية؛ حيث التفاعل مع المنتَج بعينٍ فاحصة وعقل منفتح وقلبٍ لا يريد إلا الإصلاح.

هل يُعد دليل التنمية البشرية بالفعل مقياسًا للتنمية البشرية؟
هذا سؤال أول قبل التطرق إلى التقرير، وهو سؤال منهجي فلسفي ما يزال يُطرح حيث إن الجدل الدائر حول السؤال لم يُحسم بعد في أدبيات التنمية بين المنتقدين والمدافعين، رغم أنّ الأبوين الروحيين لتقارير التنمية البشرية ودليلها – عالم الاقتصادي الباكستاني محبوب الحق، و عالم الاقتصاد والمفكر الهندي الشهير أمارتيا سين- قد اعترفا في الصفحات الأولى من التقرير الأول الذي صدر عام 1990 بأنّ دليل التنمية البشرية ضيّق واختزالي للغاية، لكنه لا يخلو من فائدة يجب تطويرها مع الوقت.

شخصيًا لستُ ضد هذا الدليل، بل أؤمن أنّ به فائدة لا تُنكر، بيد أننا يجب أن نتعامل معه وفق حقيقته ومستواه الفعلي دون الانزلاق في وهم أنّ الدليل يقيس فعلا تنمية إنسانية. من وجهة نظري فإنّ كل ما يفعله الدليل هو أن ينبّهك على مشكلةٍ في “أوضاع” التنمية البشرية، أو يربّت على كتفيك مهنئًا بما حققته من تطوّر في تلك الأوضاع. يقول لك الدليل أنّ ابنك قد يعيش 60 سنة، وأنه من المتوقع أن يدرس 10 سنوات (في المتوسط) وأنه يتمتع بمستوى معيشي لائق، ولا أكثر من ذلك. هذه المعايير ذاتها يمكن أن تنطبق على حيوانٍ تربيه في منزلك! الأهمّ من الدليل أن يغطي التقرير جوانب خاصة بالإنسان روحًا وأخلاقًا وفكرًا. ولا أقول إنّ الدليل بمؤشراته الثلاثة (الصحة والتعليم والدخل) غير مهم، لكنه غير كاف أبدًا لقياس التنمية الإنسانية، فعندما نتحدث عن متوسط عدد سنوات الدراسة فإننا نقيس التعليم برقم، وهذا لا يؤدي إلى تنمية بشرية بالضرورة؛ فالأهم هو نوعية التعليم وجودته.

عندما نحتفي بأنّ السلطنة حققت المركز الأول عالميًا في دليل التنمية البشرية للأربعين سنة من 1970 إلى 2010 – ويحقّ لنا أن نختفي بذلك – فإنه يجب علينا أن نتذكر بأننا في الحقيقة نحتفل بما حققناه في جانب توفير البنية الأساسية وتهيئة الأوضاع الملائمة للتنمية البشرية، لكن يبقى جانب علينا أن لا نغفله. يقول محبوب الحق في التقرير الأول للتنمية البشرية أن التنمية البشرية تتكون من عنصرين اثنين: الأول هو توفير القدرات البشرية، والثاني هو مدى الاستفادة التي يحققها الإنسان من هذه القدرات.
جوانب إيجابية في التقرير العماني
يُحسب لـ”تقرير التنمية البشرية: عمان 2012″ أنه استعان بباحثين مستقلين –عمانيين وغير عمانيين- عن طريق الإعلان وطرح التنافس من أجل إعداد الأوراق الخلفية التي اعتمدت عليها كتابة التقرير، مما يعني أنّ واضع التقرير تبنّى نهج الشراكة بين الحكومة والمجتمع المدني. كما يُحسب للتقرير أيضًا أنه ومنذ الصفحات الأولى قد حثّ على النقاش المجتمعي المستفيض، وشدّد على أهمية هذا النقاش في إحداث الأثر المراد من كتابة التقرير. ومما أعتبره شخصيًا نقطة إيجابية في التقرير هو المقدمة التي تتحدث عن الجدل الدائر حول تقارير التنمية البشرية، مما يساعد القارئ على الوعي بما يعتور آلية إعداد هذه التقارير من نواقص وحدود. وأخيرًا فإنه وبرغم أية ملاحظات قد نعتب فيها على واضع التقرير، إلا أنّه قد لا يختلف اثنان على أهمية المجالات التي غطّاها.
فرص ضائعة
كان يُمكن للتقرير أن يكون أكثر فائدة لصانع القرار. يقول كاتب التقرير إن “التقارير الوطنية عن التنمية البشرية [...] لا توفر حلولا ولا تقدم توصيات، بل تقدّم بلاغا عن حالة التنمية البشرية [...] وتترك الفرصة للجهات ذات العلاقة أن تدرس القضايا المثارة وتقترح الحلول”* (ص13). ومن وجهة نظري فإنّ هذا ليس دقيقًا ولا إلزاميًا؛ حيث توجد تقارير تنمية بشرية عديدة جدًا تقترح الحلول وتطرح التوصيات بشكل واضح. والسؤال المطروح هنا هو ما مدى فائدة هذه التقارير لصانع القرار؟ لو أخذنا مثالا قطاع التعليم، فإنني أستطيع القول بثقةٍ شديدة أنه لا يوجد جديد في التقرير يُضاف إلى ما يعرفه المسؤولون عن التعليم؛ فهم على دراية وافية بالإحصاءات والتحديات التي أشار إليها التقرير. قد يقول قائل بأنّ الإحصاءات والبيانات المتعلقة بقطاعات أخرى قد تفيد هؤلاء المسؤولين أيضًا، وهذا صحيح، إلا أنّ جمع هذه البيانات لم يكن يستدعي طاقات الباحثين، بل كان يُمكن أن يقوم به جامعو بيانات في المجلس الأعلى للتخطيط. باختصار، المسؤولون بحاجةٍ إلى أكثر من مجرد التذكير بالبيانات والتحديات.

كان يمكن للتقرير أن يقدّم تحليلا وقراءة نقدية. رغم أنّ هناك إشارات متناثرة هنا وهناك (في الفصل الأخير عن المجتمع المدني مثلا) إلا أنها ليست كافية، ولغة التقرير جاءت في الغالب بما يشبه مداخل الموسوعات، بمعنى أنها تذكر البيانات والأرقام لكنها نادرًا ما تنفذ إلى عمق القضايا وتقدم تحليلا أو على أقل تقدير تعليقًا ينمّ عن تحليل قد تم**. إنّ تقديم الإحصاءات والبيانات هو جزء واحد فقط من عملية إعداد تقرير التنمية البشرية، أما الأهم فهو التحليل العميق، كما قال أمارتيا سين.

كان يمكن للتقرير أن يركز على قضية واحدة بتعمق: أتفق مع كاتب التقرير أن التقرير الأول عادة ما يكون شاملا يقدم رؤية عامة، ثم تتوالى تقارير متخصصة. ويقول كاتب التقرير أنه تقرر أن يكون هذا التقرير شاملا أيضًا بسبب بعد المسافة الزمنية بين التقريرين، والتي تم فيها أضخم إنفاق تنموي في تاريخ السلطنة بسبب ارتفاع أسعار النفط، فـ ” تولدت القناعة بأن ذلك سوف يسهل الوقوف على الآثار التي تركها البرنامج التنموي الضخم على كافة جوانب التنمية البشرية في السلطنة”. وهنا لدي ملاحظات: من وجهة نظري كان يمكن الوقوف على هذه الآثار بشكل مختصر في ملخص مستقل عن تقرير التنمية البشرية الثاني. ثانيًا هل الأهم هو النظرة إلى الخلف وتبيان هذه الآثار، أم النظر إلى الإمام بتحليل الوضع الحالي نقديًا والإسهام في التنمية المستقبلية؟ ثالثا، انشغل التقرير بذكر الآثار بطريقةٍ تبدو احتفائية، وتجنّب تقييم هذه الفترة تحليليا لنتعلم من الدروس ولا نكرر الأخطاء، وهو أمر في غاية الأهمية.
كان يمكن أن يقدم التقرير خلاصة ترسم معالم المستقبل، كما حدث في تقرير التنمية البشرية في فلسطين عام 2004 أو تقرير دولة الإمارات العربية المتحدة عام 1999 مثلا. كان من الأهمية بمكان أن يتم “توليف” البيانات والإحصاءات الواردة في فصول التقرير، للخروج برؤية واضحة شاملة (نوعًا ما) لوضع التنمية البشرية في السلطنة والتحديات الماثلة أمامنا من أجل مستقبل أفضل.

وأخيرًا، كان يمكن للتقرير أن يتعمق في فصل المجتمع المدني وتأثير الربيع العربي عليه. كان صادمًا بالنسبة لي أن لا يذكر التقرير أبدًا الربيع العربي وكأنه لم يحدث، وبافتراض أنه لم يؤثر بطريقةٍ أو بأخرى في المجتمع العماني. لا شكّ أنّ هذه القضية حساسة من الناحية السياسية، بيد أنّ قدرًا من الذكاء السياسي والتحليل الموضوعي الرصين كان سيخفف من تلك الحساسية، كما يوصي برنامج الأمم المتحدة الإنمائي في تقييمه للتقارير الوطنية. برأيي كانت هذه فرصة للتقرير لم يستغلها، حيث إنّ هناك ندرة في الإشارة إلى تأثير هذا الحدث وعلاقته بنشاط المجتمع المدني والاقتصاد والتعليم وغيره في عُمان.

الإحالات
*رغم أنه في صفحة 32 عندما يتحدث عن الفرق بين تقرير التنمية البشرية وتقارير أهداف الألفية يقول أنّ الأولى “هي وثائق تحليلية تعنى بالتحديات التي تواجه التنمية البشرية وتبحث عن حلول ملائمة لهذه التحديات”!
** على عكس ما جاء في التقرير العماني الأول عام 2003. مثال: في موضوع التعليم قبل المدرسي، يقول تقرير 2003: “واجه انتشار هذا النوع من التعليم عقبات كثيرة، أهمها المفاهيم التقليدية لنظام الأسرة الممتدة والحجم الكبير للأسرة ومعدلات الأمية المرتفعة للمرأة العمانية وانخفاض نشاطها الوظيفي” في حين يكتفي تقرير 2012 بذكر أرقام جامدة ولا يذكر أي مشكلة يواجهها هذا النوع من التعليم (يعلمها المشتغلون بالتعليم جيدًا). مثال آخر: في قسم التربية الخاصة، يقول تقرير 2003: “بينت بعض الدراسات إحجام المعلمين العمانيين عن العمل بمدارس التربية الخاصة، وهو أمر يحتاج إلى دراسة لتقصي أسباب ذلك”، بينما يكتفي تقرير 2012 بسرد معلومات ولا يحلل أسبابًا أو معطيات.

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.