محنة النقد الإلكتروني

 

إلى المعتصم البهلاني ..

معاصرة هذه اللحظة التي ما يكاد يدور رحاها إلا على شباب هذا القمح الذهبي بالذات، هذا الذي تشرق من بين سنابله شمس الغد، كما تتسرب الشمس على صفح الجبل بصمت مهيب، واعدةً سكان الجبال العالية بأيام الحصاد، كي ترسم النسوة شمسهن في خبز الرّخال.

وهي أيام الحصاد، الشمس مشغولة بالعمل مع النباتات والأشجار، مع الفلاحين، مع تمر الأمهات فوق الدعون، ومع حليب سكان الجبال والرعاة، بل وحتى مع الصيادين الذين أذنت لهم الشمس والبحر بأخذ إجازة صيفية بين البساتين، هبات النخيل تتناقلها الأيدي من مكان لمكان وتذيبها في الدم، فأين أصبحتَ أنت يا من أنت ذائب في روح الأرض، مهموم بها، يا من ترى أن مياه علمك وفهمك ورؤيتك وحكمتك بلا معنى إن لم تسق وتروي أرضك ومن حولك، ما نفع الشهادات والعلوم والمعارف والقراءات إن لم تنسكب هنا في الأرض التي أنت ممتلئ بها، والحياة التي نحتتك.

غير أنه عصر محنة النقد الاجتماعي في مواقع الإتصالات، فعلى حافة كل كلمة أو مقولة تطلقها يترصدك التدقيق وتمحص في كلامك رقابة لا تهدأ، تقلب كلامك على الوجوه كلها، ما تراه أنت أفقك الشخصي وحرية تعبيرك ووجهة نظرك والتي لا تلزم غيرك، ينظر إليه بعين أخرى على أنه تهديد أمني

ها أنت تجد نفسك في ظهر البلاد، في معتقلاتها وسجونها وحبسها، ليس لأنك قُلت كلمة، أو لأنك اقترحت نظرة مختلفة، ولا لأنك أشرت لعيب خطر يتهدد الجماعة، لا ليس لذلك كله، بل لأنك تشبه الغد، تشبه الغد الذي يترقبه اليوم، لأنه يؤذن برحيله، هل سألت نفسك كيف تسرب شعاع من الغد حتى بلغ اليوم؟ تلك معجزة لكنها حدثت، من بين ثقوب الزمن وصل ضوء من المستقبل، وبدأ يروي نبوئته، لكن لأن النبوءة لم تُرض سلطة المتصرف ولهذا وجدت نفسك حبيساً، معتقلاً، ممنوعاً من يومك، معزولاً من مجتمع الناس، جُعلت مثالاً كي يرى فيك من يشبهونك أنفسهم، وكي يرى من يحبونك في احتجازك احتجازهم، وفي عزلك عزلتهم، تأكيداً على تأكيدٍ سبق تأكيده بأعمار من احتجزوا مثلك، هفوتك الكلامية تبدو الآن مجرد شماعة يُعلق عليها سبب اعتقالك، حتى إن كانت مشماعة واهية لكنها تكفي لعاذرة كي يتم اقتيادك للتحقيق الطويل الطويل بفواصل انتظاره المسمومة. فهل سألت نفسك هناك لماذا يُزرع الورد على السياج؟!

في التحقيق سيدور الزمن بأكمله، سيُفتح ملف يحمل اسمك، ستعاد قصص لم تعد تذكرها، وكلمات نسيت أين قلتها ولا إن كنت قلتها فعلاً، حوادث وأخبار مشكوك في وقوعها، وسط انتظارٌ مسمم أنت مادته وأنت موضوعه، تلك اللحظة التي يحاول الانسان تجاوزها بالبحث عن النافع في الضار، فيما يتأمل كيف تُستقرأ أفعاله وحياته من منظور أمني صرف.

فهل سيجعلك ذلك تتوقف عمّا كنت تقوله، ستعيد سؤال نفسك وما لي ولهذا الصداع؟ ما لي أنا كي أدخل أقبية السجون والاحتجاز والقلق على الأهل والوالدة والزوجة والأخ والأخت والأبناء والأصدقاء قلِقاً من ثقل قلقهم عليهم، مُشفقاً على صدورهم من الظنون، على دمهم من ضغط الانتظار، على أنفاسهم من الاشتعال، على سيل أفكارهم من هاوية الخوف عليك، يقتلك الخوف من خوف أحبتك عليك ويكاد يسقطك، فتسأل نفسك: لماذا فعلت بهم كل هذا؟ ولأي شيء؟ وهل يستحق الأمر فعلاً أم أنا واهم؟

وما كان ذلك بالضبط، ما السبب المحدد بعينه، ما الجرم الخطير؟ كلمة بالخطأ، أمقولةٌ فُسرت بشكل مقلوب، أم جملةٌ قيلت في لحظة، سواء أكانت صائبة أو خاطئة، فإذا كان القاتل بالخطأ في حوادث السير وهو القاتل لا يُحتجز أكثر من ثلاثة أيام، فكيف بالقائل؟! وما أبعد ما بين القائل والقاتل.

لكن أمامك مسير طويل في مجهول الزمن، وأنت لن تعلم أبداً حتى لحظة خروجك متى ستخرج، وكم سيمتد بك هذا النفق الزمني الذي أدخلت فيه قسراً حتى ينكشف وتعود للضوء، ربما إلى الدرجة التي يفقه القلب فيها تلك الرسالة الضمنية، تلك الرسالة التي لا تقال، بل تُفهم من المناخ، الرسالة التي لا يُصرِّح بها أحد، وإذا سألت عنها صراحة جرى نفيها بشدة، لكنها هي المقصودة بعينها، هي هي نعم نعم، هل فهمتها وحدك، من نفسك، بلا ضغط، تلك هي إذا.

القسوة الناعمة تريد إذابتك، تعصرك من الداخل، أيها الطائر الغريب لقد تم اصطيادك ودخلت القفص وسقطت في الشباك وابتلعت الطعم وأطبقت عليك المصيدة، والآن تتم مساومتك على الحرية، وما دام هذا يؤدي الغرض فهو كافٍ ولا حاجة للمزيد من القسوة، يكفي إذابتك هنا في هذا المصهر كي تعود بلا ريش تتنفج به وتنفشه، وحين يلفحك الهواء من جديد ستتذكر أنه أثمن بما لا يقاس بالسجن ولو لحظة واحدة.

لو كانوا أعدائك لتوقعت منهم الكثير، لو كنت بين يد مبغضيك لانتظرت الأسوأ، لو لم تكن في بلادك لبلغت الظنون الحناجر، لكنك هنا في بلادك، وأنت تعلم حدود هذا الأمر، وهم يعلمون من قبل أن ظلم ذوي القربى أشدُّ مضاضة على النفس من وقع الحُسامِ المُهنَّد، فهي ضربة سيف مُشهرة حتى وإن بدت في قناع مداراة، حتى وإن تنكرت من خلف الحُجب، ما داموا معترفين بالقرابة بينك وبينهم، أما إذا أنكروا أنهم أقرباؤك في الوطن، إخوتك في الأرض وتحت السماء، جيرانك في الهواء والطريق، تقاسمت معهم خبز الزمن وعيش الوقت، إذا أنكروا كل ذلك، فعند ذلك نعم، نعم نعم، يجوز أن نقول أنها سماحة ولطف ومعاملة إنسانية.

أتكلم عن نسيج قلبيٍّ لا يُرى، نسجناه معاً نحن جميعاً، كنا فيه يداً تنسج ضوءاً ونوراً، حنَّكنا به أطفالنا ومواليدنا، عبيكُ تمرٍ من نخيل المحبة المشتركة والتقدير والإحترام وغفران شوك الماضي وسهامه، والاتفاق في يد القلب، وذراع الروح، على أن الفرصة الحياتية المشتركة بين الناس على أرض واحدة تستحق أن تعاش كما يليق بكرم إلهي غير ممنون ولا مجذوذ ولا منقطع ولا محدود وتستحق التضحية بكل شيء، تستوجب من كل فرد في الجماعة كرم اللطف والعطف والتعاون والنصح والنصيحة والقيام قلباً مشتركاً يصغي ويداوي، والمُحب ينتقد والمُحب قلبه على من يحب، والصديق من صدَقَكَ لا مَن صَدَّقَكْ، فمن زرع الشوك بين القلوب، ومن رمى ببذر أعشاب الشكَّاع وعشب المُطبِقة بين مجاري الشرايين الدموية؟

لب الحب الذي بادلنا به أرضنا وبعضنا البعض هو اللب الذي يجعلنا ما نحن عليه، تآلف القلوب ذلك هو سرنا ونعمتنا العظمى التي صرنا نقاسمها الآخرين لنصيبهم بالدهشة، تلك الروح التي جمعتنا وأظلتنا طوال هذا الوقت من الزمن وجعلتنا صفاً قلبياً ذكياً زكياً لا يتمزق، فهل حننا لماضي الشقاق النفسي والعداوات والحزازات والخصام الذي بلغ مبلغه، هل تظنون القطيعة تولد جزماً مرةً واحدة؟! فما عرفتم الحمل والولادة، كيف سلّمتم بأن الإنسان الذي تكونونه كان نطفةً ثم أنكرتم أن يكون للذرة أثر وللمسة قوة وللشِّيجِ فعل الرمح الأصم.

أهو الاستهلاك والطمع والجشع الذي ينزِّ من مشهدنا المعاصر هو من أوصلنا هذا القعر؟ أم هي غفلة القلب؟ بل هي غفلة القلب واتباع هوى النفس وطرح الحكمة والاستخفاف بالحق في سبيل الشهوة واتباع اللذة الزائلة، حتى صرنا لا نأبه إن أسأنا لجمالنا، أو أهَنَّا حُسننا، أو سخرنا من نبلائنا، أو ضارّينا نفعنا وشارّينا خيرنا، هذه إذاً مجرد كلمة إن بلغت الأسماع فإنما المراد الألفة لا الشقاق وسقي المحبة لا إثارة العداوة وجمع القلوب لا تشتيتها، فإن بادرتكم فيها الشكوك وسابقتكم إليها الظنون فلله الأمر، وإنما الأفعال انكشاف بواطن، وإن رأيتموها حقاً وصدقاً فالحق أريد.

إبراهيم سعيد 

اترك تعليق