لاتحطِبوا الضمائر لكي لا يُغرقنا الظلام

أود أن أوجه التساؤلات التالية لأجهزة “الأمن” في بلادنا، تساؤلات ليست بالغريبة على مسامعهم، إذ لطالما سمعوها داخل غرف التحقيق المديدة، وليالي الاحتجاز الطويلة، أطرحها تالياً؛ لأن ما يطفو على السطح اليوم أمامهم، ليس أكثر من مُضلل، وليس أخطر من سراب: 

هل أنتم معنيون بأمن الدولة حقاً، أم بأمن الإنسان؟، وإن كان أمن “الدولة” هو ما يتصدر أولوياتكم في الوقت الرهن، أليست الدولة في مفهومكم حاصل جمع البشر الذين يعيشون على هذه الأرض؟! جميع هؤلاء البشر بأحلامهم وأفكارهم، بخيباتهم وانكساراتهم، بإنجازاتهم وفشلهم، بعقدهم ومكبوتاتهم، بتناقضاتهم واتفاقاتهم؟ من هو المواطن الذي تخاطبونه صباح مساء ؟ أليس هو ذاك الإنسان الذي تربطه بالآخر عروة المواطنة القائمة على تكافؤ الفرص والمساواة في الحقوق والواجبات والتمتع في المنافع والمصالح وفي الثروات ؟ أم كائن آخر ؟ هل هو المواطن الحُر الشريك في الحياة السياسية والثقافية والاجتماعية والاقتصادية ؟ هذه الحيوات التي هي حق عام لكل الأفراد، دونما تصنيف أو تصغير أو منّة ؟ أم هناك تعريف مغاير لما نعرف؟ أليست الدولة “في مفهومكم” للجميع ؟ أليست الدولة هي التي يستطيع المواطن فيها أن يعبّر عن اختلافه مع الدولة دون خوف أو خشية من المصادرة؟ وإن كان أمن الانسان يعنيكم أليس أبسط حقوق لهذا الإنسان هو الحق في الكلام والتعبير عن آرائه وأفكاره ؟ ما الضرر من الكلام؟ لماذا يخيفكم الرأي المختلف ؟ كيف تطمحون لمستوى أمان حقيقي بلا ضريبة قبول المختلف والمغاير والمؤلم أيضاً ؟

من هو الإنسان في قواميسكم ؟ من هو الآدمي الذي يستحق منكم الانتباه لمطالبه وشكواه ؟ هل هو الموظف لديكم فقط ؟ هل المردد لكلماتكم والراضي عن أفعالكم ؟ هل هو ذلك الموظف الكبير القابع داخل غرف العمليات المغلقة والخاصة، والذي يتلقى أوامره من تراتبيتكم المعروفة ؟ أم هو، أيضاً، الإنسان البسيط الذي يتكلم في السوق، وفي الشارع، وفي المجالس، وفي البيوت، وفي اللقاءات العفوية العامة وعلى صفحات التواصل الاجتماعي، عاكساً حاله وحال البلاد كما هي مُعَاشه، بآلامها ومناكداتها وأوجاعها لا كما تتوهمه صدى أصواتكم، التي أضحت لا تعرف الفرق بين حقيقة الواقع وبين الصورة التي تريدونها أن تصل للعالم الخارجي ؟ أليست هي صورة مفتعلة مصطنعة ؟ هل تعتقدون أن العالم لا مصدر لديه لمعرفتنا إلا روايتكم أنتم للأحداث وللتاريخ وللإنسان ؟

تهددوننا بأمثلة العراق والسودان والصومال، حسناً، أليست أجهزة “أمن” تلك الدول هي من بدأت في إغلاق الأفق أمام الإنسان قبل “استغزاء” القوى الخارجية ؟ أليس طغيانها هو ما أوصل البلاد والعباد للنهايات ؟ من اشتغل على الاصطفافات والتخندقات ؟ ألم تكن تلك الأجهزة منشغلة بالموجود في إدارة الوطن أكثر من اشتغالها بوجود الوطن ذاته ؟من سكب زيت الكراهية على نيران العصبويات ؟ من أوجد خميرة التفكيك والتقسيم والتجزئة ؟ أليست السجون الممتلئة، والمعتقلات الطافحة، والمنافي الضاجّة بالبشر هي ما ولّدت كل هذه السحائم والأحقاد والثارات ؟ أليست هي ما اختطفت الحكمة والاتزان من عقول وقلوب المظلومين، فتحولوا بفعل الانتقام إلى كائنات لا يرقبوا إلاً ولا ذمة لا لوطن ولا لبشر، من أوصل هذه المظالم إلى حدودها القصوى ؟ أليس من هم في السلطة؟  أليس هم من استعملوا قانون القوة بديلاً عن قوة القانون؟ أم تلك الأصوات المسالمة التي طالما نبهت ودقّت نواقيس الخطر والعواصف قبل نزولها ؟

ألم نتعض بعد من احتجاجات العام 2011 ؟ ما الدروس التي استخلصتموها من تلك العلامة الواضحة والرسالة البالغة؟ منذ ذلك الحين؛ واعتقالاتكم لم تتوقف، ملاحقاتكم لكل ذي رأي مختلف لم تهدأ، استدعائاتكم للبشر لم تفتر، محاكمكم لم تخلو يوماً من قضايا الرأي العام، سجونكم لم تسترح من استقبال كل من لا تُطيقون حراكه وكلامه ؟ ملتقيات القراءة والتبادل المعرفي ممنوعة، غير تلك التي تشرفون عليها وتدعمونها، الصحافة لا تجد فيها لا لون ولا طعم ولا رائحة تتمايز عن الإعلانات الرسمية، الهجرة أصبحت أكثر إغراءً للكثير من شابات وشباب البلاد، وهم في أعمار الإبداع والإنتاج، من ذاك الحين وخصوصيات الناس مستباحة، تتبعتم اتصالاتهم، رسائلهم، علاقاتهم الإنسانية، وثّقتم جميع محادثاتهم، أرّختم لنقاشاتهم ومداولاتهم العلنية في المجالس والملتقيات الخاصة، وما وراء الجدران؛ جدران البيوت وجدران وسائل التواصل؛ فهل ساهم كل ذلك في إحداث استقرار حقيقي ؟ هل عجّل كل ذلك من دولاب تنمية البلاد وعمرانها المادي والمعنوي ؟

إذن لماذا نشهد كل هذه التراجعات والضمور في مؤشرات التعليم والصحة والزراعة والصناعة والعمل والخدمات العامة، والحريات ؟ لِمَ نشهد الفساد هو القطاع الوحيد الذي يتقدم ويكبر ؟ ستقولون التقارير الدولية مجحفة ومضللة وتستهدف “أمن” البلاد؟ حسناً، هل تملكون مؤشرات موضوعية مقنعة تشعرنا بأن الواقع خلاف ذلك، بعيداً عن الدعاية الإعلامية التي يعاد إنتاجها من نفس غرف العمليات وبذات العقليات، وبذات الكلمات والأساليب والأغنيات، التي لا أظنها تعرف عن المواطن الفقير أبسط معاناته واحتياجاته، ولا مهمومة بالمواطن الكادح في سبيل لقمة كريمة تعفّه عن توسلات السلطة والناس، ولا أعتقد أنها منشغلة بسؤال استشراف المستقبل والبحث عن البدائل الكافلة للحق وللعدالة الاجتماعية.

مالذي جنيتموه من شيطنة الرأي المسالم، الصادق، المخالف والمغاير لصوتكم الأحادي، صوتكم المستقوي والمتواري وراء ترسانة الأنظمة والقوانين ومؤسسات الدولة الخاضعة لأوامركم وتوجيهاتكم ؟ من المستفيد من تشويه سمعة الإنسان المختلف وإغراقه بأقذع الصفات وأقبح المعايب؟ هل تراهنون على خوف الناس ؟ هل هناك من عاقل يراهن على شعوب خائفة ؟ ما لذي ستنجزه هذه الشعوب في ميادين العمران والتنمية ؟ ألم تسافروا لبلدان العالم المتقدمة ؟ ألم تتسائلوا عن أسباب تطورهم وتراجعاتنا ؟ مالحصيلة التي تنتظرونها من إنسان يخاف منكم ؟ ويدعو عليكم في السر، ويتحيّن الفرص لينفجر، لينفجر في وجه كل شيء، ولحظتها لا تبحثوا عن من كانوا ضحايكم لتلبسوهم الجناية، وأي جناية ساعتئذ!

***

إن اعتقالكم للشاعر عبدالله حبيب وللكاتب سليمان المعمري هو اعتقالكم لضمائرنا، هذه الضمائر التي لن تتوقف عن ممارسة حقها في الحياة، لأنها ببساطة: الروح التي تسري في فكرة الحق وتناصره بالقول الصادق وبالمواقف المُضيئة المتحررة من كل ثمن، هذه الضمائر التي لم تنافسكم يوماً لا في المنافع ولا في الامتيازات، ولم تزاحمكم لحظة في إدارة البلاد ولا حتى حاسبتكم، وهذا من حقها وحق الجميع، لم تحاسبكم لا في اجتهاداتكم التي فيها من الأخطاء والقصور ما يشهد عليه واقعنا وتفاصيل حياتنا اليومية، ضمائرنا التي اختارت الكلمة، وراهنت عليها، لم تنتظر من أحد شكر أو تكريم على رهانها هذا، لكنها، كانت ولا زالت تراهن، كأي ضمائر حُرّة، على نقاش وحوار يقارع الحجة بالحجة والبرهان بالبرهان. لا أن تُقابل الكلمة بالاعتقال، ولا أن يُرد على دعوة التفكير في قراءة التاريخ بالتخوين والتجريم، ولا السؤال بالسباب والشتائم والانتقاص. لا تحبون ما تطرحه هذه الضمائر من أفكار ورؤى؟ طبيعي. لستم مطالبين بأن تقبلوا كل كلمة وكل رأي يتفوه به الإنسان. لا تظنون أن الوقت مناسب لطرح تساؤلات وجدالات كهذه؟ وما لذي  فعلته السياسات السابقة غير التأجيل والكبت على عقول البشر، فغدت ذواكرهم مفقودة وموجهة وغير مشبعة، تبحث عن إجابات للمسكوت عنه أكثر من إكتارثها بالمصرح به. كيف تخافون الفتنة وأنتم لا تعالجون أمراضها بقدر ما تغذون أعرَاضها؟ العلاج رغم صعوبته يكمن في الحوار والحفر والبحث واحترام المعرفة والتجارب الشخصية. أما العرَض، وإن بدى سهلاً في الإسكات والتخويف، فهو في تاريخ الأوبئة ليس أكثر من مسكّن. لا تحطِبوا الضمائر، الضمائر وظيفتها الوخز، الضمائر مهمتها تذكيرنا بما نَكره، لا التصفيق لما تقبله تطمئن له عقولنا، هذه العقول العاكسة لمخاوفنا والمتطلعة لمتع الحياة المتغيرة.

أي رسالة هذه التي تبعثونها الآن لأجيالنا القادمة عندما تجرّموا وتخنقوا أنبل من فينا ؟ أجمل من تعلّمنا منهما حب الأرض والإخلاص في العمل ؟ أبهى مثالين في ثقافتنا المعاصرة المبتلاة بالخوف وبالمجاملات وبالشللية ؟ أنزه من ترّفع عن الاضواء والمنابر ؟

إنكم لا تبعثون بالرسالة الخاطئة فحسب، بل إنكم تحطبون الاخضرار الذي سيكافح التصحر القادم.

الحرية لعبدالله حبيب

الحرية لسليمان  المعمري

الكاتب: سعيد سلطان الهاشمي


2 تعليقات

  1. رسالة الى مثقفينا
    بتاريخ 15 أبريل 2016م قامت السلطات العمانية باستدعاء الكاتب المعروف عبدالله حبيب والسبب في ذلك أنه كتب مقالة طالب فيها بما أسماه بحق تقرير المصير لمحافظة ظفار، ومتهما الحكومة بالقيام بمجازر إبان حقبة ثورة ظفار(1965-1975) مطالبا الحكومة بالكشف عن مقابر الاعدامات التي قامت بها بحق الثوار حسب تعبيره.
    المقالة التي كتبها عبدالله حبيب كانت قوية وغير متوقعة من كاتب معروف ومشهور في العالم العربي والوسط الثقافي والفني ، فحق تقرير المصير وكأنه يطالب بانفصال جزء من عمان ناسيا وناسفا الجهود التي قامت بها الحكومة والسلطان قابوس – حفظه الله – في توحيد عمان ، والكل يعلم أن المطالبة بالانفصال يعتبر في دساتير الدول يدخل ضمن بند الخيانة العظمى وعقوبتها إما السجن المؤبد أو الإعدام ، إلا أن السلطات العمانية وكما هو معروف عنها أنها تتعامل بإنسانية مع المعتقلين ، حتى أنها تفتخر بان لا يوجد على أرضها أي سجين سياسي.
    كما أن ردود الفعل عند بعض المثقفين كانت تجرم الحكومة وتتهمها بملاحقة المثقفين و بمصادرة حرية التعبير والسؤال الذي أوجه لهم منذ متى أصبح المطالبة بالانفصال حرية تعبير ؟
    إن اعتقال عبدالله حبيب أسقط ورقة التوت عن المثقفين لدينا فكما هو معروف أن الذي يقع في الخطأ عليه أن يعترف بخطائه وألا يكابر ويصر على خطأه فالشجاعة تقتضي الاعتراف بالخطأ وعدم العودة إليه ، لكن المثقفين عندنا فشلوا في مصداقيتهم أمام الرأي العام و حاولوا جاهدين أن يدافعوا عنه وهم مدركين أنه مخطئ.
    خلاصة الكلام باسمي وباسم الشعب العماني نطالب عبدالله حبيب وجميع المثقفين الذين يؤيدونه بالاعتذار للشعب العماني والا يطرحوا مواضيع هدفها زعزعة الامن والاستقرار الذي ننعم به وأدعوهم الى النظر والتمعن في البلدان التي فقت أمنها واستقرارها بسبب مطالبات الحرية والديمقراطية.

اترك تعليق