غياب تام للدراما العمانية بـ”الموسم الوحيد” في تلفزيون سلطنة عمان

مشهد من مسلسل إنكسار الصمت 2015، المصدر: صحيفة الوطن

تتسابق القنوات العربية في شهر رمضان لعرض المسلسلات المتنوعة بهدف كسب أكبر عدد ممكن من الشاهدين والمعلنين، ومع الازدحام في عرض المسلسلات خلال رمضان، تغيب الدراما العمانية عن موسمها الوحيد في شاشة تلفزيون سلطنة عمان.

هذا الغياب سبقه لسنوات انتقادات واسعة كانت موجهة للدراما العمانية طول الأعوام الماضية وأصوات تدعو إلى الإرتقاء بالمستوى الدرامي والعودة إلى بدايات “دراما التسعينات”، رغم ظهور عدد من الأعمال التي حظيت بمشاهدة في السنتين الأخيرتين مثل مسلسل يومي ويوم وتوين فيلا وأعمال أخرى. لكن هذا العام غابت الدراما العمانية عن المشهد كلياً، حيث امتنعت القناة الرسمية” تلفزيون سلطنة عمان” عن عرض أية عمل درامي عماني، فيما اتجهت لشراء أعمال خليجية وعربية.

 غياب الدراما

يذكر سليمان المعمري بأنه قبل يومين كتب على صحفته في الفيس بوك  منشوراً أثار حفيظة بعض الزملاء المشتغلين بالدراما عندما أبدى دهشته من أن معظم ما قرأه من  “نواح” على غياب الدراما العمانية من شاشة تليفزيون سلطنة عمان في رمضان هذا العام هو من المرسِل (بكسر السين) وليس المستقبِل (بكسر الباء)، أي من المشتغلين بالدراما (ممثل ، مخرج، صاحب شركة انتاج، مسؤول دراما مهمش، الخ) أكثر من كونه من الجمهور المستهدف الذي لا يبدو أنه شعر بغيابها.

ويضيف المعمري بعض هؤلاء “النائحين” يلومون الهيئة العامة للإذاعة والتليفزيون ﻷنها تشتري مسلسلات عربية وخليجية ولا تنتج مسلسلات محلية!،  متناسين حالة الغضب الشعبي العارم في السنوات الماضية على إنتاج درامي محلي ضعيف لا يليق بماضي الدراما العمانية. الهيئة واقعةٌ اليوم بين مطرقة المشاهد المتعطش لدراما عُمانية حقيقية تعبر عن نبضه وواقعه، وهو ما يدعوها للتريث بل والتلكؤ في قبول أي عمل درامي لا تطمئن إلى أخذه بأسباب النجاح، وبين سندان المشتغلين بالدراما الذي يتهمونها ( أي الهيئة )  بتجاهلهم وإفلاسهم ( ماديا) ودق الأسافين في نعش الدراما العُمانية.. وهو أمر محيّرٌ ومحرج حقا .

ويؤيد المعمري توقف الدراما العمانية عاماً  ( بل وحتى عدة أعوام  إن لزم الأمر ) لالتقاط الأنفاس ومراجعة النفس.. حيث يقول: أنْ أشاهد مسلسلا عُمانياً رائعا واحدا كل خمسة أعوام ، ويبقى في ذاكرتي كما بقي “وتبقى” الأرض” ، خير لي من مشاهدة ثلاثة مسلسلات كل عام لا يبقى منها شيء في الذاكرة، بل وتتسبب عاما بعد آخر  في فقدان المشاهد الثقة في دراماه .

إعدام للدراما التلفزيونية العمانية

من جانب آخر يرى الكاتب والمخرج عبدالله البطاشي أن غياب الدراما التلفزيونية المحلية هذا العام قد  أحدث نوع من الفراغ للمشاهد، هناك تذمر واسع وللعلم حتى من خارج البلد هناك علامات استفهام عن أسباب إعدام الدراما التلفزيونية العمانية ، فهي المرة الأولى تقريبا منذ عقود تغيب فيها الدراما التلفزيونية المحلية في موسم رمضان ، بغض النظر عن القبول والاختلاف في الذوائق ، فهذه حالات طبيعية جدا والقبول وعدم القبول بأي عمل فني يطول حتى أشهر المسلسلات العربية والاجنبية وحتى التركية.

 ويردف البطاشي كلامه قائلاً هناك بعض المسؤلين ومن المهاجمين عبر سنوات يغيب عنهم متابعة الصحف  الخليجية والعربية التي تنتقد أعمال بلدانها مما يدل على أن مسألة الخلاف واردة ، والأمر المهم والمثير أن اغلب تلفزيونات الخليج والعربية تعود هذا العام وتنتهج نفس المسار الذي كان ينتهجه تلفزيون وإذاعة سلطنة عمان قبل إنشاء الهيئة ، وذلك من خلال تكثيف الدعم والاهتمام بانتاج محلي على صعيد المسلسلات والبرامج التي تعكس الأصالة العمانية والهوية الحقيقية الغير ممسوخة، وفي المقابل نتراجع نحن ونعود الى نقطة الصفر. بحسب تعبيره.

وهذا ما يؤكد عليه المخرج يوسف البلوشي بقوله: غياب الدراما العمانية هي غياب للمشاهد العماني، فغياب الدراما تشكل “صدمة” للإعلام وللفنانيين وللجميع، فمنذ الطفولة لم يمر علينا رمضان إلا وهناك مسلسل عماني بسلبياته وإيجابياته. فهذا إحباط لي أنا كفنان وإحباط لكل الفنانين في السلطنة عندما نشاهد نجومنا في القنوات الأخرى. كما أن أسعار النفط ليست سببا لإيقاف الدراما هذا العام، ويرى البلوشي أن السبب لا يعود لشركات الإنتاج، فشركات الإنتاج ليس لديها فاعلية لكي تتعامل الهيئة مع العامة للإذاعة والتلفزيون.

فعندما بثت الأعمال في رمضان هناك من النقاد قام بنقد هذه الأعمال وهو لا يعرف عنها الكثير ولم يشاهدها، فعمل “دهاليز” الذي وجهت له انتقادات واسعة العام الماضي، والسبب الرئيسي في خروج العمل بهذا الشكل يعود إلى الهيئة، فهل يعقل أن نقوم بمنتجة حلقة في يوم؟! هل يمكن أن أستند على نص يعالج في وقت التصوير؟ لا نستطيع أن نقوم بإنتاج عمل في شهر مقسم على مخرجين. كما يقول البلوشي.

ويشير البلوشي إلى أن الفنان العماني بحاجة إلى مساندة هؤلاء الكتاب والنقاد، فهو محتاج إلى فرصة، فعندما أوقفت الأعمال انتقدنا وعندما توقفت الهيئة عن الإنتاج انتقدنا، فالنقد اللاذع أحد أسباب تأخر الدراما. ويرى البلوشي بأنه وضع في التلفزيون أشخاص ليس لهم دراية، فلا بد من تغيير بعضهم، بحسب قوله، كما أن قطاع الإنتاج الدرامي وضع للإنتاج الدرامي لكن أين الإنتاج؟ فالقائمين على هذا القطاع لا يملكون القرار في الإنتاج للأسف.

إقصاء متعمد للأعمال العمانية

يرى الممثل زكريا الزدجالي أن السبب الحقيقي حول تراجع وغياب الدراما العمانية يعود إلى المعنيين بالأمر، لو أرادوا للدراما أن تنتعش فعليهم الأخذ  بالأسباب التي يذكرها كل فنان وإذا لم يشاؤوا فهذا أمر خارج عن نطاق الفنان العماني وهو يعود إلى الجهة المسؤولة عن الإنتاج والتي تتبرأ منه بصفتها غير مسؤولة عن تطوير الدراما .

وحول ذات السياق يعتقد الممثل عبدالسلام التميمي أن المسألة بالنسبة له و بعض الزملاء هو إقصاء متعمد للأعمال العمانية الدرامية، وتوجّه جهة التكليف إلى التركيز على برامج ما كنا و ليس ما يجب أن نكون، فهذا الإقصاء نراه أتى تدريجياً.

صورة وحيدة للعماني

على مدار السنين كرستْ الدراما العُمانية – سواء كان ذلك بقصد أم بحسن نية – صورة تكاد تكون واحدة وحيدة للعُماني ولغته ولهجته، بل وطريقة تفكيره، ساهم في تكريسها نخبة من (النجوم) و(المؤلفين) و(المخرجين) عديمي الموهبة والثقافة، أو قليليها في أحسن الأحوال.. كما يرى المعمري.

ويضيف المعمري وجهة نظره حول أسباب التراجع: باتت هذه الصورة طاغية على الشاشة العُمانية، بلهجتها التي طغت أيضا على المذياع. سببها على الأرجح الرغبة في الإضحاك والحضور الكوميدي الذي رأى القائمون على الدراما العُمانية طغيانه في الشاشات العربية وإقبال المشاهدين عليه فأرادوا أن يكون لهم هذا الحضور دون أن يكونوا مهيئين إليه تمثيلا ولا تأليفاً (إلا في حالات نادرة لكي أكون منصفا) .. ظهر اثر هذه الرغبة في (الإضحاك) شخصية مشوهة للعُماني الذي يصرخ كثيرا ويعتمد في محاولاته للإضحاك على الإساءة غير المبررة لمن حوله: المرأة مثلا، التي بات شتمها أو الاستهزاء بها علامة على (ظُرف) الممثل (من أشهر العبارات في هذا السياق: تو انتيه مالش كذاك يا حُرمة!)، أو العامل الآسيوي الذي يُمطِره الممثل أو الممثلة بسيل من الشتائم والتذمر والسخرية إما من لغته غير المفهومة أو “غبائه اللامحدود”! .. ترافق هذا كله مع ثقافة متدنية للقائمين على الدراما العُمانية ترى في التمثيل مجرد حفظ للدور وإضفاء بعض المبالغة في الأداء النمطي (كالبكاء صراخا إن كان الممثل يؤدي دوراً تراجيديا، والضحك صراخاً إن كان يؤدي دورا كوميديا، لدرجة أن وصف بعض الساخرين هذا الأداء بأن الممثل العُماني هو الوحيد الذي يخبرك وهو يمثل أنه يمثل!) .

كثرة الموضوعات المحظورة

يقول المعمري: ينبغي أيضا – إحقاقاً للحق – أن نتذكر قبل لومنا للقائمين على الدراما المثل العُماني (نعذرهم ونلومهم)، فلم يكن ضعف الثقافة والموهبة وحدهما وراء هذه الصورة المشوهة للعماني في دراماه، بل تضافر مع ذينك السببين قائمة طويلة من الموضوعات المحظور طرقها في الدراما، لكونها (تُسيء) إلى صورة العُمانيين، ولكونها – على حد تعبير أحد المسؤولين – ليست بظواهر تستحق افراد مساحة درامية لها، وتضخيمها في مجتمع حساس، ولذا فحتى قبل سنوات قليلة جدا تُعد على أصابع اليد الواحدة المبتورة لم يكن مسموحاً التطرق لموضوعات الإيدز والمخدرات والسكارى في الدراما، فاستعاض عنها المؤلفون بموضوعات أخرى غير شائكة كالمباعدة بين الولادات، والمشاكل الأسرية بين الأزواج، والصراع الأزلي بين الخير والشر الممثل في استيلاء العم على تركة ابن أخيه بعد وفاة الأب، أو تسلط شيخ الحارة المتكبر على الفقراء من أهل الحارة وسلبهم حقوقهم، وما شابهها من موضوعات عُمومية يمكن أن تحدث في أي مجتمع وليست حكرا على المجتمع العُماني.

ويضيف : إن التصدي لموضوعات (عادية) كهذه وغير محظورة رقابيا، تتطلب من هذا المتصدي ثقافة واسعة وحسّا دراميا عاليا، وهذا ما يفسر نجاح مسلسلات أمين عبداللطيف الثلاثة (وتبقى الأرض)، و(آباء وأبناء)، و(قراءة في دفتر منسي) لتكون حتى اليوم – ورغم موضوعاتها العادية – من أهم الأعمال الدرامية العُمانية وتكرس اسم عبداللطيف كواحد من أهم من ترك بصمة في الدراما العُمانية .. والأمر نفسه ينطبق على مسلسل (يوميات سعيد وسعيدة) للمؤلف أحمد الحمداني.

اللهجة العمانية .. والدراما

وحول تأثير اللهجة العمانية يقول المعمري كان يُمكن للهجتنا العُمانية بـ(قافها) المميز و(موهها) و(هاعها) أن تكون عنواناً مميزاً لنا لدى نظرائنا من شعوب الأرض، ومصدر فخر واعتزاز، لولا ثلاثة أسباب تضافرت فمنعت هذا الافتخار .. أولاها أنها تكرستْ في أعمال معظمها هابطة وبأداء افتعالي سطحي منفر للمواطن ومثير للسخرية لدى الآخر، وثانيها أن هذه اللهجة لا تمثل إلا مؤديها من الممثلين أكثر من كونها تمثل كافة أطياف الشعب العُماني الذي تتعدد لهجاتُه ولغاته دون أن نسمع منها إلا تلك اللهجة اليتيمة، وهذا ما يفسر النجاح الذي صادفه قبل عدة سنوات مسلسل درامي إذاعي اسمه (نهر الذكريات) لنعيم فتح مبروك رغم حكايته المكرورة الأشبه بفيلم هندي، ذلك أن مستمع الإذاعة سمع لأول مرة لهجة أهالي محافظة ظفار وهم يتحدثون ويفرحون ويغضبون ويضحكون، الأمر نفسه تكرر في نجاح مسلسل إذاعي لسليمة المشرفية قدم جماليات لهجة محافظتي الشرقية، وأخيرا (ود الذيب) لسالم بهوان الذي تسببت لهجته البدوية في نجاحه رغم ما عليه من مآخذ درامية.

هل من حلول ممكنة؟

يؤكد الزدجالي على ضرورة إجبار الهيئة على الاهتمام بالدراما كهيئة مسؤولة عن تطوير الدراما، أو أن يتم اشهار مؤسسة أخرى تعنى بصناعة الدراما العمانية وتطويرها أو أن يتكفل ديوان البلاط السلطاني بهذا الأمر نظرا لوجود أوامر سامية بتطوير الدراما.

ويشير التميمي إلى ضرورة إنشاء نقابة للفنانين وإنشاء هيئة مستقلة للدراما، كما يجب إعطاء المشتغلين بالفن الصلاحيات ليس أناس ليس لهم دراية عن ( اكشن).

يضيف التميمي يجب على قناة مجان أيضاً أن تدعم النتاج الدرامي فهي ليست بمعزل.

 المخرج عبدالله البطاشي يرى بأن موضوع الدراما المحلية يحتاج إلى العودة إلى القرارات السامية  لسلطان البلاد ، ومن حيث خرجت تلك القرارات لدعم الدراما ورصد ميزانيات يقال بأنها لاحقا تم تحويلها إلى مسارات أخرى ، ويشير البطاشي إلى أن هناك معاناة كبيرة للفنانين وشركات الإنتاج التي تتكبد خسائر ، ولديها معدات  بعشىرات الآلاف من الريالات ، هناك تضحيات منذ أربعون عام من أجل الدراما وتطويرها واستمراريتها ، فمن غير الممكن التفكير  بإعدامها ، يجب أن يكون هناك تدخل على مستويات كبيرة مبنية على قرارات وتوجيهات صاحب الجلالة السلطان قابوس، حفظه الله. بحسب قوله.

وحول ذات السياق يقول يوسف البلوشي على الرئيس ونائبه الاجتماع بشركات الإنتاج، أطالب منذ أربع سنوات بلقاء المسؤولين لكي نتحدث معهم ولكن لا أستطيع منهم من لا يرد على مكالماتك، فالفنان العماني ليس له قيمة مع المسؤولين. فأنا إلى الآن لدي ثلاث أعمال أوقفت بدون أسباب، وأحمّل الهيئة السبب الرئيسي في تراجع الدراما لعدم وجود آلية حقيقية للإنتاج.

ويضيف: لقد وصلنا لمرحلة لا نجد من يستلم العمل من البوابة، وهذا ما حدث معي في مسلسل “نظر عيني” في أحد الأيام لم يبث العمل الساعة الرابعة لأنهم نسوا أن يبرمجوا المسلسل ضمن الأعمال، ومن ثم أكتشف رئيس التلفزيون أن العمل من ثلاثة أيام عند البوابة ولم يأت أحد منهم لاستلامه كي يبرمج ضمن ساعات الأعمال اليومية كما أن الأعمال تبث دون رقابة للأسف الشديد.

أتمنى أن نقنن الإنتاج ونحن قادرون على أن نقدم أعمالاً بنفس مستوى الأعمال الخليجية والعربية فقط نحن بحاجة للدعم. ناهيك عن المعاناة في المسرح والسينما والدراما.. لماذا نحن مهمشون؟ سؤال مهم بالنسبة لي منذ سنوات وأنا أبحث عن السبب. إلى متى سنبقى هكذا؟ وستأتي أجيالاً أخرى لن تكترث بالفن لعدم الاهتمام به في بلدنا.

مريم البلوشي – البلد

اترك تعليق