سفينة الحكُومة أم سفينة المواطن؟

 

منَ الطبيعيّ جداً أن تجدَ محاولاتُ الحكومَة الأخيرة مقاومةً من الشعبِ في التحوّل من دولَة اقتصادٍ ريعيّ تقدّم خدماتهَا مجاناً إلى دولَة يدفعُ فيها المواطنُ مقابل الخدماتِ الأساسيّة التيْ تقدَّمُ له .. أقولُ ذلك رغمَ أنّ الحكومَة لم تبدأ بعدُ ذلك ولكنّها بدأت العملَ بـ”استراتيجيّة التواصل الاجتماعيّ” التيْ أشرتُ إليها سابقاً في مقالي عن الشَاورما النفطيّة .. الاستراتيجيّة التي حثّ صندوق النقدِ الدولي الحكومَة على اتباعهَا نحو مشاركَة أكثر شفافيّة للشعبِ في وضعِ البلد واقتصادهِ وضرورةِ تهيئة الشعبِ لتغيّرات قادمَة لن تروقهُ في ظلّ الدخول إلى عهدِ ما بعد النفط ..

من الطبيعيّ أن يحدثَ ذلك لسببين: أوّلهما أزمَة الثقة التي كرّستها أحداث كثيرة سابقة قبل الدخول في هذه الأزمة .. أزمة الثقة التي حذّرتُ في 2014 و2013 في مقالاتٍ عدّة من نتائجها .. إنّ الشعبَ اليوم ينظر إلى أيّ محاولة من الحكومة لوضعهِ في المشهدِ التقشفيّ هو حالَة تآمر عليه .. إنّهُ لا يقرأ في الورقَة التي توضّح التكلفة التي تغطيها الحكومة لعلاج المريض محاولةً لوضعهِ في الصورة ورفعِ وعيهِ باستخدام المرافق العلاجيّة “حين اقتضاء الحاجة” ولكنّه يقرأ فيها مؤامرة من مسؤولي الحكومَة ضدّه ومحاولَة لإفقاره.. وهوَ لا يأخذ أيّ خطواتٍ من الحكومَة لزيادة الشفافيّة في الإنفاق العامّ على محملٍ حسنٍ بل بنيّة تفترضُ أنّ الحكومة تخبّئ لهُ الأسوأ ..

ومردّ ذلك إلى سنوَاتٍ من البحبوحة الحكوميّة “النزقَة” التي رأى فيها المواطنُ اتّساع هوّة الدخل بينهُ وبين أثرياء البلد .. رأى بحبوحة الامتيازات التي تمنحُ للمسؤولين الحكوميين الذين يديرُون خارطَة الحكومة .. بدءاً من الامتيازات العينية كالبشوت والمصارّ والساعات الثمينة مروراً بالرواتب العاليَة والسفرَات المجانيّة وعلاوَات السفر اليوميّة “الخياليّة حد الضحك” .. والخدم والحشم ، والسوّاق والمزارعِين ..

ورأى قضايَا هزّت البلد مسّت شخصيّات رفيعة في الحكومة (هل تذكرُون قضيّة مظاهر التاجر؟) التي لم ير فيها المواطنُ الدولَةَ تتخذ أيّ اجراءاتٍ تجاه هذه الشخصيّات بل استمرّت بيننا اليوم تمارس مهامّها وتنالً التكريمَات أيضاً ..

لقد رأى وزارةً كوزارة الإسكان تتصرّف كيفما شاءت في أراضي البلد .. دزّينة فضائح وتسريبات تخرج بشكلٍ سنويّ دونَ أن تهزّ شعرةً من وزيرها..  ملكيّات عامّة تتحول إلى خاصّة ومسؤولين حكوميين رفيعين يبسطًون أياديهم على مساحاتٍ شاسعَة من البلد لاستخداماتهم التجاريّة والصناعيّة والسكنيّة ..

لقد رأى قطَاعاتٍ تخصخص إلى شركاتٍ حكوميّة ولكنّ ذلك لم يوقف محسوبيّات التوظيف فيها ولم يمنع قضايا الفساد من أن تطالها .. رأى موظفين حكوميين ينتقلُون بعقليّاتهم المتحجرة إلى هذه الشّركات لينالُوا حسنيي القطاعين الحكوميّ والخاصّ .. شركَات حكوميّة تقدم رواتب خياليّة لا تتناسب مع وضعِ البلد لموظفيها وامتيازات لعائلاتهم من التأمين الصحيّ وتغطيَة مصاريف دراسة أبنائهم الخاصّة وغيرها دونَ أن يلمس المواطن تحسناً طردياً في خدماتِ هذه القطاعات ..

المواطِنُ الذي رأي مشاريعَ خدميّة يبالغُ في الصّرفِ عليها بينما لا تقدّم أيّ قيمة مضافَة لاقتصادِ البلد فمثلاً ما هذه المبالغة في تشييد مجمّع محاكِم يخالهُ الناظرُ قصراً من قصُور السلاطِين لا مبنى حكومياً يلتجئ الناسُ إليهِ لقضاءِ حوائجهم ومرافعاتهم؟ أهذا ما يُراد لبلدٍ غير قادرٍ على صرفِ ترقياتٍ مستحقة لمواطنيه فيما يضخّ المال على المباني والحجر عوضاً عن البشر؟

 لقد رأى المواطنُ حكومةً تشبههُ تماماً .. إنّها تشبهُ الانسانَ الذي “يبحبح” الانفاقَ إذا نزلَ راتبهُ .. حتّى إذا جاء آخر الشهرِ وجدَ نفسهُ مفلساً .. فلماذا عليهِ أن يكترثَ ويتحمّل المسؤوليَة مع حكومةٍ هذا ديدَنُها ..

نعم .. لقد ضخّت الحكومةُ أموالها في زمنِ الـ 120 دولار للبرميل في مشاريعَ حيويّة وذات مردود اقتصاديّ عالٍ لكنّها في الوقتِ نفسهِ أسرفت الإنفاق غير المبررِ وفي ضخّ الكثير من الأموالِ على فئة منتفعَة من المجتمعَ دونَ غيرها..

كلّ ذلك ساهمَ في زعزعة ثقة الشّعب بأمانةِ مسؤوليهِ في التعاطي مع الأزمَة .. هذه هي أزمَة الثقة التي حذّرنا منها قبل عامين وها هيَ اليوم تعودُ وبالاً على محاولاتِ الحكومة الجادّة في مواجهةِ الأزمة ..

بلْ إنّ حالة التردد الحكوميّة في قرارتها تعكسُ عدم قدرَة الحكومَة على إدارة “ردود الأفعال” فمثلاً ستقررُ الحكومَة اليوم طرح ورقَة لتكاليف العلاج لتعودَ لسحبها بعدَ يومين .. تصدرُ وزارة الإسكان جدولاً بتسعيرة قيمة الأراضي ثمّ توقفهُ لاحقاً بعد ردود الأفعال الغاضبَة .. حالة الإرباك هذهِ تزيدُ القلق الشعبي وتقللُ من احترامهِ وثقتهِ بأنّ المسؤولين يعرفُون ما يفعلون!!

السؤالُ الآن: هل منَ المفيد أنْ تطلعَ الحكومَة المواطنَ على مساهمَتها في تقديم الخدمات له؟

أقولُ نعم ، إنّ من المهمّ أن يعرفَ المواطنُ أنّ فاتورَة الكهرباء الشهريّة التي تصلهُ هي ليستْ مصاريفه الواقعيّة وأنّ الحكومَة ساهمَت بنسبَة 70% من سدادِ فاتورتهِ .. فكرَة المساهمة هذه تجعلُ المواطنَ أكثر وعياً في استخدامهِ اليوميّ في بيتهِ وأكثر ترشيداً لاستهلاكهِ المنزليّ .. إذ أنّ القاعدَة هي أنّ تقدير النّعم ضروريٌ لدوامهَا وأن خطواتٍ كهذهِ اتّخذتها الحكومة ليست سيئة بالضرورَة وليسَ هدفها التآمر على الشّعب ولكن لأنّ تراكُم سنوَات طويلة من الأداء الحكوميّ غير المسؤول جعلَت ردّة الفعل الشعبيّة عنيفَة تجاه هذه التهيئة الانتقاليّة مستبقاً الأحداث إلى أنّ وراء أكمّة الحكومة ما وراءها..

هذا الأمرُ أدّى بالمواطنينَ أيضاً إلى الغليان على أيّ أصواتٍ شعبيّة تخرجُ منهم لتطالبَ بأنْ يتحمّل الجميع تبعاتِ الأزمة كما حدثَ مع محمّد الحارثيّ الذي تعرّض “لسحلٍ شعبيٍ” بعدَ مطالبتهِ بتخفيض الرواتب أو لنقل إعادتها كما كانت إبان 2011.

ما قالهُ الحارثيّ ليسَ خطأ بالمجملِ بل إنّ لهُ ما يبررهُ في ظلّ تدهور قادم للأزمة وإنهاك أكبر للميزانيّة .. مشاريع ضرورية للعمود الفقري الاقتصاديّ للبلد تتوقف .. شركات كبرى مهددة بالإفلاس في ظلّ عجز حكوميٍ عن سداد مستحقاتها في مشاريع نفّذتها تلك الشركات .. واستمرار في ارتفاع الدين العامّ .. كلّ ذلك يضعنا أمام خيارين: تخفيض الرواتب الحكوميّة أو الوصول لحالة تعجز فيها البلد فجأةً عن صرف الرواتب .. هل هذا سيناريُو مستبعد؟ لا.. ولكنّه لن يحدثَ ما لم تسبقهُ إجراءات حكوميّة صارمة في نزع الامتيازات عن مؤسساتٍ خاصّة وترشيد حقيقيّ وشفافيّة هائلة مع المواطِن في جديّة الحكومَة في إدارة الأزمة ..

يُرادُ لهذهِ البلد أن تعبرَ الأزمَة بسَلام .. نريدُ لها ذلك شعباً وشعباً (لا شعباً ومسؤولين فنحنُ كلنا شعبٌ واحد) .. لكنّ ذلك لن يحدثَ إذا لم يكن بتفهّم شعبيٍ .. ووعيٍ وطنيٍ .. الكثير من الأخطاء حدثت .. الكثير من القضايا والتصرفات الفاشلة .. ولو أردنا الحديثَ عنها لقضينا عاماً ويزيدُ في الحديث عنها .. لكن أن تُرتَكب الأخطاء هذا وارد .. ولكن خيرٌ من الاستمرار فيها: تدَاركها ولو متأخرين ..

للحكومةِ أقولُ: أنّه عوضَ هذا الارتجَال في قراراتكم فإنّه ينبغي أن تغوصوا في عمق المشهدِ .. إعادة هيكلة شاملة للنظام .. ليسَ الحلّ منح الجميع الامتيازات على قدمٍ واحدة .. ثمّ نزعها عنهم جميعاً ..

أنتم تدفعُون 70% من فاتورة الكهرباء للمواطنِ الذي دخلهُ 350 ريالاً وتدفعونَ 70% من الكهرباء لمواطنٍ دخلهُ 5 آلاف ريال في الشّهر

أنتُم تدفعُون 70% من الكهرباء للمواطنِ والمقيم .. العُماني والأجنبيّ على السواء ..

أنتم تضعون تسعيرة الوقود لسائق الباص المهترئ الذي يعيلُ عائلة من 10 أفراد وتضعُون نفس التسعيرة لسائق الفيراري والرانج روفر الذي يمتلكُ رصيداً بنكياً بخمسة أصفار ..

المواطنُ المستحقّ لمساعدَة الشؤون الاجتماعيّة يدفعُ نفس المبلغ لاستخراجِ بطاقة العلاج الذي يدفعهُ مليُونير في مركزٍ صحيّ..

ابدؤوا في بناء نظام دخل شامل للمواطن ووضع هرميّة في الحصول على الخدمَات .. ابدؤوا في هيكلةِ حقيقيّة تسطّح قمة هرم الدخل الذي تحتلهُ فئة صغيرة من المجتمع وتحمِيلهم مزيداً من الأعباء الماديّة تجاه ما يملكون .. إنّهم يتقاسمُون ذات الامتيازات التي يمتلكها الجميع وهذا ليسَ عدلاً .. نحنُ اليوم بحاجة إلى هرميّة الخدمات فكلّما ارتفع الدخلُ ، قلّت المساهمة الحكوميّة في دعمِ المواطن وكلّما كان دخلهُ أقل كانَ أولى من غيرهِ بالدعمِ الحكوميّ ومجانيّة الخدمات..

على الحكومَة أن تعملَ على العملِ وفق الأبجديّات الأساسيّة لبناء دولَ عادلة ومسؤولَة .. عوضَ أن تتصرّف مع الشعب بهذا الارتجال في القراراتِ .. وعليهِم أن يطلعُوا المواطن أكثر على الامتيازات المسحوبة من الفئات العليا فقرارُ سحبِ المكافآت السنويّة للمسؤولين قوبلَ بترحيبٍ شعبيٍ واسع ولذا فإنّ شفافيّة هذه الإجراءات التي تطالُ المسؤولين وكبارهم تخفف الاحتقان الشعبيّ بأنّ الفئة المستهدفة من التقشف هي الفئة الشعبيّة فحسب..

وللشعبِ أقول: أننا قادمُون على تغيّرات هي قادمة لا محالة وهي تغيّرات ليست سيئة بالضرورة فدول العالم التي نشيرُ إليها بأصابعنا دائماً على اعتبار أنّها في أعلى هرم التحضّر الاقتصاديّ والانسانيّ هي دولٌ يتشارك فيها المواطن حكومتهُ المسؤوليّة تجاهَ ما يُقدّم إليه من خدمات وهو يفعلُ ذلك مدركاً أنّ ذلك ضرورَة لا اعتباط ..

للجميعِ أقولُ أننا جميعاً على سفينةٍ واحدة فلنعبر بها إلى الشطّ بأقلّ الخسائر ..

عائشة السيفي

اترك تعليق