رسائل أميرة عربية..قراءة في كتاب رسائل إلى الوطن

 

رسائل أميرة عربية..قراءة في كتاب رسائل إلى الوطن للسيدة سالمة بنت سعيد آل سعيد ترجمة زاهر الهنائي، منشورات الجمل ٢٠١٦م

“آه كان ذلك شديد المرارة، هل عليّ أن أقضم تفاحة الحضارة المتجردة من العواطف أم يتوجب عليّ أن أيأس في منتصف الطريف قبل أن أكمل العمل الشاق؟” ص١٦٧

السيدة سالمة

 

الصديقة والوطن:

من هي الصديقة الزنجبارية التي تبعث إليها الأميرة السيدة سالمة (إميلي رويته) تفاصيل حياتها وتأملاتها في مهجرها الألماني البارد؟ للحظة ظننت أن الأميرة كانت تبعث رسائلها إلى نفسها الباقية في زنجبار، لكن لا شك أن الرسائل تشير إلى صديقة مقربة جداً منها، لم تزل تراسلها بلا انقطاع، تروي لها ما يحدث في زنجبار، وتشاطرها حياتها ورحلتها إلى الحج، شخصية حقيقية لا خيالية، إذاً لماذا بقيت الرسائل في حوزة الأميرة، هذه بعض الأجزاء المفقودة كما سيلاحظها القارئ، إضافة لبعض المناطق المعتمة والانقطاعات البسيطة في سير الأحداث، والمفقودات منها ما يشير إليها المترجم في المقدمة حول نصوص أخرى كتبتها الأميرة عن سورية ويافا وبيروت ولا أثر لها في الكتاب.

 

تم العثور على كافة الرسائل في محفوظات الأميرة سالمة بعد وفاتها، ولحساسية بعض أبنائها من نشر تلك المعاناة الصعبة التي واجهتها الأميرة في التأقلم مع الحياة الألمانية والغربية عموماً فقد قرروا عدم نشرها، هكذا تأخر النشر كثيراً، نُسي العمل في الأدراج حتى قام الباحث الهولندي فان دونزل بنبش هذا التراث ونشره، بالأنجليزية عام ١٩٩٣م، كما يشير المترجم لذلك في المقدمة، ثم نشر بالألمانية عام ١٩٩٩م، والآن بالعربية هذا العام ٢٠١٦م في جهد رائع من المترجم زاهر الهنائي، في حدث وعمل لعله الأهم أدبياً، خصوصاً في حقل السيرة الذاتية هذا العام.

 

قارئ الجزء الأول من مذكرات أميرة عربية لا شك أنه يذكر ذلك الجانب التحليل النقدي للحياة الألمانية في المذكرات، وذلك الشوق والحنين إلى زنجبار، وهنا في هذا الجزء نتعرف على محرك الشجن الكبير والحب الجارف الذي رأيناه في الجزء الأول من المذكرات، إلى درجة أن شاهد قبر الأميرة سالمة في هامبورج كتب عليه هذا الشطر من قصيدة الشاعر الألماني فوناته: “مخلص من أعماق قلبه من يحب وطنه مثلك” ولعل هذا الشاهد كتب بإقتراح من ابنتها وردة (روزا) التي عرف عنها حبها للأدب واللغات.

 

تحلل الأميرة في رسائلها المجتمع الألماني الجديد عليها، وتلقي نظرة نقدية مقارنة بينه وبين مجتمعها الزنجباري الذي جاءت منه، فسرعان ما تعلن منذ بداية رسائلها إدراكها لمدى جدية العقل الغربي والألماني بالأخص وحرصه على (التقدم)، إلى درجة تصفها بالمبالغ فيها: “إن التمدن المفرط قد جعل الناس على هذه الشاكلة.. فمع التمدن ظهر الوهم، ولدى آخرين برز معه الغرور..” ص١٨ ذلك المجتمع الذي يجب فيه على الضعيف الذي لا يستطيع مجاراة تلك الرغبة الشرهة أن ينزل عن الخط السماوي على الأرض عندما تضعف مقاومته “للصدمات الأخلاقية غير المعدودة التي تنتمي إلى الحضارة” ص١٨

 

الحُب والصدق:

تحمل رسائل الأميرة في هذا الكتاب، كما في مذكراتها من قبل، نفس الفكر المتأمل والنقدي تجاه حياتها الألمانية، لا نجد ذلك الإستلاب الأعمى كما يُتوهم، بل نقرأ نصاً على درجة عالية من الصدق مع الذات، والقدرة على الانفصال والرؤية من زاوية مختلفة للواقع، وبالنسبة لحالتها الشخصية في تلك الأعوام من القرن التاسع عشر وبدايات العشرين لعل المداراة كانت أسهل عليها، على أقل تقدير، أو حتى تجميل الأشياء والأحداث كان سيكون أقرب منالاً، على الأقل لتبرير قرارها الشخصي بالهرب من زنجبار إلى ألمانيا ١٨٦٧، تلك الرحلة التي تحكي تفاصيلها ص١٩ ووصولها إلى مرسيليا كأول محطاتها الأوروبية: “بدا لي وكأني لن أرجع بعد الآن إلى الوطن أبداً، وأن كل الجسور تنهار من ورائي، وتحول صراخ روحي إليكم إلى آلاف الأصوات من جزيرتي الحبيبة التي تنادي جميعها بصوت واحد: لا تذهبي أبعد من ذلك، عودي.” ص٢٢.

 

يمكن لمحبي الروايات أن يقرأوا الكتاب كرواية واقعية، قصة الحب التي تحولت إلى مأساة، وقصة كفاح قاسية، وتاريخ، وهذا ما قاله أوسكار وايلد عن مذكرات الأميرة حين قرأها، وما نكرره هنا عن الرسائل، لكننا هنا أمام طريقة الواقع في حبك سرد الوقائع والأحداث، وهنا سيلمح القارئ أدلة كثيرة على أن الحُب وحده كان هو المحرك الكبير لحياة الأميرة التي تبعت قلبها حتى النهاية، ذلك الحب الذي من أجله تحملت ما تحملت إلى آخر لحظة، إيمانها الكبير بذلك الحب للرجل الذي أحبته، والذي تصادف أن يكون ألمانيا، وكان يمكن أن يكون من أي مكان آخر، ولا علاقة لألمانيته بالحب الذي بادلته ذلك الرجل والذي بادلها الحب بحب مثله، تنضح به صفحات وصفحات ومشاهد كثيرة، لقد أستجابت الأميرة لحبها وأخلصت له إخلاصاً منقطع النظير وارتبط كل شيء فيها به، حتى بعد وفاته، حتى يمكن أن تصبح قصتها مضرباً للمثل في الحب والوفاء. هذه حقيقة أظن يجب تأكيدها اليوم ، بعد قرن تقريباً، لنعيد تنصيب هذا الرمز الثقافي الذي يخصنا جميعاً ونتقاسمه، السيدة والأميرة الزنجبارية ذات الدماء العمانية التي انقادت لقلبها، وقلبها وحده. بهذا يمكننا أن نعرف الدوافع الحقيقية وراء التغيير الكبير الذي وافقت الأميرة على السير فيه. والقلب الملكي الذي ظلت تتبعه إلى النهاية بكل وفاء.

 

فاجعة الكرز:

طلب زوجها على سرير احتضاره ووفاته فاكهة الكرز، تلك الفاكهة التي تعودت الأميرة أن توزع منها كل عام على الناس، لكن منذ فقد زوجها صار الكرز ثقيلاً على نفسها ولا يذكرها إلا بفاجعتها به ص٨٩، ذلك الزوج كان عائداً بلهفة إلى بيته ولأنه وقع في هفوة بسيطة في توقيت القفز من القطار قبل توقفه، سقط تحت عجلات القطار، تحولت محاولته لكسب قليل من الزمن إلى فقدان كامل للزمن.

هو الحب الخالص. يدلك على ذلك طلبها الموت بعده: “استولت علي أمنية واحدة، وهي أن أكون من تلك الطائفة التي تحكم على الزوجات بالحرق في كومة الحطب، حتى تلحق مباشرة بالزوج! فماذا يمثل إحراق الجسد بالنار والعذاب القليل مقارنة بالآلام المستمرة والتي لا حصر لها للنفس البشرية، هذه الأفكار وثنية، لا تتفق مع الإسلام ولا المسيحية، ولكن هل العذابات المضاعفة التي نلقاها على هذه الأرض هي أخف عذاباً من موت سريع بالنار؟” ص٩٤

كانت الفاجعة كبيرة عليها بوفاته: “حتى تذكر اولادي الثلاثة لم يكن يعزيني” ص٩١، إلى حافة الجنون: “كنت أفقد عقلي فجأة”، وإلى حافة الإلحاد: “أعرضت عن الله، في هذه الحالة فقط، شكوت إليه بمرارة كيف سمح لمثل هذا البؤس الشديد أن يحدث”، هناك عند فقد الحبيب شعرَت بالتحديد بما حدث لها فعلاً، كأنها بوفاته عادت إلى الواقع: “إن فقدي للوطن والأهل والثروة الذي تكبدته في غضاضة شبابي، لم أدرك فعلاً مدى فداحته الحقيقية إلا الآن. لم أحس مطلقاً بمثل هذا الحنين الحارق إلى الوطن، في هذه اللحظة شعرت فجأة بأني لا أهل لي ولا وطن.” ص٩٣

إعتراض قدري كبير نشأ في قلبها بوفاته: “مع أن الصلاة كانت هي الوحيدة التي ستواسيني إلا أني للأسف لم أكن أؤديها في البداية. كانت روحي تعيش نوعاً من الثورة وكان يجب أن تقتحم الطريق الآن، وعندما تمكنت أخيراً من الصلاة بيقين وإيمان مثلما تعلمت في شبابي (قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا) حمدت الله إلى الأزل. وأصبحت أشعر في داخلي بالراحة قليلاً.” ص٩٥ ولم يكن قراراها بالبقاء في ألمانيا إلا إخلاصاً لذلك الحب:

“قررت أن يتربى أولاده في بلده، إخلاصاً لذكراه”

 

تمثيل الشرق:

تدخل الأميرة إلى أوروبا عبر طريق عدن فمرسيليا وصولاً إلى ألمانيا فمحطتها وإقامتها الطويلة في هامبورج، إلى وفاة زوجها، ثم تشردها من جديد بين المدن الألمانية المختلفة كدريسدن ودرامشتات بلوغاً إلى برلين، لقد سبرت الأميرة المجتمع الألماني والغربي بعين حادة وفكر ثاقب، سنرى أبعاده، وكانت تحلل ما تعيشه من حولها.

أما الشرق البعيد (الحبيب الآخر) فقد حملته الأميرة معها على الدوام كحنين كبير وكرموز وأشياء مادية صغيرة عزيزة على القلب، وكفكر في التعاطي مع الأحداث، بل حتى كمسئولية وواجب، بالنسبة لها، ظلت تحرص عليه: “عزمت على ألا يهدأ لي بال حتى أتعلم لغة هذه البلاد، ولا سيما لسببين، الأول هو بسبب العجز الذي أعايشه..، والثاني هو حرصي على سُمعتكم لأنني قد أُعتبر ممثلة للشخصية العربية… حتى لا أترك انطباعاً فيه شيء من شفقة الجميع على تنشئتنا المتواضعة حسب كثير من الآراء هنا.” ص٣٠ وحرصها  على صورة العربي في الغرب حتى على حساب انشغالها وهمومها وآلامها ومصاعب الحياة، فها هي لا ترد الدعوات المقدمة إليها في دريسدن ودافعها: “لا أود أن أقدم للناس الأحبة سبباً ليس ضروريا للحديث بإسهاب في مجالس القهوة حول نقص التهذيب العربي” ص١٥٠

كانت مهتمة على الدوام بعكس صورة طيبة عن الشرق للغرب، كثير من أفعالها الحياتية كان نوعاً من مشاريع وقناطر في ألمانية، تمد جسوراً تقاربية بدل أودية الخوف والإتهامات، بما في ذلك المذكرات التي كتبتها ونشرتها، لكن مع وعي واقعي أيضاً بماهية الشرق وما هو عليه فعلاً، وليس غراماً أعمى: “كنت ألبس حتى وقت قريب زي أسلافي القديم منذ آلاف السنين، وكنت أستخدم أصابعي الخمس كسكين وشوكة طبيعيتين” ص٥٧ تلك كانت طبيعة الشرق في القرن التاسع عشر الذي تجري فيه أحداث هذا الكتاب، ، وربما ولا زالت، بل حتى النور الذي كانت تنظر به إلى الأشياء الغربية ما زال هو نور بلادها الأولى: “كنت أرى بنور أفريقيا البعيدة وليس بنور شاطئ نهر إلبه” ص١٢٨

 

سبر الغرب:

 

يبين هذا الكتاب أن الأميرة عاشت في الغرب بعين نقدية وفكر تحليلي لذلك العالم، تقارنه وتقاربه في محاولاتها لفهمه، بل وتحترمه إحتراماً فيه من الطيبة وحسن النوايا والحرص على المشاعر الكثير: “الكلام عن العادات والتقاليد لأمم مختلفة هو أمر له حساسيته، فقد يتعرض للإساءة إلى هذه الأمم من دون قصد” ٦٣ وهي في رسائلها هذه كانت تفكك مظاهر الحياة الغربية ومنظومتها وتصل إلى استنتاجات فكرية مذهلة نجد لها صورة مقاربة لاستنتاجات مفكرين مرموقين من القرن العشرين، لننظر مثلاً لتحليلها للبلاد الباردة والحارة:

“نُتهم نحن الشرقيين بما فيه الكفاية أننا كسالى وخاملون من وجهة النظر الغربية ويُنسى بذلك كثيراً كم هي قناعة الجنوبيين عموماً، الشيء الذي لا يمكن بالتأكيد أن يفترضه الأوروبي المتمدن، ويُضاف لذلك أن برودة الشمال استوجبت الحاجة لآلاف الأشياء في حين أن المرء في الجنوب في غنى عن الحاجة إلى كل هذه الأشياء، هذا يؤدي أيضاً إلى أن الإنسان لا يستحسن العمل المضني أبداً.” ص١٦٤

ألا يعيدنا هذا مباشرة إلى ما ذكره مفكر مرموق هو المفكر الراحل علي مزروعي حول تأثير البيئة على نمط وطريقة الناس في العيش بالمقارنة بين بلاد الشمال الغربية والجنوب الأفريقية، وذلك في نهاية القرن العشرين، بينما كانت الأميرة تذكر ذلك في نهاية القرن التاسع عشر.

ولنتأمل ترقبها الحثيث لأمزجة الشعوب واستنتاجاتها: ““أدركت لاحقاً أيضاً، لماذا يعاني الإنجليز من “لوثة” مثلما يشاع عنهم، في شهر نوفمبر وديسمبر. إن يوماً ضبابياً كئيباً كان يسبب لي اكتئاباً حتى إنني أرغب في البكاء كأفضل حل..” ص٥٩ وإلى فهمها الحصيف للحرب العالمية الأولى التي اندلعت في أوروبا: “قامت بين الأمتين حرب لا يمكن لكم في جزيرتكم الآمنة تصورها، فمئات البشر يُضحى بهم من الجهتين تقريباً مثلما يُضحي المسلمون الأضاحي الكثيرة التي لا حصر لها في جبل عرفات….

للإنجرار إلى مثل حرب الإبادة هذه، وبالمناسبة المسحيون ضد بعضهم، يبدأ المرء في أوروبا في وقت مبكر جداً بتربية الأولاد على هذا الأمر. وجميع الدول الأوروبية واقعة من قريب أو من بعيد في داء عضال، هو الغيرة، لا أحد يبخل على الآخر بها، وكل دولة تسعى دائما أن تنافس الأخرى بأي ثمن” ص٧٣

نتعرف أيضاً إلى رؤيتها إلى المفاهيم والمبادئ التي يعلنها الغرب مقارنة بالممارسات: “ما رأيك بهذه الإنسانية؟! افعلي مثلي ولا تعطي هذه المصطلحات أو ما شابهها اهتماماً على الإطلاق. وجدت أن الناس بشكل عام إنسانيون عندما يتوافق الأمر مع مصالحهم، والكفار هنا أيضاً يؤمنون بهذا المبدأ ويرون هذا الرأي.”ص١٥٩

نظرتها إلى القانون الذي يتدخل في خصوصيات الناس وإلى الحرية التي يسرقها النظام الأوروبي باسم القانون من الأفراد والشعوب: “إن المرء هنا في أوروبا يولد ويُربى لكي يخضع ويستسلم لآلاف القيود التي تمس الحرية الشخصية وتجعل من الفرد مجرد رقم. لا يتناسب معنا، نحن الشعوب التي تعيش بالفطرة، هذا التقييد، فالقلب لدينا يأتي أولاً ثم تأتي بعده القوانين الباردة.” ص٨٢ وإلى ماهية الحضارة وحقيقتها: “كم مرةً، آه كم مرة، كانت تحلق أفكاري إلى جزيرتنا الحبيبة، وكنت أحسدكم كثيراً على جو السماء الصافي دائماً وعلى طريقة حياتكم البسيطة والمتحررة تماماً من كل التعقيدات التي تسمى هنا بمكاسب الحضارة وروح الإنسان الوثابة.” ص١٤٢ ولنقرأ هذا الاقتباس الطويل لنرى كيف تنظر الأميرة إلى الحياة الأوروبية، ولنقارنها بحالنا اليوم وقد طغت الرأسمالية وتصرفت فينا:

“آه كم مرة تمنيت أن أعيش بعيدة عن الحياة الأوروبية المعقدة، حيث لا توجد شخصية الفرد إلا نادراً، كل شيء هنا كالآلة، والفرد ليس أكثر من مجرد رقم من بين الملايين. من كل مائة من السكان هناك ٩٥٪ منهم طموحون جداً، وويل لمن لا يلحق بهم، لأنه سيغرق ببساطة. وكل أحد منهم يجب عليه بشكل أو آخر أن يتعلم كثيراً، حتى يكون بشكل عام كفؤاً وجديراً، بغض النظر إن كان يرغب في ذلك أو يطيقه، فالكل تحت هذا النظام، ويكون تحت المراقبة الصارمة، كل أمة هنا تمثل مدرسة كبيرة ومواطنوها يشكلون التلاميذ، بالطبع دون أن يُشعر بذلك، ومع ذلك فكلمة “الحرية” في فم كل طفل. والذي لا يريد أن يظل طول حياته موزع صحف أو كانس شوارع أو مكسر حجارة فيجب عليه أن يتسلح هنا بالعلم بشكل مناسب حتى يكسب الاحترام، ولا يوجد استثناء لأطفال من أم عربية، لا من المنظور الاجتماعي ولا القانوني” ١٨١

وهذه مجرد أمثلة صغيرة على الكم الهائل من الآراء الصادقة التي جعلتني أتوقف كل صفحتين تقريباً لأتأمل تلك الملاحظات المذهلة في وضوحها وقرائتها الصافية.

 

الدين:

اتهمت الأميرة دوماً بالمروق من الإسلام، لكن بقراءة هذا الكتاب سندرك أي حالة روحية متسامية ومترفعة كانت تعيشها الأميرة في دينها الجديد، كاستغرابها أمام القس الذي قام بتعميدها، والذي اكتفى بأن يسمع كلمة نعم على ما قاله لها بلغة لم تفهمها إطلاقاً، ومسيحية لا تعرف عنها أكثر مما هو موجود في القرآن: “قررت أن من الأفضل لي أن أظل مخلصة لديني القديم في البداية، على الأقل حتى أشعر بسلام داخلي، فلا شك أنه من الأفضل لي ألف مرة أن أكون مسلمة بدلاً من كوني غير مسيحية من القلب ولا مسلمة” ص٢٥ إنما علينا أن نرى أكثر من ذلك في إدراك تأملاتها العميقة في الدين عموماً وفي المسيحية الأوربية خصوصاً: “بدا لي كأن الدين هنا ليس أكثر من مجرد علم يُدرس ثم ينسى عند أول فرصة سانحة أو يتعرض للنقد كثيراً، أدركت هذا مراراً للأسف، وإلا فكيف نفسر هذا العدد الهائل من حالات الانتحار إذا كان الناس فعلاً يؤمنون بقضاء الله وقدره؟.. لأسباب تافهة كثيرة أخرى يلجأ الناس هنا مباشرة للانتحار.. هل كانوا سيفعلون ذلك لو أن لديهم فقط ذرة من الدين في نفوسهم؟ بالتأكيد لا.” ص١٠٥، إن تحليل الحاجة الإنسانية للدين ودوره في حياة الإنسان الروحية جلي واضح لدى الأميرة، وهذا مجرد غيض من فيوض تحليلاتها للدين عموماً والدين المسيحي خصوصاً والعلاقة الشخصية للإنسان مع الله، لننظر مثلاً كيف استقبلت تعارفها بواحدة من أعز الصديقات اللواتي تعرفت عليهن في ألمانيا كهدية إلهية: “قدر الله الكريم برحمته ولطفه أن يقدم لي في هذه المرأة الغريبة سنداً معنوياً لوحشة روحي… في الوداع قالت لي ناظرة إلي بإخلاص: حبيبتي أعتقد أننا نفهم بعضنا. آه نعم فهمنا بعضنا، لأنني من تلك اللحظة شعرت بتحسن حياتي الروحية تدريجياً.” ص١٣٤

 

تأملات أخرى:

تأملات الأميرة التي تبعثها في رسائلها لا تتوقف عند حد في الحياة الأوروبية وطريقتها وثقافتها ومسرحها وفنونها، يميزها الصدق مع الذات والثقة بالنفس وقوة الفكر والروح، وكما يعرف قراء المذكرات لمحة من ملاحظاتها على تربية الأولاد الأوروبية فسيجدون الكثير في هذه الرسائل حول التعليم الإلزامي الذي لا يكترث للتهذيب مثلاً والذي يثقل الطالب بالواجبات المدرسية: “كنت أشعر دائماً وبالرغم من كل الجهود التي تبذلها المرأة العربية إلا أنها تظل امرأة غير مناسبة لتكون أماً في ألمانيا ولأطفال فاقدي الأب وهم في سن المدرسة، ففي هذه البلاد لا يُعد كافياً أن يتعلم الأولاد في المدرسة فحسب، فبجانب ذلك يُعطون واجبات منزلية، بحيث لا ينفكون عن التعلم أبداً، فتوجب علي باستمرار أن أساعد الأطفال الباكين في وظائفهم المدرسية، والتي لا أعرف بنفسي أكثرها في الغالب” ص١٥٣

كما تتعرض الأميرة لوضعية المرأة العربية في أوروبا عموماً وتكيفها مع الأوضاع الجديدة عليها، وكذلك على مسألة الاستثمارات المالية المختلفة التي على المرء أن يضع فيها أمواله وهو جاهل تمام الجهل ومتكل تماماً على سماسرة ماليين يعبثون بأمواله لحساباتهم، وعن الضغط الاقتصادي المرهق على الفرد الأوروبي الذي يصبح أمامه الثري الشرقي التقليدي بالمقارنة فقيراً أو متوسط الحال من كم الاحتياجات والأشياء غير الضرورية التي عليه القيام بها وتوفيرها.

لننظر أيضاً لتحليل الأميرة للصحافة في حادثة نشر صورتها في الصحافة البرلينية على إثر حضورها كشاهدة في جلسة محاكمة: “كنت مندهشة في اليوم التالي لوجود مقال عني في جريدة الصباح، تحدث عني كثيراً ووصف حتى ملابسي البسيطة، كيف يمكن أن تُملأ أعمدة الجرائد الطويلة والمملة إذا لم يُلجأ إلى مثل هذا الابتذال؟! لو ظل السادة المحررورن والمراسلون على الحقيقة دائماً، لمشى كل شيء على ما يرام. ولكن!” ص١٦٨

 

المشاهد المؤثرة:

أنتقل لبعض المشاهد المؤثرة واللحظات الرمزية المفارقة في الرسالة والتي لا يملك القارئ أمامها إلا التأثر الشديد، عدا عن فاجعتها الرئيسية بزوجها، من ذلك عودة أبنائها ذات يوم من المدرسة: “بالكاد يبدأ أطفالي أيامهم المعدودة في المدرسة حتى جاؤوني مهرولين، ومثيرين القلق والخوف فيّ، فاجأوني بسؤالهم غير المتوقع تماماً: “ماما هل صحيح أنك أميرة حقيقية، أرجوك أرجوك أخبرينا؟”! بماذا ينبغي الآن أن أجيبهم، لم أستطع إلا أن أضمهم إلى صدري بحزن. ويبدو أني قد أصبتهم بالعدوى، إذا أخذوا يبكون، وحتى الغداء لم يُسرِّ عنهم سريعاً” ص١٥٥

لحظة أخرى مؤثرة جداً ورمزيتها عميقة، وهي لحظة زيارة طاقم سفينة (المجيدي) الزنجبارية التي جاءت للصيانة في ألمانيا، وتلك السفينة فيما بعد غرقت مع طاقمها، لكن لنقرأ هذه المقتطفات المتتابعة من النص الذي تروي فيه الأميرة تلك الزيارة:

“ما إن تبادلنا السلام باللغة العربية حتى ارتمى الرجال جميعهم بين قدمي يقبلون الأرض تبجيلاً، وهم يبكون بحرارة! أريد أن أزعم غير الحقيقة أن عيني في هذه اللحظة لم تدمعا لهذا المشهد، لكن كيف يمكن لذلك أن يكون!.. كنت أرى في أولئك الناس شيئا واحداً فقط، هو أنهم من زنجبار، أعترف لك بكل صراحة أن وقع زيارة مئات من الرؤساء المتوجين الغرباء ليست بذلك الأثر في نفسي مثل ما لهذه الزيارة لهؤلاء الناس البسطاء” ص١٠٨

“هتف كثير منهم: سيدتي كيف تستطيعين العيش في بلد كهذا؟ نرجو منك أن تعودي معنا، فالجميع هناك يسأل عنك” هذه الكلمات حطمت قلبي، ولم أستطع إلا أن أهز رأسي للإجابة عن سؤالهم وبحزن قلت لهم: ليس بعد، ليس بعد” ص١١٠

“وكان يجب علي في كثير من الأحيان أن ألعب دور الصراف، لأنني مثلما يقولون لم أكن فقط سيدتهم بل بمكانة أبيهم وأمهم وأقاربهم في هامبورج، وبعض منهم كان يترجاني تقريباً كل يوم ويبقى بجانبي طول الوقت وكأنه حاضن أطفال، للعودة معاً إليكم.” ص١١١

نظرة أخيرة:

الكتاب رائع بحق، وهو جزء ثانٍ لكتاب مذكرات الأميرة العربية الذي حضي منذ نشره بالتقدير في كافة دول العالم، وهذا الجزء الثاني منه بنفس المستوى من ناحية القيمة التاريخية والقيمة الأدبية كذلك، فنحن أمام واحدة من أكثر السير الذاتية صدقاً ورهافةً ورفعة وحيوية، وتمنيت لو أن الكتاب أخذ من عنوان الجزء الأول الذي نشر في حياة الأميرة ليكون رسائل أميرة عربية، لكن كما يبدو أن السنين فعلت فعلها، لكن الكتاب يبقى أكثر الرسائل إلى الوطن صدقاً وقدرة تعبيرية قوية ودفاقة، وإذا كنا لم نستطع أن نعرف هوية الصديقة التي تبعث إليها الأميرة رسائلها فإننا نستطيع أن نجعلها رمزاً بالفعل للوطن البعيد.

تمنيت كذلك من المترجم الذي قام بجهد كبير وجميل في ترجمة هذا العمل إلى العربية، لو أنه التفت للأمثال التي توردها الأميرة والتي من الواضح أنها من مجموعة الأمثال العربية المتداولة شعبياً، وهو الخبير بالثقافة العمانية الشعبية لو أنه أعاد الأمثال لصورتها الأصلية كما في هذه الفقرة:

“كنت أضطر إلى خوض مناقشة طويلة حتى أؤكد لهم وجود جزيرتنا الحبيبة، وكنت أتساءل إن كان الناس قد صدقوني بعد هذا النقاش، وكنت أستحضر كثيراً المثل المعبر لدينا “من لا يعرفك قد لا يقدرك أيضاً” ص١٢٣

ولو أن المترجم أعاد الأمثال إلى صيغتها العربية الأصيلة في الترجمة كما في المثل أعلاه، لكان أبلغ وأقوى، فهذا المثل أعلاه بظني ليس إلا ترجمة مزدوجة للمثل المعروف الشهير: اللي ما يعرفك يجهلك.

لكن ذلك لا ينتقص من قيمة الجهد الكبير والرائع الذي بذله المترجم في نقل هذه الوثيقة الأدبية المميزة من لغتها الألمانية إلى العربية، ولا أظنني أخطئ في القول أن هذا الكتاب واحد من الكتب العمانية الأهم من بين ما نشر هذا العام.

 

قراءة إبراهيم سعيد

اترك تعليق