اللهب والمرايا وأجنحة طير الحياة

قراءة في رواية جوخة الحارثي نارنجة/ دار الآداب ٢٠١٦

شديدُ البُعدِ مِنْ شُربِ الشَّمُولِ تُرُنْجُ الهِندِ أو طَلعُ النَّخِيلِ

ولكِن كُلُّ شيءٍ فِيهِ طِيبٌ لدَيكَ مِنَ الدَّقِيقِ إلى الجَلِيلِ.

المتنبي

التبادل هو ما استقر في نفسي بعد قراءة النسيج الروائي المدهش الذي بنيت عليه رواية نارنجة، كل شيء في الرواية يتبادل موقعه مع آخر، ليست الشخصيات وحدها قابلة لذلك التبادل المرآوي بل الزمن الروائي أيضاً منعكس في المرآة، لا شك أن المرآة جزء أصيل من الرواية، وليس الاتجاه الزمني للرواية وحده بل أيضاً يحدث التبادل الرئيسي بين الماضي والحاضر.

يأتي صوت راوية نارنجة من بعيد جداً، مكانياً وزمانياً، لينصب مراياه في الحاضر بزاوية مناسبة يبدو فيها ذلك الماضي الذي تتحدث عنه، وترويه، للقارئ، ولن يشعر القارئ بوجود المرايا، ربما، إلا مع التوغل الهادئ، بين الراوية التي تروي بالتوالي لحظتها الراهنة في الغربة الدراسية، في مدينة غربية لا يتم تحديدها مباشرة وبوضوح، بل بمواربة يتضح للقارئ أنها في مكان ما في بريطانيا، وتروي ماضياً واحداً يتفرع إلى ماضيين أحدهما ماضي عائلتها الذي يدور حول ماضي الشخصية الرئيسية بنت عامر، التي يتفرع منها أكثر من ماضٍ بأكثر من اتجاه، ينبعث من قرية، عمانية شرقية، مواربة الإسم أيضاً لكن يمكن القول، مع الإبقاء على الشك، أنها القابل.

ربما تبدو تلك المرايا إجابة معقولة بالنسبة لي كقارئ على السؤال الموجه لتحفيز القارئ ص٦٦ ”لماذا جاءت الحكاية بالمقلوب؟” فلأن الحكاية مرآة جاءت الحكاية مقلوبة كأي انعكاس ضوئي في سطح مصقول كان لابد أن تنقلب الحكاية، والرواية.

ومن التبادلات/ الانعكاسات المعبرة عن ذكاء النص تبادل البداية والنهاية، إننا نرى منذ بداية الرواية، أو طفولة عمر الرواية الورقي، بنت عامر في أواخر عمرها، في مشاهد العمر المتقدم:

كانت تجلس وحسب، تشرب القهوة وحسب، .. وتقول كلمة أو جملة ما، وتشرب قهوتها، بلا إحالات، كأن اللحظة أبد، كأن الماضي لم يوجد قط. ص٢٠

يمتد زمن نارنجة الروائي باتجاهين، معاصرٍ تصاعديّ، وماضٍ عكسي مقلوب، في الزمن المعاصر نعيش تفاصيل رواية كحل وعمران وحبهما الباكستاني في الغرب، حيث يكون الحب من نصيب كحل، الأقل جمالاً من أختها سرور، في مثلث العلاقة بين زهور وسرور وكحل، ذلك المثلث الذي تتطور احداثه في خط الرواية تصاعدياً، يتناوب ويتبادل مع زمن الرواية الآخر، الماضي المعكوس، الذي تستعيد فيه زهور الراوية العمانية علاقتها مع جدتها بنت عامر، والتي سيتضح أنها ليست جدتها فعلا، بل جدة بديلة، تبادلت الدور مع صديقتها وهي الجدة الفعلية الثريا، في مثلث الخط العكسي لبنت عامر والثريا وسليمان، في مسارات التبادلات والتناوب.

رجال الرواية يبدون كعوارض أو كسواقٍ تحول مجرى الفلج وتختفي، حتى منصور إبن سلمان والثريا الذي تقوم عبره وفيه علاقة بنت عامر الأمومية، يبدو هو الآخر حاضراً من بعد، وإن كان أقرب من غيره نسبياً، خاصة مع حكاية عشقه الكافّي، الذي نتعرف عليه في نهاية الرواية، وأقل حضوراً من منصور الأب والابن يحضر سفيان الحفيد والأخ، وسلمان الجد والقريب، وعامر بن شريفه الأب القاسي والحبيب، وأخو بنت عامر الذي يتوفى مبكراً، وحده عمران زوج كحل في زواجهما السري في زمن الرواية المعاصر يبدو قريباً جداً أكثر من غيره، لكن رغم القرب يبقى عمران صامتاً، نظراته وحكايته تحضر لكن ليس هو نفسه، تحضر أشياؤه وقمصانه وأزرارها التي تدعي كحل أن الروح عالقة فيها.

أما نساء الرواية فمياه متدفقة، نساء نارنجه يبدين فيها كأفلاج جارية، هن الحدث الروائي الرئيس السيّال، لب الرواية يتدفق منهن وعبرهن، عبر حوادث حياتهن وهمومهن، خواطرهن الداخلية وآمالهن، من بنت عامر إلى الراوية زهور التي تشعر بالندم لاكتشافها المتأخر أنها خذلت جدتها الأثيرة، “لا تذهبوا” التي ترن آخر الليل في قاع جمجمتها كما تقول ص٦٣، إلى سمية الدينمو التي دخلت الصمت المطبق بعد حادثة مسفاة العبريين، في واحدة من أبرع الحكايات المؤثرة في خضم الرواية.

“عاد متوسلاً، هددها بإيذاء نفسه، صف الهدايا ونثر الورود من باب بيتنا حتى باب غرفتها، فذهبت معه، جعلها تدور حول ذاته كما تدور الأفلاك حول مركزها، ولم تنقض سنة واحدة حتى فقدت لقبها (سمية الدينمو) وأصبحت سمية فقط.” ص٧٥

نارنجه العنوان مستمد أساساً من شجرة النارنج التي زرعتها بنت عامر في بيت ليس بيتها، تستظل بظلها حتى أواخر حياتها، مع أن الشجرة فعلياً ليست ملكها، بل ملك غيرها، في تلك الحياة الوهبية للآخرين: “ماتت قبل أن يكون لها أي شيء تملكه على وجه البسيطة، كانت يدها خضراء فزرعت كل شجيرات الليمون والنارنج في حوش بيتنا، وكانت نارنجة بعينها هي الأحب إليها، لم تذبل أي شجرة زرعتها واعتنت بها، لكنه كان بيتنا وحوشنا وشجرنا، كانت تعيش معنا فقط، لا تملك البيت ولا الشجر ولا حتى نحن، فلم نكن أحفادها في الحقيقة.” ص٣١

لكن الحب كان ملكها وكانت تهبه للجميع كالحياة: “هل كان حب جدتي مشروطاً؟ إن حبها موجود ببساطة مثلما يوجد الهواء لأتنفس، ومبذول مثلما تبذل الشمس نورها لأرى الطريق، كان حبها مستحقاً ولم أكن مدينة لها، .. كنا نستحقها كما نستحق الحياة.” ص٦١

هكذا عاشت بنت عامر حياة عطاء وإنكار ذات، حياة بالنيابة، كالنارنجة نفسها الشجرة التي يصفها الشعراء بالتَّلهُب كما قال ابن المعتز: كأنما النارنج لما بَدَتْ صُفرَتُهُ فِي حُمْرَةٍ كاللَّهِيبْ/ وَجنَةُ مَعشُوقٍ رَأَى عَاشِقَاً فَاصْفَرَّ ثُمَّ احمَرَّ خَوفَ الرَّقِيب. تنسب إلى البرتقال كما في اسمها الإنجليزي Bitter Orang، فهي البرتقال اللاذع، وجاء في وصفات علاج مرارة النارنج أو كما يدعى لدينا ترنج أن يزرع تحتها زهرة وبالتحديد نرجس، إذاً لعل نارنجه العنوان ليست بعيدة المغزى عن هذه الحياة الانعكاسية التي تعاش بالتبادل، لكن ذلك لا يعني نسف الوجود أو الإطاحة به، إنها حياة بينية، في المابين، ما بين الحياة الأصلية للذات والحياة المستعارة، أو بالحياة الأصلية داخل الحياة المستعارة، وبالعكس رغبة في حياتين معاً، أي أكثر تركيزاً من حياة واحدة، هكذا كان حال بنت عامر بطلة الرواية الرئيسية كحال راويتها زهور، التماهي في الآخرين، في لهيب حياتهم، وربما لولا تلك الإنعكاسات ما كنا رأينا، كالمرآة التي لولاها ما رأينا أنفسنا.

تبادل زهور الراوية حالها، وإن لم يتطابق تماماً، مع حال بنت عامر، التي تبقى بلا إسم شخصي، زهور أيضاً تحكي لنا عن كل الشخصيات بإنكار ذات ظاهرياً، لكنه داخلياً تماهٍ ورغبة مفرطة، ربما، كما تطالعنا في غرام عمران الذي يتسرب من حديثها، كأنها تحل نفسها محل كحل، لكن بإنكار ذات، وفي ذلك الإنكار تكمن، وتوجد، كالمرآة في الحد البينيّ الفاصل، فالمرآة في المحصلة تحتاج الجدار، وفي الما بين توجد الراوية والرواية، ورغم أن زهور هي في محل بطلة الرواية، لكن سينتابك الشك دوماً فيمن هي البطلة بالضبط، أهي زهور أم بنت عامر؟ زهور وهي تحكي عن الأخرين تبادل بينهم وبينها، بين حياتها الشخصية وحياة الآخرين، بيوتهم وانشغالاتهم، حتى محاولة زهور الوحيدة للتنفيس عن نفسها والتخلص من حزنها أمام المستشار النفسي تتوقف بعد الجلسة الثالثة: “عم تحدثنا في الغرفة البيضاء، حين كنا نعالج الحزن؟ ربما قليلاً عن أمي وعن أبي، عن عمران وكحل، عن دراستي، عن فخ اللغة؟” ص٦٣

في تلك الجلسات النفسية لا تتكلم زهور عن ذاتها، بل عن الآخرين، ومن جلسات العلاج النفسي تلك ستنطلق زهور في الفصول التالية لتروي حكاية سمية الدينمو، أختها. إن فخَّ اللغة يبتلعها باستمرار. هكذا يورد النص إشارة دالة على لسان الراوية في ص٦٤: كنت في المصيدة أظن أن فأراً صغيراً سيقضم الشبكة حولي ذات يوم، ويحررني. أي فأر، أي قدر، كانت الشبكة تزداد إحكاماً وأنا أنتظر القضمة. قضمة الخلاص. لم أعرف بأني أنا الفأر، لما عرفت كانت أسناني كلها قد سقطت.

إنها حالة الراوية، الصوت والسرد الذي يشبه قضم الشبكة، والشبكة شبكة أقدار فعلية، صرير القلم صرير، سن القلم سنٌ أيضاً، إن الرواية الكبيرة مبنية أساساً بذلك السن وتلك الحركة التي تصدر صريراً، ذلك الجهد الصغير ينمو ويفك ويرسم شبكة جديدة. بل، وأيضاً، يفصح النص بجلاء عن ذلك التشابه الجثماني الفيزيائي الذي أشرنا إليه بين زهور وبنت عامر:

لم تكن جثتها تشبهها كانت تشبهني أنا. حين مددوا جثمانها وسط صالة بيتنا، رأيتني.  زحفت مبتعدة عنها، عني، عن جثتي الممدة لينوح عليها المحبون. ص٥٤

تقوم نارنجة ببعث عالم قديم من رماده، بالتلهب اللوني لا الحراري، في وسط حاضر يجري، متقداً، وبين الجريان والانبعاث يحصل القراء على عمل روائي مفارق ومفصلي، بفضل الفن الذي يصعد باللحظات العادية ويكثفها ليبلغ بها حالة أيقونية مضيئة ستغدو علامة أدبية متعارفاً عليها، تستعار للرمز بمجرد ذكرها، هكذا تنهض شخصيات نارنجة بتلهب طعم قوي ورائحة أقوى في زهور النارنج، لتعكس حياة قوية، وفي الأثر أن النارنج شجر لا يسقط ورقها كالنخلة. وفي شواهد تاج العروس: إن بُستَانَنَا نَارَنجَنا مَنْ جَنَى نارَنجَنَا نارَاً جَنَى.

“لاحقنا طير الحياة الهش، تشبثنا بجناحه حتى انتزع في قبضتنا، فلبسنا الريش، وشربنا الدم، قلنا “سنمضي”، رغم مزق الطير بين أصابعنا، رغم طعم دمه الحريف تحت ألسنتنا، قلنا: سنمضي. ثم انتظرنا أن يحلق طير الحياة بنا. ص١٠٦

إبراهيم سعيد

اترك تعليق