السيد رئيس التحرير

إبراهيم سعيد
إبراهيم سعيد

إلى إبراهيم المعمري 

ربما ليست هذه الحقبة عصراً وردياً للصحافة العربية في كل البلدان، لكن حين يتسيد الباطل أو يعم الخطأ فليس معنى ذلك أن نترك الحق ونتبع الباطل والخطأ، بل بالعكس، نتمسك بالحق أكثر، مدركين أن هذا هو الطريق الوحيد، مهما حدث، لأن اتباع الباطل والخطأ لن يقود إلا إلى الكارثة المحققة.

حين تنشر صحيفة ما خبر فضيحة تجد صدى واسعاً في المجتمع فإن السيناريو الطبيعي المتوقع هو أن تتحرك الأجهزة المعنية للتحقق من الخبر وتحديد إقامة المتورطين وتشكيل لجان تحقيق في الأمر، للبحث عن الثغرة التي أمكن استغلالها وسد تلك الثغرة تماماً كي لا يتكرر ذلك في المستقبل، وأن تجد تلك الصحيفة وصحفييها الحماية الكاملة والدعم ضد أية محاولة للتأثير أو الضغط عليهم بأي شكل من الأشكال، والسيناريو الطبيعي المتوقع أيضاً أن تنشط همة الصحفيين في بقية الصحف للبحث عن خبر جديد يتعلق بتلك الفضيحة من زاوية جديدة بحيث يترابط العمل الصحفي صفاً واحداً.

السيناريو الطبيعي المتوقع ذلك ينطلق أساساً من جعل البلاد وحفظ نظامها محوراً مركزياً تكون فيه مهمة النظام هي تحقيق العدالة الصرفة والتأكد من تطبيقها، وبالتالي حفظ البلاد من أية محاولات متنفذة للتلاعب بالنظام والقانون لتحقيق مصالح فئوية ومنافع فردية، فمهمة النظام الرئيسية هي حماية القانون والنظام العام من أي تلاعب ممكن. وذلك في حال حدوثه يعكس وعياً حقيقياً بالدور القضائي والإعلامي والصحفي، وبفعله، لا بقوله، يرتفع النظام والقانون عن أية شبهة تلاعب او اتهام ممكنة، والفضيحة التي نشرتها الصحيفة هي فرصة من ذهب على طبق من ذهب تقدم للجميع للتأكد من نزاهة لب النظام وإسقاط أية شبهة تثار حول القضاء والسلك القضائي. والنتيجة من بعد ذلك السيناريو المتوقع سينفي كل الشبهات تلقائياً وطبيعياً بدون ادعاء أو بيانات توضيحية، فحين يهب الجميع صفاً واحداً للقيام بالتحريات المناسبة والتحقيقات الصادقة فإن ذلك يعني انتفاء إمكانية الفساد.

السيناريو الغير متوقع بعد نشر الفضيحة هو ما حدث من هبة حملة البيانات لتكذيب تلك الصحيفة واتهامها بالتطاول وعرقلة القضاء والتشكيك في النزاهة، ثم أن يعتقل رئيس تحرير الصحيفة، ثم أن يجد العاملون في تلك الصحيفة أنفسهم تحت طائلة الاستدعاءات، ثم أن لا تستطيع الصحيفة نفسها أن تقول شيئاً آخر سوى أن ترفع راية بيضاء على صفحتها الأولى، كتلويحة استسلام. في نفس الوقت الذي يتكرر فيه الصراخ، رمزياً، من أكثر من جهة بالنفي وباتهام الجريدة بالكذب وبالتلفيق.

على مدى ما قارب أو تابع المرء الصحافة العمانية أو كتب فيها طوال عقود، لم أشعر بالفعالية الصحافية، ولا بأثر حضور للسلطة الرابعة كما تُدعى، إلا بشكل طفيف في مرتين، وفي كل مرة منهما كان اسم إبراهيم المعمري يبرز كأحد أبرز الصحفيين العمانيين في عصرنا المؤمنين بدور الصحافة، هو نفسه رئيس التحرير المحبوس اليوم بذمة قضية يبدو أنها تأخذ أبعاداً أكبر وأوسع وتتوزع أصداؤها في الآفاق، فلم أعرف على مسافة القرب والبعد من المشهد الصحفي العماني رئيس تحرير انتقل من رئاسة الصحيفة الحكومية الأولى إلى تأسيس وتكوين وإصدار صحيفة خاصة من العدم هي صحيفة الزمن على كثرة العقبات التي واجهتها الصحيفة والتي يعرفها أهلها أكثر، فالزمن وحدها من بين الصحف الأخرى الناطقة بالعربية هي التي عرفت القضايا المتعلقة بحرية الرأي والتعبير منذ زمن مبكر من عمرها الغض، وهي تبدو وحيدة في هذه المعركة الدونكيخوتية تصارع طواحين الهواء دون سند حقيقي، في مناخ يشي بانعدام إيمان مواز لدى المجتمع والسلطة بضرورة توسيع حرية التعبير في عمان، ناهيك بترويجات بعض الصحفيين الذين يحاولون تلميع صورة ذلك الموقف المعكوس فيتخلون ويبررون انعدام قيامهم وإيمانهم بمفهوم الصحافة الحقيقية ودورها التنويري في المجتمع، وكأن الجميع تخلى عن واجباته والتزاماته واكتفى بالكلام، ليتخلى عن اضطلاعه بمهمة الصحافة الحقيقية، كما يبدو أيضاً أن أغلب الصحف الباقية تلتزم القوالب الجامدة للجنائز والهدوء التام، فلا أصداء حقيقية لتنوع البلد ومكوناتها في صحافتنا إلا أصداء جهة واحدة هي أخبار الحكومة وخططها ومناقصاتها ومشاريعها وأنشطتها، وصفحة الأخبار المحلية لا تتجاوز هذه الحدود، إلا إذا شئنا إضافة التحقيقات السياحية عن البلد، والقليل من شكاوي بعض القطاعات.

في الحياة العامة لن تجد الصحفي، أغلب الفعاليات يتم تغطيتها بالهاتف، والمصور يزور الموقع أكثر من الصحفي نفسه، أما الصحفي فلن تجده في موقع الحدث، لا يمكن استدعاء الصحافي العماني إلا إلى مؤتمر حكومي أو إلى مؤتمر شركة كبيرة، أما الوجه الحيوي الذي يفترض بأية صحافة محلية أن تنقله عن البلد فهو وجه محنط، جامد، محدود، لا وجود لصحف محلية في المدن الأخرى بالمناطق تنقل أخبارها مع شدة الحاجة لذلك خاصة في عصر الحياة الحديثة، مثلما أن صحف المدينة الوحيدة وهي مسقط أكثر صمتاً وجموداً، ذلك أن بين الصحفي المتحمس ونقل أصداء الشارع إلى الجريدة جدار عالٍ بحراس وأسلاك شائكة ومحاكمات، حتى قانون النشر والصحافة الذي يفترض صدوره منذ أعوام لا زال يراوح أدراجه المجهولة، وهو القانون الذي لا يعلق الكثيرون عليه أملاً حقيقياً، لأن التجربة الماضية لا تبشر بذلك، ولا زال الصحفي العماني بلا ظهر قانوني يحميه، بل بالعكس هو عرضة دوماً لأي قضية وتوريط كلما فكر في تطبيق ما درسه عن التحقيق الصحفي، أو فكر بالتوغل في أعماق بلده، أو حاول محاورة أحشاء الأجهزة الحكومية وأدائها، أو الغوص في كواليس القطاع الخاص وكراجاته، للخروج بقضايا وأخبار مثيرة، أو الدخول إلى نوادي المجتمعات لنقل صورة الناس كما هم بأوهامهم وأحلامهم وأوهامهم ومشاكلهم والعراقيل التي تواجه أية حياة طبيعية في أي مكان من العالم، ولن تجد تحقيقاً إلا عندما تكون هناك جهة ما تحاول أن تشوه سمعة فئة أخرى، وبالعادة يتم التعامل مع أخبار الصحف حتى المثير نسبياً منها ببرود قاتل.

بلا شك طوال هذه العقود ولدت محاولات عدة جادة ومثابرة لإسقاط جدار برلين الصمت هذا، وكانت بيد صحفيين عدة، ومطبوعات مختلفة، حاولت على قلة الإمكانيات والتضييق والعداء المضمر أن تقارب هذه المدينة المحرمة، لكن كان مصيرها الإيقاف والإسكات بطريقة أو بأخرى، حتى صارت عبرة لبقية المطبوعات، هكذا أنهك الصحفيون والكتاب وتعبوا وهم في العراء يحاولون إقامة موازنة لا زالت مستحيلة بين ما يجب عليهم كصحفيين وما تريده السلطة منهم من قرار قارّ لا يتزحزح، إلى الدرجة التي جعلت أحد مخضرمي الصحافة والثقافة العمانية المعاصرين وهو الأستاذ أحمد الفلاحي يصرح مؤخراً في ندوة حول الشعر نشرتها مجلة نزوى في عددها الأخير بأن إعلامنا لا يمثلنا، وهو ما يعرفه يقيناً القاصي والداني، في نفس الوقت الذي يجوع المجتمع جوعاً لا مثيل له لذلك التمثيل، يظهر في كافة مناحي الحياة اليومية كلما كتبت صحيفة خارجية أو نشرت قناة شيئاً عن عمان، كما يظهر ذلك في التوجه الشبابي الجديد لنبش الموروث كما في أعمال فنية متنوعة معاصرة.

طوال تلك المسيرة ذهب صحفيون وجاء غيرهم، وخلال العقدين الأخيرين ظهر إبراهيم المعمري وهو الشاعر المعروف قبل ذلك، برئاسته لتحرير جريدة عمان أولاً والتي نقلها تحت رئاسته إلى مصاف جديدة على الصحافة العمانية لتعكس إيمانه الشخصي بدور الصحافة في أي مكان، لكن لم يدم الحال وأخرج من رئاسة تحرير الجريدة الحكومية الأولى، غير أن خروجه وإخراجه ذاك لم يثنه عن عزمه الأكيد ليقاتل من أجل ولادة جريدة جديدة هي جريدة الزمن التي ظلت تقاتل أحياناً من أجل مجرد البقاء، في مناخٍ معادٍ لتوجهها الصريح نحو توسيع حدود الصحافة العمانية، وهو الأمر الذي انعكس حتى على بقية الصحف التي تأثرت دون شك بالزمن وخطها المختلف، وتوجهها الصريح لخلق انعكاس وتمثيل لتيار الزمن العماني المعاصر، ورغم الإمكانيات الضئيلة والمقترة استطاعت الزمن على قصرها أن تحرك رواكد الصحافة العمانية، ما جعلها تصطدم أكثر من مرة بذلك السياج الشائك والجدار العالي، ولتقف أكثر من مرة في قفص الاتهام، وليسجن رئيس تحريرها أكثر من مرة، ويتضامن معها الكتاب العمانيون في أحدى أقسى التجارب التي خاضتها قبل عامين أو أكثر حين قضت المحكمة بإيقافها عن الصدور ونشرت عنوانها الكبير يومها: ملتزمون.

نحن بحاجة إلى الزمن لنتنفس، وجود الزمن هو تفاعل طبيعي مع خضم حياة حديثة، وحين تقف السلطة بكامل هيلمانها وقوتها أمام صحيفة كالزمن، وتخنق رئيس تحرير من طراز رفيع كإبراهيم المعمري بحبسه واعتقاله واحتجازه، فإن ذلك مؤشر سيئ، وليس حسناً بأي حال من الأحوال، لأنه يثبت صحة الخبر المنشور ولا ينفيه، وليس في سجن الصحفي ترتفع وتبنى نزاهة جهة ما، بل بالعكس قطعاً، وحين يخيم الصمت على شفاه بقية الصحف والإعلاميين بدلاً من الوقوف مع رئيس التحرير المحتجز اليوم فإن ذلك لا يصب في مصلحة البلاد العامة ولا في مصلحة الإعلام العماني وصحافته، فالدور الإعلامي جزء لا يتجزأ من حاجة وطنية، ولا يترعرع الإعلام في ظل السيطرة والقبضة والأدلجة والتحكم وتهديد السلامة الشخصية.

إنني أنحني احتراماً وتقديراً لمن في سبيل الحقيقة يجد نفسه في السجن.

 

إبراهيم سعيد 

اترك تعليق