السجون 2016

إلى حمود الشكيلي في سجنه

١. سجن قديم:

“وسمعت الشيخ سعود بن سليمان الكندي يقول: أمر الإمام (محمد بن عبدالله) باعتقال الشيخ إبراهيم بن سعيد العبري (الذي أصبح لاحقاً المفتي العام للسلطنة)، فحاول أن يمتنع، فأُجبرَ وقُيِّدَ في القلعة، فصار جماعته، وبنو سيف، يترددون عليه بمآكلهم وفُرشهم، وجلبوا إليه كُل راحة، لكن في رجله قيد، قال الشيخ سعود: فوصَّاني على الإمام أنِّي مُعتقل، فما معنى القيد؟ أو أنه يطلب إهانتي؟

قال فقلت للإمام ذلك، فقال: لو لم نطلب إهانتهُ ما قَيَّدناه، وقد أهان نفسه بنفسه.

والسبب في اعتقال الشيخ أن رجلاً هطّالياً قتل رجلاً وهيبياً خارج نزوى فطلبهُ الإمام، فالتجأ إلى الشيخ إبراهيم، فمنعه، وألحَّ الإمام في طلبه، فتلكأ، فطلب حضور الشيخ، فجاء ومعه خمسون عبريَّاً مسلحين، وربما في نفوسهم أمر، لكن إذا عزم أبو خليل (يعني الإمام الخليلي) على أمر، ذاب كل ما حال بينهُ وعزمه، فأمر له الإمام بالسجن، ولم يحاول أن يمتنع، ولا قومه أن يعارضوا، فامتثل ودخل السجن كما وصفنا.

ثم اجتمع أكابر العبريين، فطلبوا من الإمام الإفراج عنه، على أن يقربوا الهطالي، ويعزلوا الشيخ عن الزعامة، فأطلقه الإمام على هذا الوعد، لكن مع الأسف أنهم لم يفوا بما وَعدوا، حتى آلَ الأمر إلى أن يقوم عليهم الإمام بجيش، ومن تلك القضية خرج الشيخ إبراهيم إلى مسقط، وتولى القضاء عند حكامها.

ولما كان الشيخ إبراهيم في السجن، نظم أبياتاً أخبرني عنها الشيخ سعود، لكني لم أحفظ منها سوى هذين البيتين:

ما اجتمعَ اثنانِ سِوَى افتَرَقَا فَمَتَى يا قَيدُ تُفارِقُنِي/ ما بَينَكَ قَطُّ وبَينِي مِن نَسَبٍ فَعَلامَ تُعانِقُنِي

قلت ومن الصُّدَف أن الشيخ سعود يروي لي هذه الرواية وأنا وإيَّاهُ في سِجنِ سعيد بن تيمور في الجلالي، والقيود على أرجلنا، فَخَمَّستُ هذين البيتين:

فُوجِئتُ شِعَارَ القَهرِ رَقَى رِجلَيَّ فَقُلتُ وَقَد عَلِقَا/ والقَلبُ غَدَا مِنِّي قَلِقَاً مَا اجتَمعَ اثنَانِ سِوى افتَرَقَا/ فمَتَى يَا قَيدُ تُفَارِقُني؟/ طَوَّلتَ عَلَيَّ فَكُنتَ قَمِنْ بالفعلِ السُّوءِ وَسُوءِ الظَّنْ/ فإلَيكَ إليكَ فَلَستُ بِقِنْ مَا بَينَكَ قَطُّ وَبَينِي مِنْ/ نَسَبٍ فَعَلَامَ تُعَانِقُنِي.

 

ص١٦٨ اللؤلؤ الرطب للشيخ سعيد بن حمد الحارثي

٢. وجها السجن:

بوابة السجن دَوّارِية، ما بين خارجٍ وداخل، ما بين حاكم ومحكوم، ليس للسجنِ أنسابٌ ولا أقارب، لا يعرف السجن قريباً ولا أميراً ولا ملكاً ولا أليفاً، السجن عقاب بالعزل، يحول الجسد إلى ساعة رملية، يتسرب منها العمر الثمين بلا غرض ولا فائدة ولا غاية، السجن عزل السجين عن العالم في الفراغ العبثي، لا فائدة من عمر السجين ولا أثر له ولا حاجة في العالم إليه، تُعزل عن العالم بجدران، ويُعزل العالم عنك بنفس الجدران، حتى القائمون على سجنك، يتحولون إلى جدرانٍ بشرية، قطعاً من السجن نفسه.

السجَّان نفسه جدار من جدران السجن، بوابة حديدية، يستطيع السجان أن يكون نافذة ينقل لك شيئاً من مشهد العالم الخارجي، لكن كما أن لكل جدران السجن جهتين ووجهين، بما فيها السجَّان، وجهاً داخل السجن ووجهاً للخارج، وجه السجن الخارجي قد يطل على الحياة وشوارعها الحية وما يجري فيها، لكنه وجهٌ متجهم، بليد، مُطل على الخارج كي يُذكّر بأنَّ لهُ وَجهاً مُظلماً خلفه، يطل على الفضاء الرحب لكن لا يتواشج معه ولا يتعالق، جدار صامت، لن يعلق عليه أحدٌ لوحة فنية، ولن يرسم عليه فنان جدارية ما، كلاسيكية أو حتى معاصرة، كما على الجسور وجدران البيوت والأسيجة، جدار طارد، يتناساه من يعيشون حوله، يحاولون تجاهله دوماً، يحاولون نسيان غايته وهدفه في العالم. وإذا كان للعالم الأرضي آخر وأطراف وخارج فهي ممثلة خير تمثيل في سجون الأرض.

أما الوجه الثاني للسجن فهو الوجه الذي سيحاول السجين أن يُؤَنسِنَهُ، أن يُقاسمه ذاته، أن يلتصق فيه ليعطيه من حرارة روحه رغم برودته. الزنزانة باردة كثلاجة موتى، برودة الجدران التي تُذكّر بالموت، تبعث في السجين برودة الموت، ويحاول هو أن يشعل فيها نار الحياة، بإدراكه أنه ليس ميتاً وفي تلك المحاولة اليائسة يمضي الوقت، هل قلت يمضي؟ لا ليس التعبير مناسباً ففي السجن لا يمضي الزمن بل يقف.

في السجن تختفي خاصية السرعة من الزمن، في السجن تكتشف برهاناً  جديداً على صدق نظرية النسبية عن كون الزمن كمَّاً متأثراً بالظروف المحيطة به، وإلا كيف يتوقف الزمن؟ هذا الذي لا يوقفه شيء، يتمنى السجين في سجنه أن يغمض عينه ويفتحها فتكون مدة السجن قد انتهت، يحلم طوال الوقت بما سيفعله خارج السجن، يحاول أن يصنع نوعاً من التوازن الحي داخل السجن، لكن كيف يفعل ذلك من يكون في زنزانة فردية؟!

٣. سجن الإنتظار:

الزنزانة الفردية اختراع معاصر لعزل الإنسان، هناك نكتشف سبب كرهنا الفطري للإنتظار، لماذا نكره الإنتظار؟ لأن الزنزانة الفردية هي الإقامة في الانتظار، ترى في الانتظار وجهاً من وجوه السجن، أنت مقيدٌ هناك بالأمر الذي تنتظره، وفي السجن أنت مقيد بأن تنتظر كل شيء، كل شيء، تخيل أن تكون مكلفاً طوال يومك بانتظار كل شيء، أذنك تنتظر كل صوت، كل حركة أو خشخشة بالخطأ تؤولها إلى وصول، شيء كنت تنتظره ووصل، ثم تشكك في سمعك: أسمعت ذلك فعلاً أم توهمته، أذنك ترتقب خطوات السجان، حواسك تتحول إلى حواس انتظار، عينك جلدك كله ينتظر ويترقب، حتى تكتشف من جديد أن الزمن يلعب بك، كم نحن لعبة زمنية ولا نشعر بذلك، إلا في السجن، حين يقع قهر الزمن علينا.

كل حالة انتظار هي تجربة صغيرة لحالة السجن.

 

٤. سجن النفس:

في السجن تبدأ نفسك في التملص من فعلتها، تبحث عن مشاجب لتحمل ذنب سجنها، في الأعم الأغلب تتخلى عنك نفسك في السجن، يكثر البحث عن مبررات، تتركك نفسك تتحمل وزر السجن وحدك، حتى نفسك تتخلى عنك في أحلك الظروف، وهي التي لا تملك أن تهرب منك، لكنها تعزلك وتبدأ في تقريعك، مستعينة عليك بالضمير، النفس توقظ الضمير والعقل وحس الخوف الفطري والناقد القاسي الذي داخلك وتحاصرك بهم، ما الذي فعلته بنفسك؟ ما الذي فعلته بي؟ من نفسي ومن أنا؟ ألسنا واحداً لماذا إذاً أيتها النفس تتخلين عن السجين؟

٥. حرية داخل السجن:

بوقوف الزمن يخترع السجين زمناً بديلاً، وبالعزل عن الحياة يفتح السجين حياةً موازية، هي عودة عكسية في الذكريات، حين يُسجن السجين يدلف أخيراً لينبش في مخزن ذاكرته المهمل، يستعيد وجوه الناس وصورهم، هناك صور لها حجم ضخم هي صور الأحبة والأهل تحيط به، ويفكر فيهم، وقد ينزلق في القلق عليهم، ثم هناك حياة بطولها هي حياته السابقة، ينفض الغبار عن ذكرياتها، يتذكر أشياء لم يكن تذكرها من قبل، شيئاً فشيئا هناك يكتشف أن داخله شيئاً لا يزال حراً، شيء ما داخل السجين لكنه لم يسجن، إنه حر طليق، يستطيع أن يذهب حيث يشاء.

إن الحرية داخلنا ولا يمكن أن تستلب تماماً من الإنسان مهما طال سجنه، داخل السجين يقف الخيال فوق قمة الجبال والريح تعبث به كعلم خفاق يرفع راية الحرية، الخيال حر طليق، هكذا يبدأ السجين في ركوب خيول خياله وينطلق بها حيث شاء، ويصل في لمح البصر حيث يريد، ويرى بعين خياله كل شيء، يرتبط السجين بخياله، ويخفي سر حريته الدفين داخل  قلبه ويعيش به.

لكن الخيال ليس كالحقيقة، والحقيقة أنه سجين، في زنزانة انفرادية، يحلم ويحلم ويسافر بخياله وينهكه السفر، ويعود إلى زنزانته الانفرادية تلك، وكلما عاد يضيق صدره.

٦. ميزان السجن:

السجن الناجح هو السجن الذي يحول السجين إلى جزء من السجن، حين يتحول جسد السجين إلى سجن يكون السجن قد نجح في مهمته، حين يحطم السجين لعبة خياله ويستسلم لقدره يكون السجن قد حقق سيطرته الحقيقية على الإنسان، ويكون الجماد بدوره قد فاز على الكائن الحي، الصخرة انتصرت على الشجرة، الموت هزم الحياة، في ذات السجين، عندها يغدو السجين جماداً مطواعاً بيد السجن والسجَّان يفعلان به ما يشاءان، حين تتحطم المقاومة الفطرية في السجين يكون السجن قد انتصر نصره المؤزر. كلما اقترب السجين من ممارسة حياته كموت كلما اصبح السجن أقوى.

أما السجن الفاشل فهو السجن الذي لا يستطيع أن يستوعب السجين، حين يكون السجين أكبر من السجن يعجز السجن عن استيعابه يفشل السجن في المهمة التي أوجد من أجلها، تنتصر الحرية، ينتصر الخيال والحياة والفن على الصخرة والموت، تكسب الحياة جولة جديدة كلما عاش السجين الحياة في حلق الموت ليؤكد قدرة الحياة وانتصارها الصريح فيه، ويثبت الوجود في بحر العدمية.

نعم في المحصلة يذهب الشيء إلى الفناء، لكنه قبل أن يفنى يكون قد وجد، فهل يلغي الموت ذلك الوجود؟ هذا محل الخلاف القديم، لكن كيف يلغي الموت وجوداً له آثار حدوث شاهدة، تلك النقطة التي ترتكز عليها الحياة في حجتها، في ديالكتيك الحياة والموت يقف السجين كشعرة الميزان كل مرة يتحرك باتجاه الكفة الأثقل، رئتاه كفتا ميزان وكل مرة يتقلب على جهة.

٧. سجن الكبار:

السجناء الكبار يحيط بجسدهم السجن لكنها إحاطة القيد بالأطراف، يعجز أن يحتويهم، لأن ذكرهم في العالم أكبر، يحاول السجن أن يغطيهم ويلتهمهم في ظلامه ويخفيهم عن العالم ولكن حلقه صغير أمام أرواحهم المنيرة. سجناء من هذا النوع هم أكبر من السجن، يغدو السجن لهم كالمصيدة وهم سقطوا فيها سهواً وغفلة، ولأن المؤمن لا يلدغ من جحر مرتين فإنهم يعيدون التأكيد لأنفسهم أنهم لن يسقطوا من جديد في هذا الفخ، السجن نوع من الفخ، يطبق على الإنسان.

سجن عدد كبير من الأعلام العمانيين، من علماء وفقهاء بعضهم نجا من السجن وعزله وقيده وبعضهم قتل في السجن كما حدث مع الشيخ سعيد بن خلفان الخليلي جد الإمام محمد بن عبدالله الخليلي الذي سجن الشيخ إبراهيم بن سعيد العبري كما اقتبسنا الرواية أعلاه من الشيخ سعيد بن حمد الذي سجن بدوره. والقائمة طويلة جداً.

مع نهاية دولة اليعاربة قبل ما يقارب ٣٠٠ سنة سُجن سالم بن بجاد الغافري وهو أحد مثقفي وأعلام زمنه وكان والياً لسيف بن سلطان الثاني في إبرا وغيرها ولكنهُ سُجن ومات في مطمرة سجن بلعرب بن حمير اليعربي، ثم احتال الغافريون حتى قبضوا على بلعرب بن حمير نفسه وسجنوه لكنهم عادوا وأطلقوا سراحه للأحوال الواقعة في بداية تأسيس دولة البوسعيد التالية، بل وكان بلعرب بن حمير يقود الغوافر أنفسهم في معركته مع أحمد بن سعيد حيث لم يظفر بالنصر. السجن لعبة متاهات قديمة منذ أيام إيكاروس. لكن للرمز في القصة اليونانية القديمة دوره، حيث يصنع إيكاروس أجنحة داخل ذلك السجن ويحلق بها إلى الشمس والحرية.

في عصرنا الراهن صار السجن نوعاً من الحالة العامة التي يمكن أن تقع على كل من له علاقة بالكتابة، كما شهدنا في هذه الأعوام سجن عدد كبير من الكتاب العمانيين من كل حدب وصوب، منهم من عرفنا عنهم ومنهم من لم نعرف، حتى قلَّ بين الكتاب من لم يمر بتجربة السجن، وغدا السجن عنواناً زمنياً يكتب نفسه على ورق أجسادنا، كما نكتب نحن على جسده، لكننا نكتب بالحبر، وهو يكتب بالاقتصاص من الأعمار، نكتب نحن كلماتنا بالضوء، فيما يكتب هو بحرماننا من ضوء الشمس، نغمس نحن ريشتنا في الحبر، فيما يغمسنا هو بأجمعنا في الظلام، كي يكتب ما يريد كتابته، وبالقانون، بالسلطة، بالعدالة الأرضية المتاحة، حسب النظام والقانون، هكذا تخصصت السجون لتستقبل الكتاب من بين كائنات الأرض، ربما كي توصل إلى خبرتهم الكتابية والقرائية، تلك الرسالة التي لا تقدر على حملها الكلمات المعروفة.

 

إبراهيم سعيد – كاتب وشاعر عماني

اترك تعليق