١٠ رمضان .. ذكرى عبور خط بارليف وكسر شوكة الإحتلال

٢٠١٢٠٧٣٠-٢٢٢٣٢٣.jpg

في الساعة الثانية مساء في الـ10 من رمضان، الـ6 من أكتوبر لعام 1973 اليوم الذي يوافق عيد “الغفران” اليهودي، شن الجيش العربي الممثل بمصر وسوريا وفرق عربية أخرى هجوما مباغتا على الاحتلال الصهيوني، تمكنّ فيها من اختراق “خط بارليف ” -أعظم مانع عسكري في التاريخ- خلال ست ساعات فقط من بداية المعركة. و”بارليف” هو جدار رملي هائل أنشأه الاحتلال الصهيوني ليكون “حصنا منيعا” مزودا بمواقع للدبابات والمدافع، ويمتد حوالي 4 كيلومترات على طول قناة السويس.

بدأت حرب أكتوبر بقرار من أنور السادات وحافظ الأسد باستكمال مسيرة عبد الناصر واللجوء للحرب لاسترداد الأراضي العربية المحتلة التي خسرها العرب في حرب 67 ، وكانت الحرب بمجملها مفاجأة كبيرة وصاعقة مخيفة للجهاز الإسرائيلي.

تعد هذه الحرب أحد أهم الانتصارات التي حققها العرب بعد أن توالت عليهم الهزائم مع الجانب الصهيوني، ورمزا لوحدتهم العربية، كما أنها تدلل وبشكل واضح على أن مقدرة الإنسان وإرادته تفوق المقدرات العسكرية بكثير، فكيف بجيش هزم هزيمة بالغة في عتاده وجنوده في حرب 1967 أن يكون قادرا على بناء نفسه بهذا الزخم التكتيكي في ست سنوات فقط!

حرب استنزاف
تعود شرارة انطلاق معركة العبور إلى حرب الاستنزاف التي جابهت فيها مصر المنكسرة والمحطمة عسكريا بعد حرب 1967 قوات إسرائيلية مسلحة بأحدث الأسلحة الأمريكية. كان لابد من تكبيد إسرائيل أكبر قدر من الخسائر في الأفراد والمعدات لإقناعها بأنه لابد من دفع الثمن غاليا للبقاء في سيناء. وفي الوقت نفسه تزويد الجيش المصري عمليا ومعنويا للمعركة وإعادة بناء الثقة في نفوس المواطنيين العرب.
ولذلك أراد جمال عبدالناصر لحرب الاستنزاف أن تكون كسبا للوقت حتي يتمكن من استكمال إعادة بناء القوات المسلحة على أسس جديدة ومتطورة..

بدء الهجوم
قبل الهجوم بيومين فقط، أعطت مصر ممثلة بجيشها انطباعا خادعا لإسرائيل التي كانت تراقبها بأن هذا ليس سوى يوم آخر كل شيء فيه هاديء على الجبهة المصرية.

وفي الساعة 14:00 شن الجيش العربي هجومه على خط بارليف وكان أول المهاجمين هو سرب من 240 طائرة مقاتلة مصرية مقسمة إلى تشكيلات صغيرة الحجم التي انطلقت في سماء القناة علي ارتفاع منخفض وألقت بحمم قذائفها علي منشآت القيادة والاتصالات الاسرائليية المتمركزة داخل ووراء خط بارليف المحصن، وقامت بتحطيم هذه المراكز، مع ثلاثة مطارات حربية صغيرة ومراكز تجمع المدافع، وقلعة بودابست علي البحر الابيض في الشمال، وغيرها من الأهداف الاستراتيجية عالية القيمة.

لعبت المفاجأة دورا كبيرا في إيقاع الصدمة والترويع في صفوف الجنود الاسرائيليين، فقد كان البعض منهم قد غادر الجبهة في احتفالات بيوم الغفران، أو يوم كيبور، أحد أهم الاعياد اليهودية، كما كان هذا هو اليوم العاشر من رمضان، مما زاد من اطمئنان اسرائيل إلى عدم احتمال وقوع هجوم، فسقطت أسطورة “الجيش الذي لا يقهر” بسقوط خط بارليف.

اشتباكات على هضبة الجولان
في نفس التوقيت وحسب الاتفاق المسبق قام الجيش السوري بهجوم شامل في هضبة الجولان وشنت الطائرات السورية هجوما كبيرا على المواقع والتحصينات الإسرائيلية في عمق الجولان وهاجمت التجمعات العسكرية والدبابات وخطوط الإمداد وحقق الجيش السوري نجاحا كبيرا وحسب الخطة المعدة بحيث انكشفت أرض المعركة أمام القوات والدبابات السورية التي تقدمت عدة كيلو مترات في اليوم الأول من الحرب مما أربك وشتت الجيش الإسرائيلي الذي كان يتلقى الضربات في كل مكان من الجولان. تمكن الجيش السوري بعدها من رفع العلم السوري على الهضبة.

توحد العرب واستغلال ورقة النفط
في 19 أكتوبر طلب الرئيس الأمريكي نيكسون من الكونغرس اعتماد 2.2 مليار دولار في مساعدات عاجلة للاحتلال الصهيوني فأدى هذا إلى قيام كل من الجزائر والعراق والمملكة العربية السعودية وليبيا والإمارات العربية المتحدة ودول عربية أخرى لإعلان حظر على الصادرات النفطية إلى الولايات المتحدة، مما خلق أزمة طاقة في الولايات المتحدة الأمريكية، وشكل ضغطا كبيرا جدا على مساعداتها للاحتلال الصهيوني.

نهاية الحرب
انتهت الحرب بصدور القرار 338 من مجلس الأمن الدولي التابع للأمم المتحدة الذي يقضي بوقف جميع الأعمال الحربية بدءاً من يوم 22 أكتوبر عام 1973م.
وقبلت مصر بالقرار ونفذته في مساء نفس اليوم إلا أن القوات الإسرائيلية خرقت وقف إطلاق النار، فأصدر مجلس الأمن الدولي قرارا آخر يوم 23 أكتوبر يلزم جميع الأطراف بوقف إطلاق النار.

أما سوريا فلم تقبل بوقف إطلاق النار، وبدأت حرب جديدة أطلقت عليها اسم «حرب الاستنزاف» هدفها تأكيد صمود الجبهة السورية وزيادة الضغط على إسرائيل لإعادة باقي مرتفعات الجولان، واستمرت حربها مع إسرائيل مدة 82 يوماً. وتوقف القتال بعد أن تم التوصل إلى اتفاق لفصل القوات بين سوريا وإسرائيل، أخلت إسرائيل بموجبه مدنية القنيطرة وأجزاء من الأراضي التي احتلتها عام 1967.

أسلوب تمويهي
يعزى نجاح الجيش العربي في اختراق خط بارليف إلى مجموعة من الأسباب أهمها
الأسلوب المدهش والنجاح الباهر الذي حققه في عبوره لقناة السويس مما خلف صدمة وترويعا للجنود الاسرائيليين. يقول اللواء المتقاعد جمال محمد علي، قائد سلاح المهندسين المصري واصفا ما حدث لجريدة “الأهرام ويكلي”: “كان أمامنا مانعان هائلان، الأول هو المانع المائي الطبيعي لقناة السويس، ويعد أكبر مانع مائي تم عبوره في تاريخ الحروب ومانع آخر يقف من ورائه هو خط بارليف. وكان وزير الدفاع الاسرائيلي موشي ديان قد صرح أن الأمر سيحتاج إلى تضامن سلاح المهندسين الامريكي وسلاح المهندسين السوفييتي معا لاقتحام خط بارليف. كما أكد الخبراء السوفييت في ذلك الوقت بأنه لا يمكن تحقيق أي شيء في وجود خط بارليف سوى بقنبلة نووية!”

استخدم الجيش العربي تقنية بناء السد العالي في مصر الذي شارك فيه عدد كبير من ضباط الجيش آنذاك لتدمير الحواجز الرملية الطينية لخط بارليف. وتم شراء بضعة مئات من الطرمبات الهائلة بقوة مئة حصان الواحدة، تزن كل منها أكثر من مئتي كيلوغرام، من شركة ألمانية، وثم بتركيب الخراطيم عليها ووضعها علي قوارب تتحول طنا ونصف الطن لتعبر بها القناة لاقتحام خط بارليف.

ضربت هذه الحرب أروع الأمثلة في التعاون والتآلف الديني بين المسلمين والأقباط؛ فقد ضم الجيش الآلاف من المسلمين والأقباط، وتولى مهمة الهجوم المصري قام جيشان أساسيان هما الجيش الثاني الميداني بقيادة اللواء فؤاد عزيز غالي وهو قبطي (مسيحي) والجيش الثالث الميداني بقيادة اللواء أحمد بدوي وهو مسلم.

يرتكز السؤال حين نستذكر هذه الأحداث المهمة من التاريخ. فـ بعد هذا الانتصار الذي أدى إلى استعادة سيناء وإعادة الوحدة العربية هل ستتمكن مصر اليوم من تحقيق نصر في “عبور ثانية” لتأمين مستقبلها بعد ثورة الـ25 من يناير واختيار الشعب لرئيس منتخب لأول مرة في تاريخه؟

تقرير: رحمة الصوافية – البلد

1 تعليقك

Comments are closed.