“ومضة مدنية” : حرية الرأي

تستكمل صحيفة البلد نشر سلسلة مقالات ” ومضة مدنية ” للكاتب أحمد علي المخيني  المهتم بالشؤون السياسية وحقوق الإنسان والحوار، ومقاله الحالي جاء بعنوان ( حرية الرأي = الحق أحق أن يتبع  ) وينشر بعنوان ” حرية الرأي ” لضرورات الإختصار في العنوان.

استمرارا في تتبع مصطلحات مدنية واستجلاء معانيها وعلاقتها بأصولنا الإنسانية وعلاقتها الوطيدة بمراجعنا الإسلامية واستجابة لمشاغل مجتمعنا لابد وأن نتناول حرية الرأي والفكر والتعبير عنهما.

إن حرية الفكر لا تعني وجوب القبول بأي رأي مطروح أو فكرة معلنة فقط بمجرد أنها طرحت، وإنما تستدعي الحرية في التعبير عن الرأي أو الفكرة توقع مناظرة الفكرة بفكرة أخرى واستلزام مقارعة الحجة بالحجة ، وهاتان السبيلان ليستا من قبيل مصادرة الفكر، بل من قبيل تقليب الرأي وإعمال التفكير وحرية الفكر والتعبير للأطراف الأخرى التي تخالف الرأي والفكر المطروح. وعندما تتعدى ممارسة الحريات من مقارعة ومناظرة إلى شخصنة الأمور أو محاولة النيل من الأشخاص فهذه في رأيي هي مصادرة الفكر.  وأعني بالشخصنة هنا استهداف طرف لطرف أو أن طرفا ما ينطبع لديه أنه مستهدف شخصيا فينبري مدفوعا بغريزة حب البقاء والمحافظة على النوع إلى توظيف كل الوسائل لتقييد الطرف الآخر وتحييده.

*أحمد بن علي المخيني للتواصل مع الكاتب: jicfa@yahoo.com

وبدا لي مؤخرا أن حرية الرأي والتعبير عنه أصبحت مقيدة فقط لأنها تأتي بالغريب أو العجيب أو غير المألوف الذي لم تعتد عليه آذان  الناس، ولأنها تطلب منهم الخروج عن نمط التفكير التقليدي أو توظيف تلك الملكة العقلية التي أُودِعت الإنسان وجعلته مميِّزا مميًّزا عن أنواع الخلق المتناثرة على هذه البسيطة.  وما أشبه الليلة بحال النبي عليه (أفضل الصلاة والسلام) والخلفاء والأئمة المهديين والمصلحين والمفكرين من ثقافات العالم وشعوبها من بعدهم الذين واجهوا أشد أنواع التقريع والرفض فقط لأنهم مختلفين، إلا إن العالم المحيط بهم عندما توقف هنيهة ليسمع ويفكر ليقبل بسلام أو يرفض بسلام تغير مجرى الحياة، ومايزال الناس مختلفين.

وكما أسلفت سابقا فإن كلمة حرية لم ترد بالقرآن الكريم على هيئتها وإنما وردت بمعانيها وممارساتها، ومثلما أقرها القرآن وجعلها أساسا للإصلاح وبقاء الأمم أقرتها السنة النبوية الشريفة، ولا أدل على تأصيل حرية الرأي والتعبير عنه من مفهوم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر  الذي تُعدِّد السنة النبوية أنماط ممارسته بحسب معايير الاستطاعة التنفيذية أو التوجيهية أو المعنوية.  وكما يؤصل مفهوم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الحرية الفردية ويشجع عليها من منظور إطلاق صفارات الإنذار جاء التاريخ وسيرة الخلفاء والأئمة بأمر الحسبة لتؤصل للحرية مؤسسيا كرقابة متبادلة خاصة على الصعيد المهني التخصصي، وهذه بلا ريب ممارسة واقعية لحرية الرأي والتعبير عنه.

إن اهتمام الأوائل بأمر حرية الرأي والفكر والتعبير جاء عن قناعة وتجربة أدركتا أن بقاء الأمم وصلاحها واستدامة تطورها لا تتأتى إلا من خلال تمازج وتنافس الرأي والرأي الآخر ضمن قيود المصلحة العامة والاحترام المتبادل والابتعاد عن فرض الرأي وصولا إلى الرأي الأصوب أو الأنسب والأوفق.  وحرية الرأي والتعبير عنه أمر حيوي لا يمكن لأي من عناصر الدولة وأطرافها أن تنتقص منها لأن هذه الحرية تهيء استكمال كيان الفرد الفكري والإنساني واستقراره، كما تهيء ممارسته لمواطنته ومسؤوليته في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وأحسب انه ليس غائبا عن الكثير أنه بدون حرية الرأي والفكر والتعبير عنه لا يمكن للديموقراطية أو الشوراقراطية أن توجد على أرض الواقع.

إن حريات الرأي والفكر والتعبير متشابكة ومتكاملة ومتعاضدة فيما بينها وهي أساسية لممارسة الحريات المدنية الأخرى، وأمر قيامها جميعا وإحيائها في رأيي ليس مرتبطا بثقافة عربية أو ثقافة غربية بعينها وإنما يرتبط بتوافر أمور لا تقل عنها أهمية إلا أن أبرزها إدراك متطلبات تحقيق إنسانية الفرد الموجبة للمساواة والمعاملة بالمثل، وتمكين موصلات العدل بدرجاته ومجالاته، والعدل كما قال أرسطوطاليس  وأيده الفارابي هو “صلاح العالم”.



* باحث مستقل مهتم بالشئون السياسية وحقوق الإنسان والحوار  jicfa@yahoo.com