“ومضة مدنية”: المدنية لا تساوي اللادينية

تستمر صحيفة البلد في نشر سلسلة مقالات ” ومضة مدنية ” للكاتب أحمد علي المخيني  المهتم بالشؤون السياسية وحقوق الإنسان والحوار.

كثيرا ما نتداول كلمة المدني والمدنية دون أن يحدد الكثير منا ما يقصده بذلك ، أو أننا نفترض معنى قد نجد منه غضاضة أو تحفظا، ولذا ارتأيت أنه من المناسب أن أتطرق هنا إلى ما يعنيه هذا المصطلح من وجهة نظري وهي قابلة للتصويب.

إن كلمة المدنية تنسب إلى المدينة وهي مشتقة منها، والمجتمع المدني هو المجتمع الذي يتجاوز صالح الأسرة والقبيلة والقرية إلى صالح المدينة أو الدولة، والفكر المدني هو الفكر الذي يتجاوز مصدره مرجعية واحدة سواء أكانت دينية أم سياسية إلى مرجعية متعددة وفق منهجية عقلانية (علما وعملا) موضوعية ومحددة في أغلب الأحيان.  غير أنه من الأهمية بمكان أيضا ملاحظة الأصل المشترك لكلمتي الدين والمدينة ، وهو الحروف د-ي-ن التي تعني من جملة ما تعنيه المحاسبة والمسؤولية والنظام ؛ فكما تدين تدان، والكيس من دان نفسه أي حاسبها وراقبها، ومدينتا كلمة آرامية تعني القانون والنظام،  وبيت الدين في العبرانية القديمة هو بيت المحكمة أو محل الفصل في المنازعات.

*أحمد بن علي المخيني.  للتواصل: jicfa@yahoo.com

ولذا فمن حيث الأصل اللغوي لا تعني المدنية نسخ الدين ، بل على العكس هناك قواسم مشتركة بين المفهومين، ومن الناحية الواقعية فلنا في صحيفة المدينة خير مثال التي جعلت من مسلمي المدينة ومؤمنيها ويهوديها ومشركيها أمة واحدة أي شعبا واحدا كأنموذج من الممارسة العملية للمدنية أو الدولة المدنية.  وإنما ينبع وجه الشقاق والاختلاف أن الدينية تعتمد مصدرا معرفيا واحدا فقط أو أساسيا في حين تعتمد المدنية على توليفة من المصادر المعرفية.

وعلى الرغم أن مصطلح الدولة كمفهوم سياسي لا يرد في القرآن الكريم بشكل مباشر بمعناه الاصطلاحي المتعارف عليه ، إلا أن السنة النبوية الشريفة من خلال دستور أو صحيفة المدينة أوضحت أن النبي الكريم صلوات الله وسلامه عليه لم ير غضاضة في إيجاد وثيقة – بجانب القرآن الكريم – تحتضن مفاصل النظام السياسي للدولة الجديدة التي أراد لها أن تتجاوز العصبية القبلية وعصبية الجاهلية.

 وفي هذه الحادثة رأى النبي الكريم صلى الله عليه وسلم أن دولة المدينة تقتضي إتاحة الحريات الدينية والتجارية والثقافية والتعاون بين جميع أفرادها الذين أصبحوا شعبا متعدد الأعراق والديانات والاهتمامات ولكنه متوحد في المصالح والمعايش.

والمدنية مرحلة متطورة من العمران والتنمية الإنسانية نتجاوز فيها عصبية العرق إلى عصبية المدينة أو الدولة أو الوطن. ومن هنا تأتي الدولة المدنية كتجسد لدولة المدينة المعروفة بتعددية أعراقها وأديانها وأنشطتها وخصائصها، ومن بيئتنا العمانية هناك نماذج شاهدة ، فالقصبات التاريخية كبهلى والرستاق ومنح ونزوى وصور وصحار توضح كيف استطاع العمانيون الأول مع تطور العمران والاقتصاد أن ينشئوا عوالم متوازية في شكل حارات أو حلات أعطت لكل من الأعراق والديانات والقبائل التي وفدت حرية واسعة في القيام بأمرها الخاص والتعاون فيما بين أعضائها وتقوية الأواصر بينهم ، وفي ذات الوقت تم تقييد هذه الحرية بعدم تداخل الشأن الخاص مع العام، ملزمة هذه العوالم أو الحارات أو الحلات بالتعاون مع بعضها البعض بغض النظر عن اختلاف عرقها أو لونها أودينها أو مكانتها الاجتماعية حينما يمس الأمر المدينة ككل. وما استنباط لجان الفلج والحامية والسوق على نفس النهج المدني.

من الأهمية الخلوص إلى أن المدنية تعني – من بين جملة أشياء – احترام الآخر والاعتراف به ومنحه فرصة العيش بحرية وسلام وأمان دون تدخل أو إرهاب ما دام أن شأنه الخاص لا يؤثر على العام، كما أنها قبل كل شيء تعني سيادة القانون التي تحمي قيم الحرية والمساواة والعدالة والكرامة وبها جميعا يحيا الإنسان إنسانا أينما كان.


* باحث مستقل مهتم بالشئون السياسية وحقوق الإنسان والحوار