“ومضات مدنية “: فصل السلطات

٢٠١٢١١١٠-٠٨٠٥٣٥.jpg

أحمد بن علي بن محمد المخيني*

فصل السلطات = كما تدين تدان + لا ضرر ولا ضرار

“كما تدين تدان” عبارة مأثورة وصادقة في تراثنا الفكري الإسلامي، وعلى القدر التي تطالعنا به يوميا مقاصدها وتجسداتها إلا أننا كثيرا ما نصر على إسقاطها في أطر ضيقة جدا في حدود المجال الشخصي ، ويغيب عن خلد الكثيرين أن تطبيقاتها الوطنية والمؤسسية (الرسمية منها وغير الرسمية) أبلغ لسياقها ومعناها وأوفى لقائلها.

وإذ نقبل على ترسيخ دولة المؤسسات (وهي إحدى أنماط الدولة المدنية) تتجلى قاعدة “كما تدين تدان” في مبدأ فصل السلطات ؛ فهو موصل إلى عزل المؤسسات عن الأشخاص روحا وتنفذا، ومؤسس للرقابة المتبادلة بين هذه المؤسسات والسلطات ، وميسر لمحاسبتها من قبل الأمة أو الشعب، ومدعاة إلى الرقابة الذاتية بالإضافة إلى الرقابة المؤسسية والقانونية مما يتيح البيئة المناسبة لتقليل فرص ما يعرف بالانحراف الإداري وسوء استغلال السلطة ، سواء أكانت سلطة تشريعية أم تنفيذية أم قضائية ، أو في المجالات الإدارية أو المالية أوغيرها من المجالات.

وفي تجسيد هذه العبارة الجزلة “كما تدين تدان” تبرز ضرورات قيمية وإجرائية ، متضافرة لا يمكن لأحدهما أن تنفك عن الأخرى. اما من حيث الضرورات القيمية فمن ألمعها الاعتقاد جزما بالمساواة والمعاملة بالمثل والإنصاف ، أما الضرورات الإجرائية فمن ألمعها المشاركة والمحاسبة والشفافية واللامركزية.

ومن اللافت للنظر أن مبدأ فصل السلطات ، وهو مبدأ جوهري في الدولة المدنية كما هو في نماذج من الحكم الإسلامي، يجمع إلى جانب قاعدة “كما تدين تدان” قاعدة “لا ضرر ولا ضرار”، والكلمتان “ضرر” و”ضرار” وردتا نكرتين في سياق نفي مما يفيد الاستغراق والعموم، وأعني بهذا نفي جميع أنواع الضرر وفي جميع مراحله: قبل وقوعه، وعند توقع حدوثه، وعند شروع حدوثه، وتوفر الدواعي لذلك. وإن كان منع الضرر غير ممكن فعلينا التقليل منه والحد من فداحة أثره.

ولربما يظهر جليا أن تطبيق هذه القاعدة الحية والحيوية يتطلب إجراءات و تدابير وقائية يكون من شأنها منع الضرر جملة، أو تضييق إمكانات حدوثه؛ كإيجاد عقوبات رادعة أو أحكام مشجعة ، أو تحديد شروط بيئية ، أو تخصيص موارد للخدمات الاجتماعية ، أو تيسير الإبلاغ عن ممارسات استغلال السلطة.

بالجمع بين هذه الضرورات القيمية والإجرائية يصبح فصل السلطات ودولة المؤسسات حقيقة واقعة وليس خطابا إنشائيا فحسب. إن هذا بطبيعة الحال يستدعي تحديد المسؤوليات وجهاتها ، والاختصاصات ومستوياتها، والصلاحيات وأوجهها وتباعا الحد من تأثير وحدانية السلطة على الشعوب ومستقبل تنميتها واستدامتها ، وهذا هو أس فصل السلطات.

* باحث مستقل مهتم بالشئون السياسية وحقوق الإنسان والحوار jicfa@yahoo.com

1 تعليقك

Comments are closed.