“ومضات مدنية”: المساواة تعني السيادة

تستكمل البلد حصريا سلسلة مقالات ” ومضات مدنية” التي يكتبها الباحث أحمد المخيني المهتم بشؤون حقوق الإنسان والمجتمع المدني. وهذه المرة حول المساواة كقيمة ودلالة مجتمعية.

من أكثر المعاني المدنية التي ما انفكت أبدا تستوقفني مليا بعظمة دلالتها وعمقها: المساواة؛ وذلك لأنها تنطلق من الأصل المشترك للإنسان ووحدة منشئه وتركيبته بدون الإخلال باختلاف ظروفه وتعدد ثقافاته، ومما يشدني إليها اطرادا محوريتها الواضحة بلا جدال في منظومة القيم الإسلامية ، مما يدفعني إلى الإيمان حقا بأن ثقافة الإسلام تتماهى وثقافة الإنسان حيث يتقاطعا أساسا في المساواة والعدل والكرامة والحرية ولو اختلفت مكانة هذه القيم واولويتها بين الثقافتين. ومما يذهل أيضا تشابه معيار التفاضل في الثقافتين الإسلامية والإنسانية ألا وهو التقوى (الأمانة والرقابة الذاتية) والعمل الصالح (الكفاءة والجودة)، وفي حين ترتكز الثقافة الإسلامية على الوازع الروحاني والرادع الأخروي ترتكز الثقافة الإنسانية أساساعلى وازع قيمي (فردي أو اجتماعي) يرتبط بقيم المواطنة الصالحة (سواء أكانت مواطنة عالمية أو وطنية أو محلية) كما تعتمد على رادع القانون وما اشترطه الإنسان على نفسه في عقده الاجتماعي مع نظرائه ومعايشيه.

وترتبط المساواة بالسيادة في أكثر من موضع، أهمها موضعان: الأول أن منشأ الشر في العالم هو الأنا وتعظيمها فوق الباقين بما يسعى إلى تغييب المساواة وتعبيد رقاب الناس وإذلالهم إمعانا في تأليه أنا البعض، وهذه هي السبيل التي اتبعتها الأقوام والحضارات الغابرة في تقوية عصبية وولاءات دون أخرى وإثراء فئة دون أخرى، وهي وإن أدت إلى تمكين الملك والنفوذ لفترة إلا أن ذلك لا يدوم طويلا ، وليس غريبا أن نرى جميع رسائل الإصلاح الديني والفكري والاجتماعي تبدأ أولا بالإلماع إلى غياب هذه المساواة وبكسر هذه الأغلال والدعوة إلى أنسنة الأنا بدل تأليهها، وتحقيق المساواة بين الجميع.

أما الموضع الثاني الذي تتقاطع فيه المساواة بالسيادة فهو تعاضد المساواة بالحرية والكرامة اللتين ترتبطان بالمسؤولية والالتزام، والحرية والكرامة ترتبطان بالإنسان وجودا وخلقا لا هبة من قانون أو نظام، وبذا فإن حرية الإنسان أصلية سامية تسود على جميع الدساتير والقوانين، والأمر الطبيعي أن تسود حرية الإنسان وكرامته بما يفضي إلى التعامل مع جميع البشر على أساس المساواة ولا يمكن لقانون أن يمايز بينهم في الحقوق والواجبات أو أن يمنح بعضهم معاملة خاصة أمام القضاء دون غيرهم لمجرد أنهم ينتمون إلى نوع أو فئة أو مجموعة دون غيرها. إن المساواة في الحرية والكرامة تتوافق مع الطبيعة التي خُلق على نهجها الإنسان وتهيئ قدرا من الطمأنينة والسكينة والأمان، وبذا فإن المساواة توجد بشرا (مواطنين) راضين مطمئنين مقبلين على تحمل مسؤولياتهم وأداء واجباتهم والدفاع عن أوطانهم وحقوقهم لأنهم أدركوا أن الجميع سواسية وأن القانون يحميهم جميعا، أما إن كان القانون والنظام لا يتعامل بأسلوب متكافئ مع الجميع فذلك سيؤدي لا محالة إلى تفكك الأواصر والهياكل الاجتماعية.

إن المساواة بين الجميع تعني أن كلا منا سيد نفسه شاء الآخر أو أبى، وحتى نحقق الرضا المجتمعي والتوافق النظامي المؤسسي نحتاج إلى تنازلنا عن بعض سيادتنا لأنفسنا مقابل عائد أفضل من الرفاهية والأمان والعدالة والاطمئنان ، ولكن إن لم تتأت هذه النتائج فسرعان ما سيسترجع الأفراد سيادتهم ظانين أنما الإشكال في غياب المساواة مرسلين رسالات على أنهم لم يعودوا مستعدين للتشارك في تحمل المسؤولية عما يحدث، وبذا ينفرط العقد.

من هنا حرصت فكرة الدولة المدنية بتجلياتها القديمة والحديثة على المساواة بين أعضاء مجتمعها وتجسيد هذه المساواة في سيادة القانون والنظام على الجميع مهما اختلفت أنواعهم وأعراقهم ومذاهبهم الفكرية وعقائدهم ومستوياتهم التعليمية والمادية وألسنتهم، فهم جميعا نظراء متساوون في البشرية.

* باحث مستقل مهتم بالشئون السياسية وحقوق الإنسان والحوار jicfa@yahoo.com