” ومضات مدنية ” : المحاسبة المتبادلة

أحمد بن علي بن محمد المخيني*

تستند الدولة المدنية على قيمة المحاسبة المتبادلة، وهي قيمة مشتركة مع القواعد القيمية الحاكمة في الإسلام.  والمحاسبة المتبادلة تعني حقوقا وواجبات متبادلة ، بمعنى أنه لا يمكن أن يستقيم أمر الدولة قبل استقامة هذه الحقوق والواجبات بينها ومواطنيها؛ فالدولة أحيانا صاحبة حق وأحيانا عليها واجبات، وكذلك المواطنين نساء ورجالا هم أحيانا أصحاب حقوق وأحيانا هم مؤدو واجبات ، وهذه الأدوار المتبادلة تتغير بحسب السياقات، فلا يمكن للدولة أن تكون صاحبة حقوق على الدوام وبالمثل لا يمكن أن يكون عليها تأدية واجبات على الدوام، وكذلك المواطنين نساء ورجالا ، أفرادا ومؤسسات.

ولعل الداعي إلى هذا الحديث هو العلاقة الطردية بين المحاسبة المتبادلة وحماية الأنظمة من الانحراف وبطبيعة الحال الدولة من الانفلات والتحلل. إلا أن هذه المحاسبة المتبادلة لا يمكن أن تتم من تلقاء ذاتها أو في فراغ دون اتصال بما حولها ما لم يكن هناك من يشجعها ويكفل لها أسباب النجاح، فإذا أحست الحكومات أنها أوفت بجميع التزاماتها لم تستنكف أن تعرض نفسها للمحاسبة ، وكذلك يجب أن يعي المواطن (مؤسسات وأفرادا) بواجبه في المحاسبة (أو النصيحة) بدل أن يترك الأمر  ليصل إلى حد اللامبالاة أو الدفع إلى الهاوية (أو ما يتعارف عليه محليا “ادهي به”) ، وللمواطن (مؤسسات وأفرادا ، نساء ورجالا) ليقوم بذلك أن يطالب بالأمن والأمان، وله أن يصل إلى المعلومات التي تهيئه للحسبة والمحاسبة.  إلا أن ديدن الحكومات غير المنتخبة – خاصة في المستويات الدنيا من الأجهزة التنفيذية – هو الانتفاض ضد هذه المحاسبة ، وافتراض أن على الجميع تقديم قرابين الشكر وواجبات الطاعة مفضلة أن ينخر الفساد والامتعاض جسدها على تستمع بألم إلى الانتقاد دون توصيف أنه بناء أو غير بناء، فالعبرة من التعبير عن الرأي أن نجتهد فنخطئ أو نصيب، ولنا في حكمة الآباء درس عظيم : “كف صفعني نفعني وكف ضحك لي فدعني (أو خدعني)”.

إن الأمن الإنساني بمحوريه : التحرر من الخوف و التحرر من الحاجة هو أس الاستقرار وملاك أمره ، والأمن الإنساني في ذاته غاية ووسيلة، فبه يستطيع الإنسان أن يتصالح مع دواخل نفسه ووطنيته ومحيطه دون تنازع، وأن يدرك الإنسان ذاته دون قلق من فقر أو مرض أو وجل من المجتمع المحيط به، وأن يحس الإنسان أنه آمن في شخصه وفكره ومعيشته ، وبذا ينطلق بحرية نحو التعبير عن مكنوناته والإبداع والابتكار والعمران دون أن يخشى الخطأ، متيقنا أن الخطأ سنة بشرية مرتبطة بالعمل، فمن لا يعمل لا يخطيء.  والأمن الإنساني – بجانب الإحساس بالحرية من الخوف والحاجة – يستدعي أن يدرك المواطن أن هناك دوما من سيكون بجانبه ويأخذ بيده ؛ فإما ينصره مظلوما أو يمسك يديه عن الظلم، وهذا أمر إن لم تحققه الأسرة أو الأصدقاء أو المدرسة أو العمل فيجب على الحكومة أن تعمل على توفيره من خلال إدماج الأمن الإنساني في جميع خططها التنموية وفي شرائعها.

إن الأمن الإنساني ليس ترفا أو تفضلا بل أمر حيوي لاستقرار أمر الدولة ونظام الحكم، ولذا لا يمكن أن ينظر إليه أنه ذو اتجاه  واحد بل على الجميع بما في ذلك المستفيدين أن يدركوا حقهم في التمتع بمثل هذا الأمن والاستفادة من البنى القائمة على توفيره والمطالبة ببنى إضافية، كما عليهم أن يتوقفوا عن الاستفادة من هذه البنى متى ما وصلوا إلى بر الأمان ولم يعودوا بحاجة إليها، حتى يستطيع آخرون الاستفادة من الفرص المتاحة. وهنا يكون نطاق المحاسبة أيضا فيما بين جملة المستفيدين لا بينهم وبين الحكومة فحسب.

إنما جعلت الحكومات لتأخذ من القوي للضعيف لتمنعه وتسد جوعه وفقره ، وتكفل له حريته وأمنه وحرمة مسكنه ، وتحقق إنسانيته بعلم أو حرفة أو مهارة، فإذا ما أوفت الحكومات بجميع هذه الحقوق صار لها أن تتقاضى واجبات الشكر والطاعة من المواطنين، وصار لها أن تعاقب بصرامة بالقدر الذي يحافظ على متطلبات الأمن الإنساني والعيش الكريم.  أما إذا أخفقت الحكومات عن الوفاء بهذه الحقوق أصبح لزاما عليها أن تتوقع من الجميع محاسبتها ، وعليها أن تنتظر أن تتلقى واجبات النقد والرفض بدل واجبات الشكر والطاعة ، وعليها ألا تلبس هذا النقد والرفض ثياب الجحود ؛ فليس هناك من نعمة تجزى أوفضل يؤتى.



* باحث مستقل مهتم بالشئون السياسية وحقوق الإنسان والحوار  jicfa@yahoo.com