ومضات مدنية: الحرية.. لا إكراه

٢٠١٢٠٩٠٧-١٥١٩٤٧.jpg

أرمي في هذه الومضات إلى تحرير بعض المصطلحات والمفاهيم من حملها التاريخي والأيدولوجي الثقيل وتقديمها في إطار يتسق ومجتمعنا المحيط، ومن أول هذه المصطلحات والمفاهيم ”الحرية”، فبينما لم يتناولها النص القرآني تصريحا فقد تناولها في مظاهرها ، ومن أبرزها الحرية الدينية وعلى شاكلتها الحرية السياسية والفكرية والشخصية. ويأتي موضوع الحرية على رأس مقومات المدنية فكرا ودولة لأنها تضفي على الإنسان صفة المواطنة والرغبة في المشاركة والبناء وفق مرئياته الخاصة، كما أن ممارسة الحرية تجعل الفرد يشعر بإنسانيته.
أعلن القرآن الحرية قيمة مطلقة في أعظم قرار يتناوله الإنسان (ألا وهو العقيدة). وضُبطت الحرية في الخطاب القرآني بأمور ثلاثة: أولها البحث لتبين الجانب السليم والرشيد والجوانب الأخرى من خلال السعي وراء المعرفة وطَرْق المناقشة والحوار مع جميع الأطراف حتى أبعدهم عنا طريقة وفكرا ، وثاني هذه الأمور المسئولية من خلال تحمل نتيجة القرار الشخصي من وراء هذه الحرية ، أما الأمر الثالث فهو المعاملة بالمثل، فقد يذهب أحدنا من فرط قناعته برأيه إلى تسفيه الرأي الثاني أو نقضه أو السعي حثيثا لاجتثاثه، ومن أول واجبات الواحد تجاه الآخر أن يستمع إلى حجته وأن يعطيه حقه من التعبير عن رأيه مهما كان مختلفا وأن يحترمه إن شاء الآخر أن يحترم رأيه.
وقد يسأل سائل كيف يمكن أن نتناول مصطلحات ومفاهيم مدنية من خلال الخطاب القرآني؟ وأقول أن المدنية لا تعني اللادينية ، ولذا فإن الاعتقاد بأن المدنية تعني نقض الأديان أو نسفها أو إبعادها مهلك بالضرورة نظرا لأن الدين ما يزال يشكل عنصرا هاما في الهوية والعقل عند العديد من مجتمعاتنا ، فالحرية والمدنية إنما تعنيان اعتماد مرجعيات متعددة تثري الخطاب البشري والحوار الإنساني لما فيه صالح البشرية جمعاء.
الحرية بأشكالها وأنماطها إذا ليست مفهوما مستوردا ، وإنما هو مفهوم ممارس ، وله شواهد في تاريخنا الإسلامي والعربي، ناهيك عن أن الحرية مرتبطة وجودا بذات الإنسان ودوره في عمران الأرض.

*ومضات مدنية: سلسلة مقالات للكاتب والباحث بشؤون حقوق الإنسان والمجتمع المدني أحمد بن علي المخيني.