” ومضات مدنية ” : التعددية

٢٠١٢١١٢٤-١٦٣٣٤٦.jpg

أحمد بن علي بن محمد المخيني*

التعددية = اختلاف = تخصص= أمانة = رحمة

كثيرا ما نسمع أن نظام الإدارة وصنع القرار في الإسلام (بمعنى آخر نظام الحكم السياسي الإسلامي) يعتمد على التوافق والإجماع كمقصد لعمليات التشاور والتناصح، وأن في الإصرار على التوافق والإجماع تماسك وتجانس لأواصر المجتمع والأمة، وفي الحقيقة أن الإرث الفكري الإسلامي والتاريخ السياسي في المنطقة وإن أظهر هذا البعد في آليات اتخاذ القرارات العامة إلا أنه أظهر بنفس القدر أبعادا أخرى لهذه الآلية تختص بالرأي المقدم أو الرأي المعمول به أخيرا ضمن إطار التشاور (أو الشورى) الذي يعد جذريا وأساسيا في إدارة الشؤون العامة، ومن هذه الأبعاد على وجه الخصوص : التخصص ، والأمانة والرحمة (أو الرفق).

فبالنسبة للتخصص وهي ما أسميها التقانة ، فهي خاصية تمس الإتقان والشمولية من جملة جوانب تتعلق بالرأي المشار به ؛ وأقصد بالإتقان الإلمام بالحديث من العلوم وتطوراتها ذات الصلة ، وأن يكون الرأي مقدما من شخص أو مؤسسة عالمة بمجال الرأي المتبادل أو سياق تطبيقاته المزمعة ، وأن تكون قد أولت هذا الجانب أو الموضوع حقه من التقليب والإعمال وفق منهجية واضحة وثابتة. وأقصد بالشمولية هنا أن يكون مقدم الرأي (مؤسسة أو فردا) خبيرا بالتجارب البشرية المشابهة لسياق الموضوع المطروح وأن يكون قادرا على مقارنة هذه التجارب واستنباط المفيد لسياقنا المحلي ، ومن الأهمية بمكان ألا يكون هذا الاستنباط مرتبطا بحالة الاستشارة الراهنة فحسب بل يجب أن يكون ديدنا مستمرا يرسخ في الفرد أو المؤسسة علما وعمقا يتوافقان مع خاصيتي الأمانة والرحمة.

أما الأمانة فهي شرط ضروري لمصداقية الرأي وتوظيفه في اتخاذ القرار، فإذا ما سلبت الأمانة العلمية والأخلاقية من مقدمي الرأي – وبالتالي من الرأي ذاته – لم يعد لذلك الرأي دور في صنع القرار بما يهم أمر الشعب والأمة، بل على العكس وجب رفض هذا الرأي لافثقاره لهذه الخاصية الأساسية. وأزعم أنه سيكون من الصعب التحقق من هذا الشرط دون وجود إجراءات تنضح بالشفافية في كل موقع وموضع، ودون وجود مراكز ومؤسسات تقوم على توفير الرأي المخلص والأمين الذي يتسم بالطرح العملي المنهجي المحايد البعيد عن المقاصد والأهواء الشخصية والذي لا يستنكف عن إقرار الآراء المخالفة والاعتراف بها متى ما رأى ذلك أحق وأوفى للأمانة.

أما الرحمة فهي نتاج العدالة التي هي المقصد الحقيقي للقانون سواء أكان قانونا إلهيا أو طبيعيا، وبدون العدالة لا يستقيم أمر الشعب ، وكذا فهي صمام الأمان. ولا يخفى علينا أيضا أن العدل هو روح الشريعة الإسلامية التي من أوائل قواعدها أن الدين جاء لسعادة البشر فكله جلب للمصالح ودرء للمفاسد. والعدالة موصلة للرحمة من خلال الإنصاف واتباع الإجراءات العدلية السليمة التي تجسد الرفق بالإنسان في جميع أوضاعه وظروفه انطلاقا من كرامته التي أودعها إياه الله.

إن نظام الإدارة وصنع القرار في الدولة المدنية يعتمد على الاختلاف واستظهار الآراء المتفاوتة وإن اختلفت عن الرأي السائد أو المشهور، فالحق أحق أن يتبع. بمعنى آخر أن صنع القرار في العملية المدنية يعتمد على التعددية وليس بالضرورة التضاد، والاختلاف لا يعني بطبيعة الحال أن هناك طريقا صحيحة والباقي خطأ، وإنما يعني أن هناك جملة من الطرائق الصحيحة إلا أن إحداها أوفق من الأخرى في الوصول إلى المقصد بإحسان وعدل حسب الشروط والظروف والأحوال، وتعدد الآراء المعمول به في السياسة المدنية ينبثق أساسا من تعددية المعرفة البشرية التي ترتبط في تكوينها وتوالدها بالعلم المتاح للفرد والمجتمع (سواء أكان ذلك العلم موهوبا أو مكتسبا) وظروف إتيان ذلك العلم وفهمه تطبيقه وتكييفه ثقافيا. وانطلاقا من وحدة الجنس البشري أصلا ومعادا، وتعدد ظروفه الزمانية والمكانية تتعدد المعرفة التي ينبغي النهل منها والاعتماد عليها في صنع قرار يفي بمتطلبات الإنسان في مختلف الظروف الآنية القائمة والعاجلة المستشرفة.

ومن بين أوجه التماس بين الدولة المدنية ونظام الحكم في الإسلام أن الأخير يرى في الشريعة الإسلامية ومصادرها المصادر الوحيدة أو الأساسية للتشريع والتقنين وسياسة الأمور، في حين ترى الأولى (الدولة المدنية) في الشريعة الإسلامية ومصادرها مصدرا من بين مصادر التشريع والتقنين وسياسة الأمور الأخرى، وذلك انطلاقا من أن نظام الحكم ليس من الأصول الدينية وأن السياسة لا دين لها ويجب حماية الدين من استغلال السياسة له، ولذا تصبح الدولة المدنية أوفق في رعاية حق ممارسة الدين وتجسيده على أرض الواقع لمن أراد أن يتدين.

وفي حين أن الدولة المدنية تلتقي مع القاعدة القيمية في الإسلام في حيوية التعددية ومحورية استظهار الرأي والاجتهاد، من حيث أن الإسلام يرى في التعددية سبيل الرشد والرحمة والخير ولا يرى في وحدانية الرأي للرشد سبيلا، ولذا شرعن الإسلام تعددية مصادر الأحكام حسب تراتبية معرفية (ابستمولوجية) وموضوعية واختصاصية، وكذلك هي الدولة المدنية التي ترى أن في التعددية سبيلا للرشد والصلاح وطريقا موصلة لتمثيل الشعب والأمة بمختلف معارف شرائحه وأعراقه ومعتقداتها وتوجهاتها وإشراكها بما يكفل حكما رشيدا عادلا سليما.

* باحث مستقل مهتم بالشئون السياسية وحقوق الإنسان والحوار jicfa@yahoo.com