هل تغير شيء؟

أطرح التساؤل الذي يجر وراءه تساؤلات عديدة، بعد أكثر من عام من الأحداث التي انطلقت في فبراير 2011، تلك الأحداث التي أطلقت صرخة عالية في سماء الوطن، وبأن هناك خلل واضح قد يدمر الغد العماني بأكمله

ومنذ أن سقط الغملاسي في المظاهرات التي اجتاحت مدينة صحار؛ لم تعد عمان هي عمان قبل ذلك بيوم! تغيرت أسماء وزارية وذهبت أسماء خال المواطن أنها من الثبات بحيث يصعب أن يوجد لها بديل في عمان، وظن الكثيرون أن تلك الأسماء هي كجلد الإنسان لا يمكن أن تتغير، وإن تنقلت من وزارة إلى أخرى!

ومنذ ذلك التغيير الوزاري الذي أجراه السلطان والبلاد تعيش مرحلة أخرى من اكتشاف الذات، اكتشاف الوطن من قبل أبنائه، اكتشاف عمان الجديدة كما يحلو للبعض أن يسميها، إيمانا منه بأن عمان تغيرت، وبأن هذا التغير لم يكن ليحدث لو لم تخرج تلك الأسماء التي حلت مكانها أسماء جديدة يراهن البعض على أنها أسماء أكثر نزاهة، وأكثر بعدا عن تصنيف القبيلة والوجاهة والبعد الأمني، وحتى “الشللي” على اعتبار أن من يأتي للحكومة وزيرا فيما قبل الأحداث كان ينظر إليه على اعتبار أنه واحد من المحسوبين على ذراع حكومي معين

ذلك التفكير تحطم فجأة واحدة، وخاصة مع خروج من كان ينظر إليهم على أنهم أسسوا لوبيات داخل الحكومة.

لكن هل تغير شيء من ذلك الوقت؟

الصورة الظاهرية تقول بأنه نعم، تغير كثير في بلادنا، ولم تعد عمان كما كانت من قبل، وعليك أن ترى شاشة التلفاز كي تعرف حجم التغير الحاصل، وأن تنصت للمذياع وتقرأ الصحف فتوقن بأن عمان لم تعد كما كانت

بل اذهب إلى مجلس الشورى حيث الأعضاء الذين يريدون استجواب وزيرة لتسرب امتحان فقط، أو محاسبة وزير على وجود مستشفى في عرض الوادي!

كل ذلك سيدلك على أن عمان باتت بلادا آخر غير الذي كانته قبل ما حدث في فبراير من عام 2011، ذلك الشهر الذي شهد تنحي رئيس أكبر بلد عربي تحت وقع أقدام المتظاهرين والمطالبين بالرحيل والمحاكمة.

وإذا كان المصريون والتوانسة والليبيون يعيشون التغيير والتحولات المتعددة، فإن عمان أيضا كان لها نصيبها الوافر من هذا التغيير.

هكذا سيقرأ أحدهم المشهد العماني، ويقول بأن هناك تغيرا كبيرا حدث في البلاد، وبأننا نعيش مرحلة جديدة علينا أن نستثمرها بشكل جيد، حتى تعود علينا بالفائدة.

لكن هل يمكن لي أن أصدق بأن هناك تغييرا فعليا؟ تغييرا قد حصل؟ تغييرا قد يفيد المستقبل؟ قد يفيد الجيل اللاحق؟ قد يمنع من حدوث ما حدث في فبراير؟ فلا تراق دماء أحدهم، ولا تشل قطاعات بأكملها لأن البلاد في حالة “اعتصامية”

واقعيا، يمكن القول بأن تغييرا عميقا حدث، ولكنه حدث في الحكومة، ولم يحدث في الأفراد، في المجتمع، بل على عكس الظن من أن التغيير كان إيجابيا، أقولها بملء فيّ بأنه كان يذهب إلى مناطق السلب، وهذا ليس انتقاصا من القيمة التي قدمها الشباب فعليا، الشباب الذين انطلقوا في صحار وصور وصلالة ومسقط ومناطق أخرى معبرين عن رفضهم لسياسات معينة كانت سائدة، رافضين مبدأ الأبوة الصارم الذي يحرمهم حقهم الطبيعي في التعبير وإبداء الرفض لبعض ما كان يمارس تجاههم لسنوات، دون مراعاة إلى التغير الحاصل في الزمن، دون مراعاة إلى أن الوقت لم يعد هو ذاته الذي كان يعيشه جيل النهضة، فهذا الجيل الجديد لا يشعر بأي امتنان لما حدث في السبعين، بل يرى أنه حق وواجب، حق في أن تكون عمان بلدا كبقية بلدان العالم، متطورة ومتقدمة وتنعم بالرخاء، وواجب يقدمه “الأباء” لأبنائهم، والحكومة لشعبها، مؤمنين بأن زمن المعجزات قد انتهى منذ قرون، وبأن العصر الذي يعيشون فيه ليس عصر تصديق أنه من الصعوبة بمكان شق جبل أو إقامة بناء، بل يستغربون تلك النبرة التي تقول لهم: كل هذا كان صعبا، ولم يكن بالإمكان إقامته!

هكذا رفض هؤلاء الشباب هذه النبرة، فكان خروجهم إلى الشوارع معتصمين ومطالبين بالتغيير الفعلي، وقدم كثير منهم نماذج رائعة ينبغي شكرها في كيفية التعاطي السياسي مع أحداث كهذه، فكانوا منظمين بشكل جيد، وكانت ساحات اعتصامهم أماكن يتعرفون من خلالها إلى أنفسهم ويتعلمون وعيهم القيمي والسياسي الذي غيب لسنوات طوال.

لكن هؤلاء القلة الذين جلسوا في تلك الساحات هم ليسوا كل المجتمع، بل إن الصورة التي رسمت عنهم في أثناء تلك الأحداث وفيما بعدها بأنهم مجموعة من العاطلين والخارجين على النظام، سواء كان ذلك النظام هو أسرهم وأباؤهم، أو كان هو الحكومة بذاتها. (لنلاحظ النبرة الأبوية التي ما زالت تدار بها الأحداث لدينا في عمان)

ولذلك أقول بأن التغير لم يكن متجها نحو الإيجاب، بل كان ينحو إلى السلبية، وأبسط ما يمكن قوله في هذا الشأن هو أننا فعليا اكتشفنا فقاعة البطالة التي يعيشها المجتمع، إذ سرعان ما طفى إلى السطح ضرورة استقدام العمالة الأجنبية لأن العاملين في القطاع الخاص استقالوا! استقالوا لتوفر فرصة وظيفية في الحكومة سيما في أجهزة الشرطة والجيش، ليتحطم بذلك مشروع رائد في المنطقة، وهو التعمين (طبعا فإن الإجراءات التي كانت تقوم بها الحكومة فعليا لم تكن مجدية، وكانت فكرة التعمين ناقصة، لأنها اختارت فئات وظيفية معينة تطالب فيها بالتعمين، إضافة إلى فشلها الواضح في النظام التربوي، الذي افرز عاطلين كثرا و”جهالا” لا مكان لهم في الوظائف العليا في القطاع الخاص)

وليذهب أي واحد الآن إلى أي مركز تجاري ليشاهد كيف أن العمالة الوافدة تكاثرت فجأة لأن العمالة الوطنية فضلت الراتب الحكومي

ألم تتساءل الحكومة يوما كيف يمكن أن يشكل التوظيف الذي أعلنت عنه فجأة عبئا يثقل كاهل البلد فيما بعد؟ أم أنه حل مؤقت ليرضى الناس والثائرون؟ ولماذا نحل مشكلة بصنع مشكلة أخرى؟ سؤال يؤكد أن التغيير لم يكن إيجابيا تماما، وبأن مثالبه ستطفو لاحقا على السطح، إن لم يكن اليوم فموعنا الغد، إن الغد لقريب!

من الأمثلة الأخرى تطل التربية والتعليم، وليذهب أحد منا إلى أي معلم من المعلمين في بلادنا وهم كثر ولنسأله عن مدى رضاه عما تقوم به الوزيرة الجديدة، وهل ستصلح الأخطاء؟ الجواب الأكثر حضورا: ليس هناك ما تغير، وهذه الوزيرة لا تعرف ماذا تفعل، وووو.. حالة من الانهزام، والنقمة الواضحة على من يفترض فيهم أنهم حجر زاوية مهم في المجتمع، ويرون أن التغيرات الجديدة لابد أن تأتي اليوم، وكأن الوزيرة عليها أن تحمل عصا سحرية تضرب بها الأرض فتتفجر خيرا وفيرا لهؤلاء المدرسين

فهل كان التغيير إيجابيا مع فئة المدرسين؟ هل أفادهم التغيير الحاصل الآن في وزارة التربية والتعليم؟ أم أنهم يصرون على أن مطالبهم لم تستجب حتى اللحظة، وبأن كل ما يحدث ما هو إلا فقاعة ستنفجر آجلا أم عاجلا؟

وهي ستنفجر في أي لحظة، ستنفجر لأن أحدا لا يريد أن يساعد الطرف الآخر، المجتمع يرى في الحكومة بأنها شر لابد منه، والحكومة تريد تهدئة الشارع كله، تريد كسب الناس كلهم، تريد أن تغلق الدفتر القديم وبأي شكل من الأشكال، حتى لو من خلال حلول سيتضح بعد حين بأنها غير مجدية

حتى الإعلام الذي قيل إن تغيرا كبيرا حصل فيه، لا يمكنني أن أقول إلا أن ذلك التغير ما هو إلا قشرة خارجية، ولي أن أسوق مثالا بسيطا حول من يتسمون بالصحفيين كانوا يعيشون الخوف من أي كلمة يكتبونها، ويصادرون أي كلمة قد تضعهم في مواقف هم في غنى عنها، يتغنون اليوم بزم الحرية، وكأن بلادنا كانت بلادا قمعية، تجلد أي واحد يقول رأيه

إنني طوال سنوات من الكتابة في الصحافة العمانية، كنت أعرف ما يريده المحرر، وأدرك ما الخط الذي ينبغي أن أتوقف عنده، فكانت تنشر مقالات عدها البعض بأنها قمة في الجرأة ولم يعرف بأن المناخ كان صحيا وبأن الصحافة لم تكن منغلقة تماما، ولكن عندما تولى الأمر من يخاف على مصالحه، من يخاف على مركزه، كانت الكلمة التي يمكن أن توصم بالعادية التي لا تثير ولا حتى جملة واحدة من قبل القارئ العادي، مصيبة، وخطرا محدقا على ذلك الصحفي!

هل يمكن لأمثال هؤلاء ممن يعتاشون على الصحافة أن يكونوا قادرين على إحداث الفرق في اللغة الإعلامية؟

أكاد أشك

بل أكاد أجزم بأن مفهوم التغيير الإعلامي سيكون سيئا لأنه لا ينبع من مهنية، أو من عقلية تفهم أبعاد أحداث ألمت بالوطن، وبأنهم مطالبون بأن يكونوا أفرادا فاعلين في هذه المهنة قبل غيرها، وفاعليتهم تستلزم عليهم أن يكونوا مهنيين لا أبواقا تغني في الأمس للوهم، وعندما ذهب الوهم باتت تصنع وهمها الخاص

لكني سأتمسك بقشة التفاؤل، وأطالب نفسي بأن تكون عملية تساهم في إحداث الفرق، وهذا ما ينبغي على كل واحد منا اليوم، حتى تعبر البلاد النفق، وحتى تأمن الأجيال المقبلة الوقوع في الفخ.

هلال البادي

تواصل مع الكاتب