هل تشكل مؤسسات المجتمع المدني في السلطنة خطرا على الدولة؟

برز قطاع مؤسسات المجتمع المدني في السلطنة في السنوات الأخيرة كأحد أبرز القطاعات المكملة في بناء الدولة، وأصبحت تلك المؤسسات جهات مهمة لإثراء الساحة ثقافيا واجتماعيا وأدبيا، وفنيا، وساهمت محليا في بث فكرة العمل التطوعي والمشاركة الجماعية في صناعة القرار. حيث تبلور عمل هذه المؤسسات “تنظيميا” في عام 2000 بعد صدور قانون الجمعيات الأهلية بالمرسوم السلطاني رقم 14/2000م وعلى أثره تتابع تأسيس العديد من الجمعيات والمؤسسات الأهلية.. 

البلد في هذا الإستطلاع الصحفي تطرح عدد من الأسئلة على المسؤولين والمشتغلين في مؤسسات المجتمع المدني. هل تقوم مؤسسات المجتمع العماني بدورها الحقيقي في بناء الدولة الحديثة؟ وما شكل العلاقة التي تربطها بالحكومة؟ وهل يشكل عملها المستقل خطرا على الدولة واستقرارها؟ وما هو الدور الذي يجب أن تلعبه مستقبلا؟ 

 

مظاهرات 2011 طالبت بدور أكبر لمؤسسات المجتمع المدني في السلطنة

 

حراك جديد وضبابي
الدكتور محمد العريمي رئيس الجمعية العمانية للكتاب والأدباء يعتقد أن الحراك المدني في السلطنة بشكل خاص والوطن العربي بشكل عام هو “حراك جديد” ، وهو ما ولّد “عدم الفهم من كلا الأطراف وضبابية في المشهد وعدم ثقة” على حد تعبيره.

محمد العريمي- رئيس جمعية الكتاب والأدباء

لكنه يؤكد أن تجاوز هذا الأمر يحتاج لفترة من الزمن قد تصل إلى عقد أو عقدين، موضحا أن الدول الأوربية لم تصل إلى هذا النضوج في العمل المدني إلا بعد مخاض طويل شابته الضبابية بقوله: “ذاك المخاض الذي مرت به دول أوربية حتى وصلت إلى وضوح شامل في عمل مؤسساتها المدنية، هو نفس المخاض الذي تمر به السلطنة حاليا رغم أن هنالك ضبابية في بعض القوانين التي تنظم العمل المدني ، وستكون هنالك – خلال الفترة القادمة- اجتهادات من الدولة أو المشرع العماني لتوضيح الكثير من هذه القوانين”.

 

 

 

تجربة حديثة

الدكتور عوض باقوير- رئيس جمعية الصحفيين العمانية فيشير إلى حداثة تجربة مؤسسات المجتمع المدني في السلطنة بقوله: “لا زالت المؤسسات حديثة كمثل جمعية الصحفيين العمانية وهي من الجمعيات المهنية المهمة التي لم يتعدى عمرها سبع سنين وهذا وقت يعد قصيرا إذا تمت المقارنة مع دول العالم المختلفة وحتى مع دول عربية”.

عوض باقوير- رئيس جمعية الصحفيين

لذلك يرى باقوير أن تقييم مؤسسات المجتمع المدني في ظل حداثتها قد لا يكون دقيقا مؤكدا رغم ذلك أن بعض تلك المؤسسات قد أصبح لها “حضور واضح من خلال الفعاليات والأنشطة والاندماج مع شرائح المجتمع المختلفة”
وعبر باقوير عن تفاؤله بالمرحلة القادمة قائلا:” المرحله القادمة سوف تشهد تبلورا أكثر وضوحا لدور مؤسسات المجتمع المدني مع تطور التشريعات والقوانين وأيضا وجود الدعم المالي والذي يعد أحد المحركات لتحفيز عملها ومن هنا فإن السمة الحديثة للدول هو وجود مجتمع مدني نشط يتكامل مع دور الحكومة والقطاع الخاص”

إثراء المجتمع
أما عبير مسؤولة العلاقات العامة بالجمعية العمانية لمكافحة السرطانفترى أن مؤسسات المجتمع المدني وبالأخص الجمعية العمانية لمكافحة السرطان تلعب دورا رئيسيا في إثراء المجتمع وتعتبر حصول الجمعية على جائزة السلطان قابوس للعمل التطوعي بعد أن قامت بإنشاء الوحدة المتنقلة لفحص السرطان دليلا على ذلك، كما تؤكد أن المجتمع أصبح على وعي تام بأهمية الأعمال التطوعية فهي تعد المتطوعين “السند” الذي تقوم عليه الجمعية. وتعتبر عبير أن دعم القطاع الخاص، الداعم الأساسي للجمعية بشكل خاص ومؤسسات المجتمع المدني بشكل عام مثل شركة تنمية نفط عمان، ومجموعة محسن حيدر درويش ، بخلاف الدعم الحكومي الذي تعده “نادرا جدا” من قبل وزارة التنمية الاجتماعية.

تفاؤل
أما سعيد الهاشمي- كاتب فيقول أنه متفائل بشأن مؤسسات المجتمع المدني في السلطنة بالرغم من “التحديات الكبيرة والعميقة التي تواجهها اجتماعيا وسياسيا وقانونيا واقتصادياً” –على حد تعبيره- ، مشيرا أن المجتمعات بطبيعتها تتطور وتصطحب خبراتها المتراكمة لتبني عليها نموذجها المناسب في البناء والتعمير المادي وغير المادي.

ويضيف قائلا: “في الوقت الراهن سعت مؤسسات مدنية عدة في بلادنا لأن تشغل الفراغ الكبير الحاصل بين العائلة، بإعتبارها الوحدة الأساسية التي ينهض عليها البنيان الاجتماعي والنظام القيمي في المجتمع ، والدولة ومؤسساتها وأجهزتها من ناحية أخرى. نعم، ليس بقدر الطموح المرتجى، لكنه يستحق الاحترام ذاك الجهد الذي تقوم به بعض هذه المؤسسات مدفوعة بوعي متقدم لأعضائها وبحرص وطني واضح على تعزيز حقوق وواجبات المواطن السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية في حدها الأدنى على الأقل”

تعاون كبير
وحول شكل العلاقة بين مؤسسات المجتمع المدني بالدولة العمانية، يرى الدكتور العريمي أن هنالك “تعاونا ملموسا وكبيرا” بين المؤسسات وخاصة الجمعية العمانية للكتاب والأدباء ووزارة الثقافة، ووزارة التنمية الاجتماعية، والقطاع الخاص معللا ذلك بوجود هدف واحد “يتعلق برفع اسم عمان في الداخل والخارج”
لكنه – في الوقت ذاته – يركز على وجود ” لبس في بعض الأمور التي تحتاج لوقت لتوضيحها” مستدلا بالأحداث الأخيرة التي شهدتها السلطنة من اعتصامات ومحاكمات بتهم “الإعابة” و “التجمهر” التي تؤكد على “وجود لبس بين الأطراف وعدم معرفة كل طرف بالدور الذي يجب أن يقوم به” على حد وصفه

علاقة ضعيفة
يخالفه في الرأي الدكتور باقوير حيث يرى أن علاقة مؤسسات المجتمع المدني بالدولة العمانية لا تزال علاقة “ضعيفة” معللا ذلك بـ “غياب الاستراتيجية والرؤى الواضحة والتي تجعل من تعاون تلك المؤسسات واقعا نعيشه”.
ويشير باقوير إلى أن عمل تلك المؤسسات لا يزال منفصلا ومشتتا عن بعضه البعض مستندا في نظره على أسباب منها “حداثة التجربة وقلة الإمكانات ومحاولات كل جمعية أن تظهر بشكل قوي” داعيا إلى إقامة مؤتمر يجمع مؤسسات المجتمع المدني بقوله: ” ندعو إلى إقامة مؤتمر أو ندوة لتدارس القضايا والتحديات التي تواجه المجتمع المدني حتى تؤدي تلك المؤسسات دورها على الوجه الأكمل”

ركن أساسي للدولة الحديثة
مؤسسات المجتمع المدني تعتبر “من أهم الأركان الأساسية التي تقوم عليها الدولة، برضى بقية تلك الأركان أو بعدمها” بقوله

سعيد الهاشمي – كاتب وعضو في عدد من مؤسسات المجتمع المدني

: “لا يمكن أن تدعي أي دولة بأنها حديثة وذات مستوى عالٍ من التنمية إن كانت بعيدة عن مؤسسات المجتمع المدني، بل هي مؤشر رئيس في تلك التنمية” ويستدل الهاشمي على قوله بتقرير التنمية البشرية للسلطنة الصادر في عام 2003 والذي عرّف مؤسسات المجتمع المدني بأنها : “تتشكل من نطاق واسع من التنظيمات المختلفة في أغراضها وأحجامها وهياكلها التنظيمية وأساليبها في جميع الموارد اللازمة لمباشرة نشاطاتها، هكذا يقول الكاتب سعيد الهاشمي، ويضيف: ينظم في هذه المنظمات أفراد مستقلون يعملون طوعاً بشكل جماعي لتحقيق هدف مشترك في بيئة أو محيط عام للتعبير عن مصالحهم وأفكارهم ومبادئهم. والأصل في هذه المؤسسات أن تكون مستقلة عن الدولة، وأن تعمل خارج إطار تدخلها ، سواء كشريك على قدم المساواة مع الدولة أم كمعارض للدولة وما تضعه من سياسات”.

“معارضة إيجابية”
ويوضح الهاشمي أن هذا التقرير قد فصل الكيفية التي يمكن أن تكون عليها هذه المؤسسات “معارضة بشكل إيجابي” بقوله: “وضح هذا التقرير كيف يمكن أن تقوم مؤسسات المجتمع المدني بدور بنيوي أو مؤسسي عندما تمارس النقد الاجتماعي، و تدافع عن الحقوق و الحريات السياسية و المدنية للناس، و تساهم في حشد و تعبئة الجهود من أجل التغيير الاجتماعي و التطوير السياسي و الانفتاح الاقتصادي”.

ونوّه الهاشمي إلى وجود مشكلة في تصرفات الجهاز التنفيذي للدولة بالسلطنة طوال العقد الماضي مع مؤسسات المجتمع المدني، حيث يرى أنه يعمل “عكس ما تبنّاه وأعلنه من أفكار ورؤى للمجتمع المدني” ،
وبالتالي نتج عن ذلك “عرقلة وتضييق لعمل مؤسسات المجتمع المدني تشريعياً وسياسياً واجتماعياً ومالياً” على حد وصفه، مضيفا على ذلك قائلا: “ليس مستغرباً واقع الحال الذي يعيشه المجتمع والدولة في عمان من تحديات على مستوى الوعي والبنية”

قوة الدولة من قوة المؤسسات
يختلف الدكتور محمد العريمي مع القائل بأن قوة الدولة وتسلطها يعتمد على ضعف مؤسسات المجتمع المدني ويشير إلى أن قوة الدولة تعتمد على الحراك المجتمعي القوي بقوله: “الدولة الذكية هي من تتعامل مع هذه المؤسسات بما يخدم البلد، ويخدم الحراك سواء آكان ثقافيا أو اجتماعيا، فمن كانت مصلحته مصلحة “وطن” فسيعمل في نفس الخط وسيكمل كل طرف الطرف الآخر”

يشاطره الرأي الكاتب سعيد الهاشمي الذي يرى أن “قوة الدولة تستمد من قوة مؤسسات المجتمع المدني فيها” ، وموضحا أن محور وجود مؤسسات المجتمع المدني يقوم على “زرع مفاهيم التعاون والمشاركة والمبادرة والقرار بشكل ديمقراطي على كافة الأصعدة والمستويات”، مؤكدا أن من مؤشرات الدولة القوية أن تكون فيها “مؤسسات المجتمع المدني منظومة عمل فاعلة ومتفاعلة مع المجتمع ، وعين يقظة و مراقبة و نقدية في المجتمعات الديمقراطية، ومنبع متجدد لإنتاج الأفكار الضرورية لتقدم الإنسان”

“حزب سياسي”
من جانب آخر ينبه الدكتور العريمي إلى أن مؤسسات المجتمع المدني تسعى دائما لحفظ أمن واستقرار البلاد متسائلا في الوقت ذاته عن أسباب انتشار نظرة المجتمع التي يحفها التخوين والتخويف من تشكيل حزب سياسي في السلطنة، ويضيف على ذلك مشددا على الأهداف السامية للأحزاب السياسية قائلا: “الأحزاب السياسية حتى في الدول الأوربية المتقدمة هدفها الرئيس هو تقديم خدمة للوطن، فليس هنالك من ضير في تشكلها إن كانت صورتها واضحة وأهدافها صريحة ونقية وسامية، كما أن من المعلوم أن الأحزاب في الدول الأخرى –مع الحكومة أو ضدها- تتنافس فيما بينها لخدمة البلاد”، ويؤكد العريمي في السياق نفسه على أن “الأحزاب السياسية ستنشأ في عُمان اليوم أو غدا أو بعد 10 سنوات، فهذا نتاج طبيعي للجسم البشري، والدولة السليمة”.

استقلالية مؤسسات المجتمع المدني
ويعتقد الهاشمي – مشيرا إلى العمل الذي يجب أن تقوم به مؤسسات المجتمع المدني- بأنه “لا يمكن لأي قوة في الكون أن تحد من تقدم الإنسان ولا من تحقيقه لأحلامه” قائلا : “بالإمكان تأخير عملية التقدم هذه، لكن التجارب البشرية أثبتت بأن الإنسان متى ما امتلك الإرادة الحرة والمقتنعة بفكرة إنسانية عالية سيصل إليها مهما كلف الثمن أو طال الزمن” مشددا على وجوب استقلالية عمل مؤسسات المجتمع المدني حتى تستطيع “أن تؤتي أكلها” ومنوها إلى أن “أي عرقلة لهذا الوضع سيبطئ المسير لكن لن يوقفه، بل على العكس سيصقل التجربة ويجود أدائها”

صمام أمان
ويرى الهاشمي أن مؤسسات المجتمع المدني هي من تقوم ببناء مفهوم راسخ للأمن والوئام الوطنيين معتبرا أنها “صمام أمان لاستقرار أصيل ومستدام في أي مجتمع بشري، وغيابها أو ضعفها هو ما ينذر بإنفجارات مفاجئة وتشوهات لا نتمنى أن يصاب بها مجتمعنا.”

وحول مستقبل عمل مؤسسات المجتمع المدني العماني، يدعو الدكتور عوض باقوير وزارة التنمية الاجتماعية لأن تلعب دورا محوريا في المرحلة القادمة مشيرا إلى وجود مشكلة في “مقرات المؤسسات” ، وداعيا للالتفات بشكل أكبر إلى التشريعات والقوانين التي تنظم عملها، وتطويرها من خلال “عمل منظم يخدم الأهداف التي تصب في خدمة الوطن والمجتمع بشكل عام” ويضيف مستدلا بعمل جمعية الصحفيين العمانية أنموذجا بقوله: ” لاشك أن جمعية الصحفيين مثل الجمعيات المهنية الأخرى تبذل جهودا للارتقاء بمهنة الصحافه وتطوير قدرات الصحفيين ومن هنا فإن اطلاق البرنامج الوطني للتدريب يعد أحد المكونات الأساسية بهدف تدريب الصحفيين، خاصة الشباب على مهارات اللغة الانجليزية، وأيضا إعطاء دورات في مجال الصحافة الحديثة، وإرسال البعض خارج السلطنه من خلال برنامج يمتد لخمس سنوات يغطي معظم الصحفيين أعضاء الجمعيه علاوة على أن الفعاليات مستمرة منها الاستعداد لإقامة مؤتمر مهم تحت عنوان (الاعلام بين الحرية والمسؤولية) وسيحضره شخصيات صحفية محلية وعربية ودولية”

ويعبر باقوير عن تفاؤله بمستقبل المؤسسات المدنية قائلا: ” مؤسسات المجتمع المدني سوف تتطور ويترسخ دورها في ظل التطور المجتمعي وفي ظل اهتمام الدولة والقيادة الرشيدة بدعم تلك الجمعيات حتى نقوم بورها الوطني علي اكمل وجه لخدمة المجتمع”

أما الدكتور محمد العريمي فيعتقد أن مستقبل مؤسسات المجتمع المدني في عُمان يتطور ويرتقي، معتبرا إياها دليلا على نضج المجتمع العماني ، ومشيرا إلى أن أغلب من يمسك بزمام الحقائب الوزارية الآن هم شباب أتراب سيستطيعون ” تصفية بعض الشوائب والضبابية من بعض القوانين التي يتمحور حولها عمل مؤسسات المجتمع المدني فسيصبح عملها فاعلا أكثر”
ويؤكد العريمي أن هذه المؤسسات تمر الآن “بمرحلة تأسيسية وحرجة جدا”، وأنها بحاجة لأن تبنى على قوانين وتشريعات واضحة وسليمة، التي يرى أنها ستولد تلقائيا ثقة متبادلة بين جميع الأطراف، حتى ستستطيع أن تقوم بدورها المستقبلي على أكمل وجه.

مصادر تمويل

أما الكاتب سعيد الهاشمي فيوجه رسالته بداية لمؤسسات المجتمع المدني لأن تبتكر مصادر تمويل مستقلة، “تعزز من قدراتها على الحراك لتكون حرة، ومؤثرة في المجتمع” مؤكدا على وجوب مشاركتها في صياغة استراتيجية متكاملة لدعم وتشجيع ثقافة عمل تطوعي متمدن، التي يرى أنها ستكفل “ديمومة بقائها بشكل مقنع، خاصة جيل الشباب المتطلع للمساهمة بإيجابية فاعلة في تنمية وطنه”.

ويدعو الهاشمي المؤسسة التشريعية (مجلس عمان) إلى المسارعة في تشريع قوانين تكفل وتحمي حق المواطنين في ممارسة حقوقهم المدنية وعدم التضييق عليها، كما يدعو إلى استبدال القوانين السابقة، بقوانين “متوافقة مع روح الإنسان المعاصر وأحلام المواطن الواعي” على حد وصفه

و وجَه دعوته أيضا للمؤسسة التنفيذية بقوله: “أدعو المؤسسة التنفيذية إلى عدم تعطيل الحراك السياسي والمدني؛ حتى يتسنى لهذه المؤسسات النمو بشكل طبيعي . إذ أن صيانة الحريات العامة هي السبيل نحو النضج السياسي والمدني والذي يهدف في المؤدى الأخيرإلى تنمية إنسانية واثقة و مستدامة في رحاب وطن حر كريم”.

 

رحمة الصوافية – البلد