نصف شمس صفراء

 

” نصف شمس صفراء ” رواية من الأدب النيجيري للروائية النيجيرية ” تشيماماندا نجوري أديتشي ” ترجمة الشاعرة والكاتبة المصرية ” فاطمة ناعوت ” وقد عرضت في مقدمة الكتاب إشارات قيمة عن الأدب النيجيري كما عرضت ومضات مشرقة عن الروائية والتي صدرت روايتين وكلتاهما حازتا على جوائز عالمية وإعجاب نقدي عام ، وتعد هذه روايتها الثانية بعد روايتها الأولى ” الخبيزة الأرجوانية ” عام 2003م وحازت على جائزة الكومنولث لأفضل كتاب أول لكاتب 2004م .. بينما روايتها الثانية ” نصف شمس صفراء ” حازت على جائزة أورانج البريطانية وبيع منها ملايين النسخ .. لا شك أن ” تشيماماندا نجوري أديتشي ” روائية خلاقة حتى أن أبو الأدب الأفريقي الروائي ” شينوا آدشيبي ” قال عنها : ” آديتشي جاءت مكتملة “ وهي شهادة كبرى من أديب ذائع الصيت عالميا ..

” نصف شمس صفراء ” وقارئ الرواية لوهلة يتساءل عن نصف هذه الشمس ومدلولها في نيجيريا والرواية على العموم ، وبعد الولوج في عوالم الرواية وأجزائها التي جاءت تتناول فترات ما قبل وأثناء وبعد الحرب الأهلية النيجيرية البيافرية ، وتعرف عالميا بحرب بيافرا والتي أزهقت ما يضاهي مليون روح إنساني في نزاع أهلي مسلح استمر من عام 1967م حتى عام 1970 م ..

ويبدو أن حرب بيافرا هي حرب شرخت الذاكرة النيجيرية بقسوة حتى تناولها معظم كتابها في روايتهم وكتبهم وقد صدر من وقت قريب كتاب ” كانت هناك بلاد ” تاريخ شخصي لبيافرا للروائي ” شينوا أشيب “طبع في لندن 2012م .. و عرض فيه تفاصيل صراع شرس على السلطة من جراءرغبة بيافرا الانفصال عن نيجيريا ..

والروائية ” تشيماماندا ” عرضت تفاصيل هذه الحرب وتأثيراتها في روايتها نصف شمس صفراء التي تنتصف علم بيافرا بألوان ثلاث أحمر وأسود وأخضر وهذه الشمس الساطعة كانت تزين أكمام الجنود بملابسهم العسكرية كما كانت تزين أعناق النساء في الجنوب كخرزة ، أما ألوان العلم فهي تحمل إشارات قيمةكما ورد توضيحها في مقطع في الرواية : ” الأحمر منه يعني دم أخواتنا الذين ذبحوا في الشمال ، الأسود يعني الحداد عليهم ، الأخضر يعني ازدهار بيافرا الذي سوف يأتي وأخيرا نصف شمس صفراء تنتصب مشرقة للمستقبل المجيد ” ..

ويبدو أن الروائية استوحت تفاصيل روايتها مما مر به جديها الذين قضوا نحبهم في الحرب ومن والديها الذين عايشا التاريخ الأسود لهذه الحرب كما تصفه ذاكرة النيجيريين : ” كبرت أنا في ظلال بيافرا كبرت وأنا أسمع قصصا عن قبل الحرب وبعد الحرب كأنما الحرب بشكل أو بآخر قد قسمت ذاكرة عائلتي نصفين وهفوت دائما للكتابة عن بيافرا ليس وحسب لأمجد جدي بل أيضا لأمجد الذاكرة الجمعية للأمة بأسرها ..”

في المرحلة الأولى ما قبل الحرب تشير الرواية إلى فترة الاحتلال البريطاني في نيجيريا وأبعاد هذا التأثير على حياة النيجيريين عموما من مسيحيين ومسلمين ، حيث إنها تجس الحساسية العنصرية التي كان البيض يغلف بها الأفارقة في ذاك الوقت، مما خلق نفسيات تضع مسافات بينها وطبقة البيض .. وفي الرواية تجسد موقف العنصرية بأبعاده من خلال شخصية ” أودينيبو ” وهو مثقف وباحث بيافري فحين استبقت بائعة التذاكر الرجل الأبيض الذي  كان في مؤخرة الطابور لمنحه التذكرة هنا مشى ” أودينيبو ” وراء الرجل الأبيض وأعاده إلى مكانه في الطابور وهو يصرخ في البائعة : ” أيتها الجاهلة التعسة ، أترين الرجل الأبيض أفضل من قومك ؟ يجب أن تقدمي اعتذارا لكل شخص يقف في هذا الطابور ! فورا ! ” ..

ليلى البلوشيGhima333@hotmail.com
ليلى البلوشي
Ghima333@hotmail.com

وإمعانا في التأثير عرضت الروائية في ثنايا الرواية نكتة تصف كل سمة أفريقية على لسان إنجليزي حين عرضها أحدهم : ” أفريقي كان يسير مع كلب وجاء رجل إنجليزي يسأل : ماذا تفعل مع هذا القرد ؟ فأجاب الأفريقي : هذا ليس قردا بل كلب .. فقال الإنجليزي : أنا أتحدث إلى الكلب ..! ”

ويبدو أن هذه النظرة العنصرية الاستعلائية من الرجل الأبيض انتقلت إلى النيجيري الذي كان بأنفة وعزة نفس يتعاطى مع الإنجليزي و تعبر أحيانا تلك الأنفة عن نظرة استيائية وحساسية مفرطة وقد كان ضحيتها غالبا ” ريتشارد ” الشخصية الإنجليزية في الرواية والذي وقع في حب ” كاينين ” وهي ابنة رجل نيجيري ثري وأخت التوأم ” أولانا ” والتي ربطتها علاقة حب مع ” أودينيبو” الرجل المثقف ..

وعلى الرغم من الشحنة المفرطة تجاه الإنجليزي والبيض عموما إلا أن ذلك لم يمنع رغبة النيجيريين في تعاطي اللغة الإنجليزية والحرص على تعلمها بل إتقانها ؛ فقد كان التحدث بها يعد تفوقا وكان ” آجوو ” الصبي النيجيري في الرواية والذي عمل كخادم في منزل ” أودينيبو ” و” أولانا ” يفضل رغم لغته الأيبو أن يحدثهم بالإنجليزية كي يشعر بتفوقه في منزل يتقن ساكنيه الإنجليزية بتفرد، وذلك يشير إلى طبيعة هؤلاء الذين كانوا مثقفين ناهيك عن دراسة ” أولانا ” في لندن مما جعل ” آجوو ” يترعرع في بيئة خصبة بالمعرفة والتلقي ..ويظهر تأثيرها الجم على حياته حين يكمل دراسته بل يحرص على كتابة ذكرياته عن حرب بيافرا وفي نهاية الروايةتفاجئنا الروائية بكتابه ” كان العالم صامتا حينما كنا نموت ” ولهذا العنوان حكاية طويلة في الرواية ..

بينما في الجزء الثاني من الرواية في أثناء الحرب يطفو عنصر التطرف بشكل فاغر ومخيف حيث تتصاعد أزمة الحرب الأهلية النيجيرية البيافرية ، وبلغة وصفية عميقة نقلت الروائية مشاهدات وصور هذا التطرف الموجع حيث تجري مطاردات لكل من الأيبو وقتله بوحشية باسم الدين ، ويتجلى ذلك بعمق حين شاهد ” ريتشارد ” كيف أن جنود نيجيريين على حين غرة يدخلون بهمجية المطار ويسألون عن كل مواطن من الأيبو ليردموه قتيلا وحين دنو من رجل أخذهم الريبة أنه من الأيبو أجبروه على قول ” الله أكبر ” وتنفقئ الحقيقة حين تخذله لغته الأيبو من نطق العبارة ، فيردموه قتيلا بدم بارد وأمام حشد من الناس في المطار ..!

ويتخلل هذه الفترة من الحرب ظاهرة ” النصر في الحرب ” فكل بيافري يحرص على التطوع في عمل ما مفيد لخدمة قضيتهم ، حيث يتبرعون من أجل خدمة الحرب وآخرون يقدمون خدمات إنسانية ” تبرع مدرس بدراجته للجنود ، إسكافيون يصنعون أحذية الجنود مجانا ، والفلاحون يتبرعون بثمرات البطاطا ..” .

وفي النصف الأخير من الرواية ما بعد الحرب يعود من نجا إلى منزله وبعض منازل تبقى مهجورة لموت أصحابها وضياعهم وسط حرب طاحنة كلفت الناس نفسيا واجتماعيا وسياسيا بتأكيد واقتصاديا ..

نجحت الرواية ” تشيماماندا نجوري أديتشي ” بلغتها القريبة من الروح وبأسلوبها الوصفي الحميمي في نقل تاريخ ثري عن بيافرا وستبقى خالدة في قلوب النيجيريين وذاكرتهم المزدحمة بصور من غادروهم بلا وداع ، ومن تاه دون أن يعرفوا عن مكان وجوده ، ومن عايش فجاعة تلك الفترة السوداء في حياته ..

قوم ذاقوا المرارة فقط لإيمانهم بـــ” بنصف شمس صفراء ” شمس بيافرا وكان نشيدهم مفرط الحماس : ” إذا رفضت الشمس أن تشرق ، سوف نجعلها تشرق ” ..

 

 

 

 

 

 

 

 

3 تعليقات

  1. قرات الروايه ورقيا واستمتعت بها لكنها ليست قوية كما توقع الانسان وكما يشى به التقديم فى مقدمة الرواية.

Comments are closed.