نخسر كثيرا يا أيها الوطن

منذ أحداث فبراير 2011 يمكن للمرء ملاحظة تلك الهجمة الشرسة المنظمة ضد عدد من الكتاب والمثقفين، تلك الهجمة كانت تقوم على مبدأ أن هؤلاء الكتاب والمثقفين يريدون تدمير المجتمع العماني، ولهم مطامع شخصية، وهم أناس سيئون بالفطرة، سكيرون، لا يؤمنون بالله، ويريدون إفساد المجتمع بأي شكل من الأشكال!

كانت حملة إلكترونية موسعة عبر إرسال رسائل بالبريد من قبل أناس لا نعرفهم مطلقا، رسائل تخبرنا بأن هؤلاء الناس غاية في السوء وانظروا إلى تاريخهم، فأحدهم يعمل خارج البلد في دولة الفساد الأكبر، وآخر من فساده بات مريضا، وثالث يخدع البنات، وأخرى باعت عمانيتها وتريد أن تستفيد من هذه الجنسية وووو…

كلام غبي ومثير للاشمئزاز، لأن فكرته واضحة: الإساءة لمن لا يعجبنا رأيه، لمن يختلف معنا في النهج والفكرة، وربما كان يقول ما هو في صالح الأمة كلها، ولأننا لا قوة لنا في الرد عليه بأسلوب علمي سليم، بالنقاش والحوار، فإنه يتم اللجوء إلى القدح في ذوات الشخوص، وتبيان سيئات تلك الشخوص من نواحي أخلاقية أو دينية أو فكرية، وهذا هو سلاح الضعيف دائما، حيث يتم الاعتماد على هذا الأسلوب من أجل تنفير العامة من كل كلمة قد يقولها مثل هؤلاء، والتي كما ذكرت: ربما كانت في الصالح العام.

هلال البادي

في الضفة الأخرى كان هناك مثقف آخر من الضروري تحريك مشاعر الناس ضده، فلا يمكن لي أن أنسى تلك المقولات حول عودة حكم الإمامة، كون أن كثيرا من المحتجين هم أناس متدينون، ومطالبهم كانت ـ كما يشاع ـ إقامة دولة مدنية قائمة على الشرع والدين. هؤلاء أيضا نالهم الكلام الكثير، وهؤلاء أيضا لا يمكن إخراجهم من دائرة المثقف، فالثقافة ليست حكرا على كتاب البارات كما يحلو للبعض أن يطلق عليهم هذا الطرف ناله عبر سنوات طويلة كثير من الإساءة، خاصة بعد حادثتين شهيرتين في بلادنا: حادثة العام 1994م وحادثة العام 2005، في الأولى تم الإيقاع بمجموعة منتمية لجماعة الإخوان المسلمين وتريد قلب نظام الحكم أو هكذا أشيع، ثم تكرر الأمر في عام 2005م وتم إخبارنا أن هناك تنظيما “إباضيا” يريد قلب نظام الحكم أيضا.

في كلتا الحالتين كان المثقف ذا الميول والانتماء الإسلامي قد أصبح ورقة محروقة، ولا يمكن للمجتمع أن يثق فيه كثيرا لأنه وفي حالة أن الحادثتين كانتا صحيحتين أو بهما بعض من الشك فإن الصورة الملاصقة لهذا “المثقف” هي أنه شخص متطرف ويريد الاستبداد بالحكم والطغيان فيه باسم الدين.. رافق هذه الصورة وضع عربي وعالمي يرى في الإسلاميين كارثة كبرى تهدد أمن العالم كله، سيما مع تشكل جماعات إسلامية متشددة في مصر والجزائر والسعودية واليمن وباكستان وبلاد المغرب العربي كله مع ذلك وفي أجواء الاحتجاجات تم استدعاء هذه الصورة السوداء عن المتدينين، مضافا إليها كثير من البهارات حتى يتسنى القضاء على أي صوت ذي خلفية دينية.

المثقف الليبرالي، الحداثي، اليساري، الشيوعي، الآخر النقيض، كان عرضة لهجوم كاسح منذ البدايات، في أي بلد عربي وليس عمان فحسب، وبأنه الشخص الذي يمكن له أن يفسد المجتمع ويقوض من بنائه، على أساس أنه يقرأ لديكارت مثلا، ويؤمن بالمنطق والفلسفة، ويشرب البيرة ويضاجع العاهرات!

صورة منقوصة ظلت تطارد هؤلاء الناس، وبأنهم خراب يمكن أن يدمر المجتمع، لأنهم أصحاب صوت مغاير، يقولون للمؤسسة الأمنية: القانون القانون، ويطالبون بإحقاق الحق والمدنية التي تقي المجتمع شرور الغد، يطالبون ببناء الدولة العصرية على أساس غير قبلي عشائري، يتم فيه احترام الإنسان لأنه إنسان وليس لأنه منتم لأفكار معينة أو طوائف أو “قبائل” دونية

وكثير من الناس التي تصدق الصورة المنقوصة وتتناقلها وتحارب بها هؤلاء “المثقفين” هي ذاتها التي تتصل بهم في الحالات العادية تطالبهم بأن تعيد لها حقوقها وأن تكتب عنها وعن مصائبها مع الحكومة، لكنهم في الوقت ذاته يتبادلون بينهم وبين بعضهم تلك الصورة ويزيدون في تشوهها حتى المثقف المتوازن كسعيد الهاشمي الذي لا يشرب البيرة ويصلي بالناس وليس منتميا لفكر أصولي، نالته الصورة المنقوصة السيئة، وتم إدراجه في أذهان الناس على أنه رجل يريد خراب البلد عندما ينادي بالإصلاح ومحاسبة المفسدين

وأمثال سعيد الهاشمي كثر، لكن بما أنهم مثقفون فلا مأمن لهم ولا يمكن بأي حال من الأحوال الركون إلى مواقفهم وآرائهم، فالتهمة جاهزة: هؤلاء يريدون هدم الوطن!

ولذلك فهي فرصة سانحة القبض على أمثال سعيد الهاشمي والزج بهم في السجون وإطالة مدة بقائهم هناك دون أي تحقيق أو حتى توجيه اتهام، لأنهم يسببون طنينا مزعجا للبعض بآرائهم وكتاباتهم، التي لا يمكن بأي حال من الأحوال تأكيد إذا ما كانت مسيئة من عدمه، بل الأرجح وبنسبة عالية جدا أنهم لم يسيئوا لأحد، لا لأجهزة الأمن، ولا لأعمدة الحكم ولا حتى للناس

ما زلت أتذكر أن أول من طرح فكرة إقامة تجمع أهلي ومدني خاص بالكتاب هو سعيد الهاشمي، وهو الرجل الذي توارى في الظل بعدما تحققت الأمنية وأشهرت الجمعية ـ بعد ستة أعوام بالتمام والكمال ـ ولم يكن تواريه هذا إلا للعمل على بناء الجمعية من الداخل، لتصبح ما أصبحت عليه الآن هل سينكر أحد أن هذه الجمعية الوحيدة التي تتبنى “ديمقراطية” حقيقية من بين كل الجمعيات الأهلية المحسوبة على الثقافة والمثقفين والكتاب؟

أقول هذا الكلام وأنا البعيد عنها، ولست عضوا فيها حاليا، ولي مواقف من بعض مشاريعها، بل مهاجما بين الحين والآخر لتلك المشاريع وتلك الإدارات، وفي بعض الأحوال يغضب بعض الرفاق خاصة مع تلك النبرة الساخرة العميقة والمستفزة أيضا، لكن هذا لا يعني عدم قول الحقيقة في أن هذه الجمعية باختلاف إداراتها السابقة في التفكير والطرح، وباختلاف منابت أفرادها، انبنت على بعد ديمقراطي، ومدني يفاخر به أي إنسان عماني

ولعل في موقفهم الأخير تجاه الأحداث، والاعتقالات، لخير دليل على أنهم يعملون من أجل صورة ناصة في المجتمع، من أجل مجتمع مدني، من أجل الإنسان أولا وأخيرا

لكن لأن درجة التقليل من قيمة المثقف كبيرة، لم تسفر جهودهم شيئا يذكر، بل سارع الإدعاء العام إلى استصدار بيان وصفته الجمعية بأنه استفزازي، وهو كذلك، فالعقلاء كانوا يريدون إطفاء النار والتقليل من انتشارها دون أي ضجة تذكر، لتأتي النتيجة كما رأيناها لو كان هؤلاء المثقفون من السوء بمكان، هل كان هذا سعيهم لإخماد نار قد تحرق المجتمع بأكمله لا سمح الله؟ ثم ما المطلوب من جمعية عمانية أهلية ينتمي إليها عدد من الأفراد تم اعتقال بعضهم أن تفعل؟ أن تقف متفرجة تشاهد نهاية اللعبة عما ستسفر كما تفعل جمعيات ومؤسسات أهلية وحكومية أخرى؟ أم يذهب أحد أعضاء إدارتها ليكيل بمكيالين ضد المعتقلين؟ ما فائدتها إذن؟ هل أوجدت فقط من أجل نشر عدد من الكتب وإقامة إمسيات وكفى؟

لقد بتنا نعلم أن هذا الهجوم الشرس المقام ضد بعض الأفراد الذين ينتمون بطريقة أو بأخرى لما يطلق عليه اسم الوسط الثقافي أو المثقفين، إنما يقام على أساس ممنهج للإساءة لهؤلاء الناس، وإظهارهم على أنهم يسعون إلى خراب البلاد لا إلى إيجاد صوت مغاير ومستقل يمكن له أن يظهر الصورة كاملة في المجتمع نحن لسنا واحدا بكل تأكيد، لسنا صورة لها آلاف النسخ ولا ينبغي ذلك مطلقا، فلو كنا نسخا مكررة هل استطاع أحدنا أن يرى أبعد من قدميه؟ ألم يخلقنا الله متعددين مختلفين؟ فلماذا يراد تغيير خلق الله؟ ثم هل بالتشويه الممنهج هذا يمكن أن نحل مشكلات بلادنا التي هي مشكلاتنا نحن البشر؟ ألم يحدث هذا التشويه تشويها مضادا يسيء إلى بلادنا ويجعلنا وحوشا صغيرة تنهش في بعضها البعض؟ إن المجتمع هو الخاسر الأول والأخير عندما يشوه طرف من أطرافه، عندما يراد اجتثاث هذا المثقف بأنواعه وطبقاته من مبدأ خطورته على المجتمع، مشبهينه في ذلك بالمجرمين تجار المخدرات واللصوص وقطاع الطرق والقتلة والفاسدين. يخسر الوطن عندما يغيب فيه صوت ويكال له الشتم والتعريض في عرضه وأخلاقه، وكأن الشاتم براء من الإدانة تماما، كأنما فعله هو الصواب الممكن الوحيد، وليس هو أيضا يمتلك بيتا من زجاج يمكن أن ترمى عليه حصاة صغيرة فينكسر!

يخسر كثيرا هذا الوطن عندما يكون بوجه واحد فقط، تكرر فيه الصور، ويتم التغاضي عن التشوهات التي تنبت فيه مرات متعددة

10 تعليقات

  1. مقال رائع طرح كل ما يدور من خاطري…
    التشويه لنا والتصغير والتقليل من شأننا اصبح واضحا خاصة في المنتديات العمانية التي يسكت عنها المشرفون..

  2. مع تقديرنا لما تفضلت به أستاذنا… هناك أيضاً من الكتاب أو المثقفين – والذين لم تتطرق إليهم في موضوعك – من تتطابق عليهم تصريحات الإدعاء العام… بل انها متوازنة بالقياس إلى فظاعة ما يكتبون.

  3. كما يقال: الشر يعم والخير يخص! ففعلا اﻹدعاء العام كان مستندا على أشخاص ممن يدعون التثقف والثقافه.. فالذي ليس من الذين يقصدهم اﻹدعاء، إذا عليهم تبرئة أنفسهم، أليس كذلك؟
    وإلا كيف يعرف الخبيث من الطيب؟!

  4. ان بت اؤمن اكثر بالمثل القائل “ان من يعيش يشوف ويسمع” وهذا المقال من امثلة الغرائب الذي يمكن ان يراها ويسمعها من يعيش ، ففتاه لا يبدو من صورتها انها تزيد عن 23 عاما ، امطرتنا بمقالة فلسفيه تحليليه عن مفاهيم العزلة والشعوب والمدنية ونشوء الحضارات وسقوطها ، وكأنها ابن خلدون نفسه ، وجل ما ارادت الفتاه ان تقوله من هذا المقال الطويل العريض هو ان الحكومة عزلت عمان عن باقي الشعوب وانها هي وامثالها هم من جعل الدولة والشعب منفتح على العالم ، ولو ابتدأت الفتاه من نفسها وكيف استوعبها المجتمع العماني وباتت جزء لا يتجزأ منه وليس بينها وبين من يسكن في رمال وهيبه او جبال مسندم او جبال الحجر او جبال ظفار اي فرق ، اقول لو تأملت هذه الفتاه ذلك وقارنته مع ما يحدث في بلاد اخرى التي بها مئات الاف ممن ولد اجدادهم في تلك الدول ولا تزال تلك الدول ترفض منحهم الجنسيه وتسمهيم “البدون” لعرفت ان ما تكتبه ليس الا هذيان لا ينطلي على عقل اي منصف ، والشعب العماني كله منصنفون ، تقول الفتاه ان الدولة عزلت عمان لان الفتاه من المؤكد انها لا تعرف ان.
    1- اول سفينه عربيه وصلت الى الولايات المتحدة هي سلطانه سنة 1840 م وعلى متنها السفير احمد بن النعمان الكعبي مبعوثا من قبل السيد سعيد بن سلطان الى الى الولايات المتحدة.
    2- ان عمان في ظل دولة البوسعيد واليعاربه قبلهم كانت هي الدولة العربية الوحيدة التي لها اسطول بحري تحسب له الدول الاستعمارية مثل بريطانيا وفرنسا والبرتغال حساب.
    3- عمان هي الدولة العربية الوحيدة التي كان لها مستعمرات خارج نطاقها الجغرافي ، في افريقيا وآسيا.
    4- ان عمان هي الدولة الوحيدة التي لم تستطع لا الدولة الاموية والا العباسية ولا حتى العثمانية فرض سيطرتها عليها.
    وغير ذلك امثلة كثيرة لا يتسع المقام لذكرها ،.
    5- ان اتفاقيات التجارة والتعاون تربط الدولة مع بريطانيا ودول اوروبيه اخرى منذ القرن الثامن عشر.
    6 – نسيت الفتاه او تناست ان عمان الان في العهد الذهبي لمولاي صاحب الجلالة السلطان قابوس حفظه الله تربطها علاقات وطيده مع كل دول الارض دون استثناء ، وتتنافس الدول والمنظمات على جزائز السلطان قابوس للبيئه وغيرها ، وتضم مختلف جامعات العالم كراسي السلطان قابوس للدراسات الشرقية والاسلاميه ، وتطوف سفينه شباب عمان مختلف بحار العالم معرفة بماضي عمان التليد ، وتبحر السفينه جوهرة مسقط الى شرق آسيا معرفة بحضارة عمان ،وما الى ذلك مما لا مجال لحصره ، كل هذا نسيته الفتاه وقالت بان الدولة عزلت عمان والشعب.
    فمن المضحك المبكي ان تأتي هذه الفتاه وامثالها ممن لم يقرأ غير مقالات الفيس بوك ويتجرأ بكتابة من مثل ما كتبته الفتاه هنا. ان مثل هذه الكتابات لم تعد تخفى على احد ، غرضها واضح لا ينطلي على الشعب العماني الاصيل ، غرضها هو اثارة البلبله والتشكيك في الدولة نكرانا لما قدمته من انجازات سواء في العهد الحاضر لمولاي صاحب الجلالة او في العهود الماضية ، التي وان شابها بعض التراجع في فترات معينه الا انها تبقى ناصعة البياض مشرقة كوجوه العمانيين الحقيقيين.

    • اخي سيف … ان ما يحصل من موجات ثقافية و من ظاهرة ان الشباب لديهم معلومات فلسلفية فهو تغير الزمان و العلم ليس بحكم العمر

Comments are closed.