ملتقى عمان الاقتصادي الثالث.. طوق نجاة أو سكة المتاهة

محمد عبدالله الحارثي: المصدر

في نفس اللحظات التي كانت تفرش فيها السجادة الحمراء لاستقبال ضيوف شرف ملتقى عمان الاقتصادي الثالث من رموز العولمة ، شن الأمين العام لمؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية (الأونكتاد) سوباتشاي بانيتشباكدي هجوما حادا على العولمة ووصفها بأنها تسير بلا توجيه وطالب مجموعة العشرين بالالتزام بتعهداتها نحو الدول الفقيرة لتحقيق تنمية مستدامة.. وأشار إلى وجود انهيار في سوق المبادلات العالمية وعدم وجود حوكمة جيدة للاقتصاد العالمي وأسعار الصرف، لافتا إلى أن التدفقات المالية لا يحكمها المسار الصحيح.. وأشار سوباتشاي إلى أن المديونية وسوء الإدارة ليستا حكرا على الدول الفقيرة، مطالبا بضرورة النظر في المصالح المشتركة للتنمية. واعتبر الأمين العام أن إعطاء الأولوية للدول النامية هو المحك القادم للعالم بأسره.. وقال سوباتشاي خلال كلمته أمام الاجتماع الوزاري لمجموعة الـ77 والصين إن العالم أخطأ في عملية تقييم الأزمة، مشيراً إلى أن المسألة لا تتلخص في المديونية المفرطة فقط للحكومات التي تعرضت لها آسيا ولم يتم معالجة القضية بالوجه الصحيح، واضاف:” لقد قمنا بتحرير سوق رأس المال من دون إعداد، وعندما وقعت الأزمة في آسيا فتح القطاع الخاص الباب على مصراعيه وأسأنا الإدارة في إطار فتح حسابات رأس المال وبدأنا دون تصحيح المسار، ما نتج عنه مزيد من البطالة والكساد”.

من المؤكد أن ملتقى عمان الاقتصادي الثالث يعقد في ظل مناخ اقتصادي مختلف عن ذلك الذي عقد فيه الملتقى الاول والثاني، والغريب ان يكون ضيوف شرف الملتقى من رموز سياسات العولمة التي فشلت فشلا ذريعا وادت الى الازمة المالية العالمية التي القت ظلالها بتأثيرات بالغة على الاقتصاد العالمي ، ومن رموز السياسات التي كانت من اهم نتائجها الاحداث التي عصفت بالمنطقة العربية في سنة ٢٠١١ والتي لم تكتمل نتائجها بعد. كنا نتمنى من المشرفين على ملتقى عمان الاقتصادي الثالث ان يستسقوا الدروس والعبر من تطورات الاحداث عمانيا وعربيا وعالميا واستضافة شخصيات اقتصادية من دول لديها تجارب ناجحة وحققت إنجازات اقتصادية بدلا من شخصيات مستهلكة تسببت في أزمات عالمية وهنالك مطالبات شعبية دولية بمحاكمتها ولم يعد بوسعها فعل شيء سوى ممارسة مهنة السمسرة التجارية ، وأقصى ما يمكن ان تقدمه لنا تسويق مشاريع فاشلة تستنزف مواردنا الطبيعية ولا تحقق فرص عمل لأبنائنا.

لقد تردد كثيرا خلال السنوات الاخيرة مصطلح الدول الفاشلة” Failed state” وانشغل الكثير من الباحثين في استخلاص دروس التجارب الناجحة، والفاشلة وكيف نجحت دول صغيرة وفقيرة، في الانتقال الى مصاف الدول الغنية بينما تفاقمت الأزمات علي دول غنية ومتقدمة من أمريكا إلى أوروبا ، وظهر من خلال متابعة الدارسين، ان الدولة الفاشلة، ليست الفقيرة في الموارد، بل التي لديها فقر في إدارة مواردها وتوجت تلك الدراسات بدراسة هامة صدرت في كتاب نشر في يناير 2012م اشتغل فيه اثنان من المهتمين بهذا المجال هما البروفيسور روبنسون من جامعة هارفارد، والخبير الاقتصادي أسيمو جلو بعنوان لماذا تفشل الدول؟ وقد توصلا الى نتيجة تتفق في مضمونها مع دراسات كثيرة سابقة بأن الأساس في بناء أي نجاح اقتصادي، هو السياسة و أن الإصلاح السياسي هو نقطة انطلاق الإصلاح الاقتصادي ، وحددت الدراسة مكونات هذا الاصلاح بالرؤية السياسية للدولة، وإستراتيجية تبلور هويتها، وما الذي تريد ان تكونه وما هي مواردها ومصادر قوتها، وأيضا مصادر ضعفها بحيث يوضع ذلك في بوتقة تحتويه خطة لها هدف وآليات تنفيذ، وحسن اختيار القيادات حسب الملاءمة المهنية وليس الولاء المتحزب للحكومة، ثم متابعة ومحاسبة في إطار دولة القانون وهنالك الكثير من التفاصيل التي لا مجال لسردها في هذا المقال.

وفي اطار ذلك نجد انه من الصعب ان نفصل بين السياسات التي اتخذتها الكثير من الدول العربية وبين الاحداث التي شهدتها في الاشهر الماضية والأزمات السياسية التي عصفت بها والتي بدأت بدوافع مختلفة حسب خصوصية كل دولة أو مجتمع ولكن يجمع بينها رفض القائم والجهل بالقادم ، كما أن ما حدث في السلطنة لا يمكن النظر إليه بمعزل عن ما حدث من حراك سياسي في المنطقة العربية ، وهذا النوع من الحراك ليس بجديد في تاريخ الشعوب ولا ينبغي القلق كثيرا من تبعاته لأن التاريخ يؤكد أن نتائجه عادة ما تكون في صالح الدول على المدى الطويل بالرغم من السلبيات التي تسببها في فترة المخاض ، وانه نتيجة طبيعية للشعور بظاهرة انتشار الفساد والإخلال بنسيج المجتمع وإيجاد فوارق كبيرة بين الفئات الاجتماعية وبين المناطق والفشل في قراءة التاريخ الذي يقول لنا إن الأوضاع لن تستقر على المدى الطويل بدون إصلاح سياسي وإداري يتبعه اصلاح اقتصادي واجتماعي وصولا إلى إعادة صياغة علاقة الدولة بالمواطن على أساس احترام حقوق الانسان وتعزيز مفهوم الحقوق والواجبات.

وكان لا بد لدولنا ان تدفع ثمن افرازات العولمة التي تغلغلت فينا ودمرت نظمنا التعليمية واستبدلتها بنظام جعل من التربية الاسلامية مجرد ثقافة ونزعت منها البعد الوطني والقومي واستبدلت قصيدة “أخي جاوز الظالمون المدى” بثقافة “ديكي ودجاجتي” وأفرغت التعليم من هدفه المتمثل في توفير المعرفة والمهارة والموقف من الحياة ، وما زاد الطين بلة سوء إدارتنا لسياساتنا ومواردنا وتمسكنا بقشور الفكر المستورد وعجزنا عن الاستفادة من الإيجابيات التي كان بإمكاننا استخلاصها منه ، كما لم تتمكن جامعاتنا من القيام بمهامها المتمثلة في اعداد متخصصين في العلوم والآداب والبحث العلمي المتعلق بمشكلات المجتمع وتكوين القيادات الفكرية.

ولفهم أفضل لعمق المشكلة وجذورها يجب علينا فهم المدرسة الاقتصادية التي ركبنا موجتها والعودة إلى الوراء قليلا إلى ما بعد الحرب العالمية الثانية حيث خرجت معظم الدول المتخلفة في آسيا وأفريقيا وأمريكا الجنوبية من مرحلة الاستعمار وسعت حكوماتها إلى تحقيق التنمية الاقتصادية عبر الاستثمار الحكومي في بيئة اتسمت بمحدودية أو غياب لقطاع خاص نشط ، وأنشأت المؤسسات الدولية الثلاث: “صندوق النقد الدولي” (IMF) و”البنك الدولي” (WB) والاتفاقية العامة للرسوم الجمركية والتجارية (“جات” GATT). و لردم الفجوات التي أحدثها نظام جات وبمساهمة علماء اقتصاد من العالم الثالث تم انشاء “مفوَّضية الأمم المتحدة للتجارة والتنمية” (“أونكتاد” UNCTAD) .

واستمر الوضع على ذلك النحو حوالي ثلاثة عقود حتى بداية ثمانينيات القرن الماضي حيث بدأ تنامي دور القطاع الخاص وقوى السوق وتراجع دور الدولة في الإنتاج والخدمات ، وعملت إدارتي “رونالد ريجان” في الولايات المتحدة الأمريكية و”مارجريت ثاتشر” في المملكة المتحدة على فرض مجموعة من السياسات النيو- ليبرالية التي تخدم مصالح الشركات متعددة الجنسية. وإلى تفكيك اتفاقيات “أونكتاد” وفرضت منظومة “بريتُّون وودز” (Bretton Woods) ومؤسساتها (“صندوق النقد الدولي” و”البنك الدولي” ووزارة المال في الولايات المتحدة) الاسس الجديدة لسياسات التجارة الدولية التي فرضت قيودها على دور وكالات الأمم المتحدة من خلال ما عرف بمصطلح “إجماع واشنطن” (Washington Consensus) وهو مصطلح صِيغَ آنذاك لتوصيف جملة محدَّدة نسبياً من وصفات سياسية اقتصادية تكّون رزمة معيارية للبلدان مرتبطة بدور قوى السوق يقابله آخر محدود للدولة تلعب من خلاله دور المنظم والمحفز للحركة الاقتصادية وبموجب سياسات غير مباشرة تبلورت ضمن سياسات تحرير التجارة و الترشيد المالي وجذب الاستثمارات الأجنبية المباشرة وإعادة أولويات المصروفات العامة والخصخصة والإصلاح الضريبي وإزالة القيود التنظيمية وتحرير السياسة المالية وضمان حقوق الملكية وتبني أسعار صرف تنافسية.

وجُرفت الكثير من الدول في ذلك المسار شاءت أم أبت وفرضت عليها ليبرالية أو تحرير الاقتصاد الوطني على أساس أنها قوة تاريخية حتمية لا بد من الالتزام بمسارها ولم ينظر اليها كخيارات مرتبطة بالخيارات السياسية العامة لتلك الدول وعما إذا كان تنفيذها سيؤدي إلى تحقيق وضع اقتصادي و اجتماعي افضل للمجتمع مستهلكين وعمالة وأصحاب أعمال ؟ وما هي الحزمة المناسبة من تلك السياسات التي تؤدي إلى تنمية اقتصادية؟ وما هي أفضل آليات تنفيذها ؟

وفي نفس الوقت اتسع الجدال حول العلاقة بين التجارة والتنمية ووصل الى أوجه. مع الترويج لأن اقتصاد السوق الحرة سيتبعه النمو الاقتصادي وأنه الاداة لمعالجة التحديات الاجتماعية وقامت المؤسسات الدولية من قبيل البنك الدولي وصندوق النقد الدولي بالترويج لسياسات التجارة الحرة وتقليص دور الدولة في الوقت الذي توجت فيه الدول الكبرى هيمنتها بإنشاء مؤسسة جديدة أعلن عنها في مراكش عام 1994م باسم منظمة التجارة العالمية (WTO) وتم ادراج الخدمات وحقوق الملكية الفكرية والاستثمارات والزراعة ضمن نظام التجارة العالمي، والواقع يؤكد أن معظم البلدان النامية لم تكن آنذاك تدرك العواقب والتضمينات التي نجمت عن انعقاد دورة “منظمة التجارة العالمية” في أوروجواي، على اقتصادياتها وتنميتها، بينما عملت آلة مؤسسات التمويل الدولية على تكريس تحرير التجارة وتهميش دور الحكومات واستبدال تأثيرها ونفوذها بدور السوق مع الترويج لحقوق الملكية الفكرية (IPR)، واتفاقيات الاستثمار وقوانين حتى لا يمكنها مجابهة نفوذ الشركات المتعددة الجنسية.
وأصبح إطار العمل القانوني للتجارة الحرة عبر “الجات” و”منظمة التجارة العالمية” يعاني من التناقضات بين ما هو متفق عليه في إطار العمل القانوني وبين ممارسات البلدان المتقدِّمة وعلى تناقض مع استراتيجيات التنمية الوطنية التي تصوغها البلدان النامية.

اصبحت التجارة غاية بدلا من أن تكون وسيلة والتنمية وسيلة بدلا من أن تكون غاية ووجدت الدول النامية نفسها تفتقد القدرة على وضع استراتيجياتها وسياساتها التنموية التي تمكنها من خدمة مصالحها وأولوياتها الوطنية ، واليوم تجد الدول النامية الاعضاء في “مجموعة السبع والسبعين” (G77) نفسها في مأزق ، أن النظام التجاري الحر بالكامل الذي اعتقدت مع نهاية التسعينيات أنها ستستفيد منه لا يفيدها ، لأنها تفتقر إلى القدرة على الاستفادة منه، وأن البلدان المتقدمة خدعتها بعقد اتفاقيات ثنائية مجحفة وغير متكافئة أبطلت المرونة التي توفرت لها ضمن أطر “منظمة التجارة العالمية”. وهي اتفاقيات تعدت تقييدات اتفاقيات التبادل التجاري الى الأطر الاقتصادية والاجتماعية والبيئية وتحقق من خلالها المصالح التي أخفقت في تحقيقها من خلال نظام متعدد الأطراف، المتمثل في “منظمة التجارة العالمية”. وتجاوز محتواها تجارة السلع لتشمل الاستثمار والمشتريات الحكومية والتنافس.

ان ما دعاني لكتابة هذا المقال ليس ملتقى عمان الاقتصادي الثالث بحد ذاته لأنه من المؤكد ان لمثل هذه المؤتمرات اهمية كبيرة في رفع التوصيات وتحديد السياسات التي يتوجب العمل بها ، ولكن ضيوف شرف الملتقى الذين يمثلون رموز لسياسات ثبت فشلها وتعمل الكثير من الدول على معالجة اعراض تلك السياسات، والرسالة التي يوحي بها الملتقى والتي تتمثل في التالي:-
(1) إما ان يكون المُشرفون على الملتقى (أ) مُصرِين على ترويج تلك السياسات وكأن شيئاً لم يكن (ب) والتأكيد على ان الحكومة ترغب في محاورة نفسها ولا تريد الاستماع لأي رأي آخر كما تشير الى ذلك قائمة المتحدثين (2) أو أن نوايا المشرفين كانت حسنة لكنهم لا يدركون الحاجة للتحرر من المتاهة وتتحمل الشركة المنظمة للملتقى كامل المسؤولية.

وفي جميع الاحوال كنا نتمنى منهم مواكبة للتغيرات التي تمر بها المنطقة والحراك الذي يتطلع الى تحقيق العدل الاجتماعي وتحقيق الرفاه عدم استضافة الرموز التي تمثل النموذج الاقتصادي الذي تسعى الكثير من الدول ان تبتعد عنه وأن تحاول التعرف على السياسات البديلة من قبيل تلك التي تطرحها بعض المنظمات غير الحكومية مثل “شبكة المنظمات العربية غير الحكومية للتنمية” التي حذرت من الاستمرار في مثل تلك السياسات او العودة اليها ، وفي دراسة نشرتها المنظمة في ديسمبر 2011م ركزت على تونس ومصر، اعتبرت بأن الدول العربية حققت نموا اقتصادي جيد على مدى ثلاثة عقود نتيجة تبني سياسات اقتصادية ليبرالية وذلك بتحرير التجارة والاستثمار والتوسع في الاقتراض وبيع الاصول الحكومية ولكن لم يؤدي ذلك الى تحسن مستوى معيشة الناس بل لقد كان من نتائج نمو الناتج المحلي الاجمالي “تهميش الاهداف التنموية وحقوق الناس الاقتصادية والاجتماعية”.

كما ان السياسات الاقتصادية السابقة والتي ركزت على محاربة التضخم وجذب الاستثمارات الاجنبية المباشرة والانفتاح على التجارة والتدفقات الرأسمالية، والتي تمت بتوصيات ومباركة المؤسسات التنموية والمالية الاقليمية ومتعددة الاطراف ادت الى اضعاف القدرات الانتاجية الوطنية ولم تعالج قضايا التوزيع غير العادل للموارد ولم تؤدى الى تمكين الناس وبناء مجتمعات مدنية قائمة على اساس الحقوق واحترام الواجبات. لذا، كان من نتائج تلك السياسات زيادة نسب البطالة والفقر واللامساواة بالرغم من الارتفاع الجيد والمستمر في أداء اقتصاديات الدول العربية، وعلى المستوى السياسي أصبحت النخبة السياسية داعمة ومكملة للقوى الاقتصادية التي تبنت السياسات النيو ليبرالية الاقتصادية وتخلت عن مشروع الدولة مما ادى الى تزايد الفجوة بين النخبة السياسية وعامة الناس ولذلك تحول مشروع النيو ليبرالية الى معزز للممارسات «القمعية واللاديمقراطية القائمة أصلا في المنطقة».

وإبان الحراك الذي بدأ بتونس ثم مصر وتبعه في العديد من الدول العربية الأخرى، أشارت الدارسة الى زيادة نشاط نفس تلك المؤسسات في تقديم النصح والمشورة لما ينبغي أن تقوم به الدول العربية و”مقترحاتها المتعلقة بالشراكة الاقتصادية، فضلا عن آمالها وتوقعاتها…” في الانتقال الى الديمقراطية وتقليل الفروقات الاجتماعية ومعالجة مشكلة البحث عن عمل. وحذرت الدراسة بأن المشورة التي تقدمها هذه المؤسسات هذه المرة أيضا، صندوق النقد الدولي وشقيقه البنك الدولي على سبيل المثال، لا تركز على البرامج التي من شأنها زيادة فرص العمل وخفض الفقر واحترام العملية الديمقراطية “بالرغم من أن هذه الاهداف كلها تنعكس في بيان مهمة البنك أصلا”. ولم يتوان صندوق النقد الدولي ، كما ترى الدراسة، الى فصل المشاكل الاقتصادية والاجتماعية عنها بل اعتبرتها نتيجة للأنظمة غير الديمقراطية وليس في النموذج الاقتصادي الذي كانت تروج له “وليس باعتبار هذا النموذج الاقتصادي فاشلا في حد ذاته”. “وبالتالي، فقد تمحورت توصياته حول نقاط من شأنها تعزيز الخيارات الاقتصادية التي روج لها في عهود الانظمة السابقة، وتجنب مناقشة عدم ملائمة مثل تلك الخيارات بالنسبة الى التحديات التنموية التي تواجه البلدان العربية.”

واستخلصت الدراسة ضرورة الاستفادة من تطورات الاوضاع العربية والحراك الاجتماعي لتوجيه دفة الاصلاح الدستوري وإصلاح القوانين والإجراءات والفصل بين السلطة التشريعية والقضائية والى ضرورة التصدي للسياسات الاقتصادية والاجتماعية التي تعتبرها مجرد “اعادة التغليف الخطابي” التي تقوم بها المؤسسات الدولية بدلا من طرح سياسات تنموية بديلة وبأن الفرصة مواتية لتبني سياسات اقتصادية كلية نحو تحقيق تنمية مستدامة قائمة على اساس التوزيع العادل للموارد بين كافة أفراد المجتمع.

ان طوق النجاة يكمن في استيعاب روح العصر، و تعزيز المشاركة وترسيخ مبادئ حقوق الإنسان وكرامته والاهتمام بالحريات العامة والخاصة ، و محاربة الفساد والبيروقراطية والاحتكار وتحقيق الشفافية في الحياة المالية والسياسية والمحافظة على المال العام ، والتعديلات الاخيرة للنظام الاساسي للدولة ستساهم في تحقيق بعض ذلك ، وعلى الحكومة يقع عبء حماية الوطن من التأثيرات المختلفة من خلال برنامج واضح ومحدد للتقدم بشعبها نحو تغيير أفضل حتى تسهم بتجنيب المجتمع من الانحدار في منزلقات خطيرة .

إن التغيير هو سنة الحياة ومنهج التطور وهو منطق طبيعي ينعكس على السياسات وهناك شبه إجماع بأن التغيير واجب وحتمي، وذلك حفاظا على استقرارنا ، والعقل يدعو إلى إيجاد صيغ مقبولة من دون تفريط أو إفراط. وتحديد كيف يمكن نزع مواطن التوتر في المجتمع والتخفيف من حالات الاحتقان، واستشعار سليم لمجريات الأحداث لمصلحة السير في طريق الإصلاح ، ومما لا شك فيه فإن الامر يتطلب مواجهة الكثير من التحديات التي تتعلق بالنهوض بالمستوى المعيشي للمواطن في السلطنة ، والأمر يتطلب إعادة صياغة الخطة الخمسية الثامنة ، ودراسة وتحليل أسباب عدم تمكن الخطط الخمسية المتتابعة منذ الخطة الخمسية الاولى التي صدرت في سنة 1976م مرورا برؤية 2020 و تقرير التنمية البشرية لعمان الصادر سنة 2003م من تحقيق اهدافها الرئيسية ، ووضع اجندة وطنية للتنمية تعكس واقع المجتمع العماني وخصوصيته تنبثق عن نتائج نقاشات تتم بين مؤسسات الدولة والأكاديميين ومؤسسات القطاع الخاص والمجتمع المدني، والله وراء القصد