مطالبات عاجلة لمجلسي الشورى والدولة

اعتقال الأجهزة الأمنية للناشطة حبيبة الهنائي، والناشط اسماعيل المقبالي، والمحامي يعقوب الخروصي، يوم الخميس 31 مايو 2012، وهم في طريقهم لمعرفة أحداث اضرابات عمال حقول النفط في الصحراء العمانية، بقدر ما يستوجب المطالبة بالإفراج عنهم فوراً دون قيدٍ أو شرط، فإنه يستوجب أيضاً ضرورة أن يسارع مجلسي الشورى والدولة إلى المطالبة بإلغاء عدد من التعديلات التي تمت على قانون الجزاء العماني في العام 2011م؛ فالتعديلات التي تمت بموجب المرسوم رقم 59/2011م، على المادة رقم 31، فقرة رقم 3، أعطت الصلاحيات لضباط جهات الأمن العام، بدءً من رتبة جندي، لوقف الأفراد والقبض عليهم، وهو ما يعتبر تعدياً واضحاً وصريحاً على حرية المواطنين وحقوقهم الأساسية المنصوص عليها في النظام الأساسي للدولة.

وتعتبر بعض التعديلات التي تمت على قانون الجزاء العماني عام 2011م تراجعاً كبيراً عن الحالة المتقدمة نسبياً التي كنا عليها منذ 37 عاماً، ففي حين كانت المادة 135 في قانون الجزاء العماني الصادر بتاريخ 1974م، بموجب المرسوم رقم 7/74، محددة ودقيقة في تجريمها لكل من نشر “وقائع ملفقة أو مزاعم كاذبة لإحداث التدني في أوراق النقد الوطني، أو لزعزعة الثقة بما له علاقة بمكانة الدولة المالية” إذ بالتعديل الذي تم بموجب المرسوم رقم 96/2011م، على نفس المادة رقم 135 تحت عنوان “في النيل من مكانة الدولة” تجعل هذا التجريم واسعاً وفضفاضاً، حيث نصت التعديلات الجديدة، على تجريم : “كل من حرض أو أذاع أو نشر عمداً في الداخل والخارج أخباراً أو بيانات أو اشاعات كاذبة أو مغرضة أو بث دعايات مثيرة وكان من شأن ذلك النيل من هيبة الدولة..” وواضح أن عبارة “النيل من هيبة الدولة” واسعة وفضفاضة إلى حد أنها تصبح تهديداً خطيراً لحرية الرأي والتعبير.
ولايمكن، بأي حال من الأحوال، أن يعمل مجلسي الدولة والشورى على إجراء تعديلات في قانون المطبوعات والنشر دون إجراء مراجعة شاملة وجذرية لهذه المادة تحديداً، ولغيرها من المواد التي تم تعديلها في قانون الجزاء الصادرة في العام 2011م، والتي قد يتناقض بعضها تماماً مع التغييرات الجديدة التي يجري إعدادها لقانون المطبوعات والنشر، والتي نأمل أن تأتي ترسيخاً لحق المواطنين في التعبير عن آرائهم وأفكارهم.
لم يكن خافياً على أحد أن التعديلات التي تمت في عام 2011م على قانون الجزاء العماني هي محاولة من الأجهزة الأمنية للإبقاء على دورها القديم في السيطرة والتدخل في الحياة المدنية، ومصادرة حرية الرأي والتعبير، لذا فإن الإبقاء على هذه المواد في قانون الجزاء العماني بصيغتها الحالية قد يؤدي – كما حدث مؤخراً مع حبيبة الهنائي واسماعيل المقبالي ويعقوب الخروصي- إلى اساءة استخدامها دون وجه حق، وبالتالي تقديم صورة سلبية عن البلد، وهو ما حدث فعلاً، فقد توالت الإدانات لهذا الإعتقال على مختلف المستويات الداخلية والخارجية، ويكفي الآن تغريدة واحدة في التويتر، أو بيان بسيط في الفيس بوك لينتشر الخبر ويصل إلى عشرات الآلاف من المواطنين في العالم العربي، والمنظمات الإقليمية والدولية، فضلاً عن أن مثل هذه التصرفات لا تؤدي إلا إلى إثارة الغضب والإحتقان الشعبي من جديد.
علينا أن نتذكر أن أحداث 26 فبراير في صحار أحد أسباب اندلاعها هو قائد الشرطة السابق الذي روي عنه أنه قال “سيحرر صحار”! وكذلك ضابط الشرطة الذي تصرف بشكل أهوج فأطلق الرصاص الذي أدى إلى مقتل الشهيد عبدالله الغملاسي. ولو بحثنا في أسباب إندلاع كل هذه الإحتجاجات التي لم تتوقف حتى الآن
ناصر صالح
في بلدان الربيع العربي فسنجد أن شرارتها الأولى اندلعت من إعتداء أجهز الأمن على المواطنين! فكثيراً ما تنسى هذه الأجهزة دورها الأساسي في الحفاظ على كيان الدولة وأمنها، وتتحول إلى سلطة قمع واستبداد وإهانة لكرامة المواطنين ومصادرة لحقوقهم، وهو ما يؤدي إلى تأجيج السخط والغضب الشعبي!
لقد أعطت سلسلة الإصلاحات الدستورية والتشريعية والرقابية والقضائية التي تمت في عُمان منذ عام 2011م مؤشراً واضحاً على رغبة حقيقية في استكمال بناء دولة مدنية تتمتع بقدر من الإستقلال بين السلطات التشريعية، والتنفيذية، والقضائية، وبصلاحيات تشريعية ورقابية واسعة لمجلسي الدولة والشورى، وبضمان الحقوق الأساسية للمواطنين، وفي هذه الحالة يصبح دور الأجهزة الأمنية والشرطية مقيداً في إطار مبادىء النظام الأساسي للدولة والقوانين السارية، وهذه هي الحالة الطبيعية والصحية في كل الدول الديمقراطية، لذا فإن على مجلسي الشورى والدولة واجب ومسؤولية مراجعة كافة القوانين الحالية وتعديلها بما يتسق ولايتناقض مع المبادئ المنصوص عليها في النظام الأساسي للدولة، وبما يضمن حق المواطنين جميعاً في الحرية، والكرامة، والعدالة، والمساواة، وتحقيق المصالح العليا للدولة.