مصطفى العقاد .. قدّم “الرسالة” الإسلامية في هوليوود ورحل كـ”أسد الصحراء”

٢٠١٢١١١١-١٦٥٠٢٠.jpg

في مثل هذا اليوم من عام 2005، فارق المخرج السوري الأمريكي مصطفى العقاد الحياة ، متأثرا بجراحه بعد أن أصيب في انفجار قوي هز أحد فنادق العاصمة الأردنية عمان، ليرحل أول اسم عربي حقق شهرة من داخل مؤسسة هوليوود، وأخرج أبرز فيلمين سيظل مرتبطا بهما عربيا وهما فيلمي:”الرسالة” و “أسد الصحراء/ عمر المختار”، فيما عرف أمريكيا بارتباطه بسلسلة أفلام الرعب “هالوين” .
من حلب إلى كاليفورنيا
ولد العقاد في مدينة حلب عام 1935 لأسرة فقيرة ومتواضعة وتلقى تعليمه الإعدادي والثانوي في مدينته وبمجرد إنهائه مرحلة التعليم الثانوي بدأت ميوله تتجه نحو الفن السابع حيث قرر السفر إلى الولايات المتحدة الأمريكية لدراسة السينما في كاليفورنيا عام 1954. كان هذا القرار بمثابة النكتة لأفراد عائلته التي لم تكن تبحث إلا عن قوت يومها، ويستذكر العقاد هذا الحدث في عدة لقاءات صحفية بقوله: “قالوا لي (احلم على قدك) ونصحوني بالدراسة في دمشق أو مصر، لكنني كنت مصمما على هوليوود، وكانت هذه الفكرة جنونية بكل ما تحمله الكلمة من معنى، في ظل الأوضاع الصعبة التي كنا نعيشها، فلم يجد والدي ما يقدمه لي سوى مصحف و200 دولار”.
اقتحام هوليوود
تخرج العقاد بعد أربع سنوات ليبدأ رحلة البحث عن عمل بين الشركات السينمائية ، وكانت المفاجأة أن رفضت سبعة استوديوهات ضخمة ومعظم محطات التلفزة ووكالات الإعلان توظيفه. وفي عام 1962 استطاع العقاد ان يقتحم أبواب هوليود ويعمل مخرجا ومنتجا منفذا وممثلا, وظل على هذا الحال طيلة 45 عاما، اعترف العقاد أن دخول عالم هوليوود لم يكن بالسهولة التي يتصورها الناس، خاصة مع شخص عربي مسلم يحمل أحد أسماء الرسول صلى الله عليه وسلم، لكنه في الوقت ذاته كان يشير إلى إمكانية تخلصه من اسمه على غرار “بعض العرب” ليتمكن من دخول عوالم المال والسلطة والشهرة في هوليوود إلا أن المسألة بالنسبة إليه كانت “مسألة مبدئية”، واستطاع فيما بعد أن يفرض حرفيته وأخلاقيته على العاملين معه في هوليوود. كما أنه اعترف بوجود اللوبي الصهيوني والمال اليهودي وراء إنتاج الأفلام في هوليوود إلا أنه كانو يدعو العرب للتخلص من فكرة الشماعة والبحث عن وسائل أكثر ابداعية تخدم قضاياهم.
“الرسالة”
برز اسم العقاد باكراً في عاصمة السينما العالمية “هوليوود” ، وذاع صيته بعد أن قدم فيلم “الرسالة” في منتصف السبعينات باللغة العربية والإنجليزية، من بطولة النجمين العالمين “أنطوني كوين” و”ايرين باباس” والذي اعتمد فيه على كفاءات فنية وكتاب من وزن ثقيل كتوفيق الحكيم ويوسف ادريس ، حيث ناقش الفيلم موضوع الرسالة الإسلامية بأسلوب رصين ووازن فيه العقاد بين المرجعيات وآراء رجال الدين الإسلامي ليقدم أهم تحفة سينمائية فنية عالمية عن الإسلام لا زالت تعرض على الشاشات العربية في المناسبات الدينية.
يقول العقاد عن هذه التجربة: “كان موضوع الفيلم شخصياً بالنسبة لي، شعرت بواجبي كمسلم عاش في الغرب بأن أقوم بذكر الحقيقة عن الإسلام، إنه دين لديه 700 مليون تابع في العالم، هناك فقط القليل المعروف عنه مما فاجأني، لقد رأيت الحاجة أن أخبر القصة التي ستصل بين ضفتي هذا الجسر، هذه الثغرة إلى الغرب”، وأشار العقاد بنفسه إلى أن وزارة الدفاع الأمريكية (البنتاغون) اشترت اكثر من 1000 نسخة من هذا الفيلم لعرضها على جنودها الذاهبين إلى أفغانستان.
“أسد الصحراء”
وفي عام 1981 أخرج مصطفى العقاد فيلم “أسد الصحراء، عمر المختار” بالإنجليزية، وتناول فيه بطولة الشعب الليبي ضد الاحتلال الإيطالي تحت قيادة عمر المختار، ثم تم دبلجة هذا الفيلم للغة العربية، وأحدث ضجة كبيرة حين ساهم في تعريف الأجيال العربية بواحد من أشهر المناضلين ضد الاستعمار الغربي.
عوائق تعترض الطموح
هوجم العقاد بعد انتاجه فيلمي “الرسالة” و “عمر المختار”، وحاول الكثيرون تكفيره بعد تجسيده الأحداث التاريخية بالسينما، وكان دائما ما يدافع عن أهمية السينما في صناعة التاريخ الإسلامي بربطها بمخترع مبادئ التصوير الأولى وهو العالم المسلم الحسن بن الهيثم.
أحلام لم تتوقف
بحجم الطموح الذي أوصل العقاد إلى هوليوود كانت هنالك أحلام كبيرة تؤرق مضجعه، من بينها إنتاج فيلم ضخم عن صلاح الدين أراد به تثبيت عروبة فلسطين، وفي أحاديثه الكثيرة أعطى العقاد فكرة أن نص الفيلم قد تم تجهيزه، وأعده كاتب امريكي، كما أنه أوحى إلى استعانته بممثلين كبار أمثال البريطاني “شون كونري” بطل أفلام “جيمس بوند” ولكن المشكلة في بحثه عن تمويل لهذا المشروع الكبير.
وتحدث العقاد قبل رحيله أيضا عن رغبته بإخراج فيلم يروي قصة ملك في انجلترا طلب من الخليفة المسلم في الأندلس جعل مملكته مملكة مسلمة، بالإضافة إلى تحدثه الدائم عن فيلم عن صبيحة الأندلسية .
وكان العقاد يتفاعل مع كل مأساة تصيب العالم العربي والاسلامي فيفكر في إخراج أفلام، فحين اندلعت حرب البوسنة فكر في إنتاج فيلم بعنوان “وامعتصماه” ، وعند تدمير الجيش الروسي مدينة غروزني فكر بإنتاج فيلم عن الثائر الشيشاني “محمد شامل”،. وقبل وفاته تحدث العقاد عن فكرة اخراج فيلم عن أسامة بن لادن، وقال أن هناك اختلافاً في تعريف من يكون بن لادن،
لكن الأقدار كانت أقرب إليه فاغتيل في العاصمة الأردنية أثناءحضوره حفل زفاف أحد أصدقاء ليعود إلى حلب مدينته التي طالما حلم بالعودة إليها محمولا على الأكتاف.

إعداد:
رحمة الصوافي – البلد