مشكلات تتتابع وأزمات تتوالى

٢٠١٢٠٧٣١-٢٢٠٣٢٩.jpg

مشكلات تتتابع وأزمات تتوالى .. المواطن سعود الفارسي يرى في مقالته إن الأوضاع والأمور بين مد وجزر، وإن معظم المشاكل تحتاج إلى تحليل للوصول إلى حل جذري. سعود الفارسي بعث هذا المقال والبلد تنشره كما جاء

.. السؤال
المنطقي الذي يجب الوقوف معه في كل تلك الأحوال بتمعن وتدبر؛ حتى تكون لدينا استراتيجية واضحة نسير عليها لتحقيق ما نصبو إليه يكمن في كلمتين فقط لا ثالث لهما: ” وماذا بعد؟؟”

مشكلتنا جميعا -حكومة وشعبا- عندما نتحدث عن مشكلات ما؛ نركز على طرح المشكلة كما هي دون محاولة لتحليلها أوالوصول إلى ” نواتها “، ومن ثم إيجاد ووضع وخلق الحلول الناجعة التي من شأنها اجتثاث تلك المشكلات واقتلاعها من جذورها، فمن جهة تجد أن الرأي العام يناقش المشكلات في شكل نقد لاذع وبصيغة ملؤها الحسرة والبئس واليأس من الحياة. مع توجيه أصابع الاتهام إلى فلان وفلان وفلان دون التفكر في أصل المشكلة من أين أتت وماهي الحلول المثلى للتخلص منها؟ ومادوره هو في القضاء عليها؟ وهل كان هو أحد أسباب وجود مثل تلك الاشكالات أو أحد أسباب تفاقمها ؟؟

في المقابل نجد الجهات الحكومية التي في كثير من الأحيان تفتقر إلى وجود استراتيجيات واضحة وخطة عمل منطقية عملية؛ بل وتعاني من جمود في فكر كثيرين من صناع القرار بها من أؤلئك الذين يرفضون التجديد رغم كل المتغيرات، ومايستتبعه ذلك من لزوم التطوير .. تجد الحكومة عاجزة عن إيجاد الحلول الحقيقية لتلك المشكلات مما يدفعها للعمل على إيجاد حلول وقتية لا تمثل في حقيقتها سوى إبر مخدرة لوقت من الزمان؛ لعلها تجد مصباحا سحريا في لحظة ما يخرج منها الجني الذي سيأتيها بأفضل الحلول للمشكلات. وماهي إلا أيام وتصدم الحكومة أن تلك الحلول الارتجالية التي تكون قد كلفت خزانة الدولة ملايين الريالات تجدها أنتجت مشكلات أكثر وأكبر من تلك التي وضعت لعلاجها!! وتضطر بعدها لعلاج تلك المشكلات الناتجة بحلول وقتية أخرى .. وهكذا دواليك ..

المشكلات تتفاقم وتتكاثر والحكومة لم تخرج بعد من المأزق الأول لتجد نفسها واقعة في مأزق آخر، ونتيجة لذلك يزداد السخط الشعبي، وتتكبد الخزانة العامة ملايين الريالات من الخسائر. والمواطن يسمع عن تلك الريالات التي تصرف يمنة ويسرة في الوقت الذي يكون هو بحاجة فيه إلى الريال !! من كل ذلك تتولد أزمة ثقة حقيقية بين الحكومة والمواطن تتمثل في أن المواطن يرى أن الحكومة تقتر عليه تقتيرا في حين أن خزائنها مفتوحة على مصراعيها في الإنفاق على المشروعات الحكومية !! وما إن يزداد السخط الشعبي وتتعالى الهتافات وتجد الحكومات نفسها في مأزق حقيقي لا تجد أمامها سوى اللجوء إلى الحلول الأمنية لاحتواء المواقف وفرض السيطرة، إلا أن تلك الحلول غالباً ماتكون نتائجها عكسية وتقابل بسخط أكبر وتتعالى وتيرة التعامل بين الأطراف لنصل إلى نوع من المواجهة .. والضحية الأكيدة في كل تلك المواقف هي ” الوطن ” !!

شخصيا أعول كثيرا على المجلس الأعلى للتخطيط لانتشال الوطن من الحالة التي يمر بها؛ لذلك كنت قد أشرت في إحدى مقالاتي السابقة الذي عنونته بـ “هل سيولد المجلس الأعلى للتخطيط … مشوهاً ؟؟” كنت قد أشرت إلى ضرورة أن تكون عضوية ذلك المجلس من غير رجالات الحكومة، وكذلك من غير رجالات الأجهزة الأمنية .. بل يجب أن تكون العضوية لعقول مبتكرة لديها بعد نظر ذات خبرة في التخطيط والإدارة وتتمتع باستقلال حقيقي عن جهات التنفيذ .. وذلك لايماني التام أن التخطيط ووجود استراتيجية واضحة موضوعة من قبل جهة محايدة لا تتبع الحكومة بشكلها التنفيذي ولا تتبعها كذلك في شكلها الأمني من شأنه ضمان حيادية تلك الاستراتيجيات وموضوعيتها .. ولإيماني كذلك أن الحكومة الحالية من واقع مشاهد ليس لديها من جديد تقدمه كما أن كثيرا من الحلول التي تقدمها كما سبق وقلت ماهي إلا وقتيه سرعان مانفاجأ بأنها تولد مشكلات أكبر وأكثر ، فمثلا .. مشكلة البطالة “البحث عن عمل”؛ هل يكون حلها بمثل تلك الطريقة من التوظيف العشوائي !! نعم أمر مولانا حفظه الله بتوفير عشرات الآلاف من الوظائف لكن ليس معنى ذلك أن يكون التوظيف عشوائيا !!
من المشكلات التي نتجت عن ذلك الاستعجال والعشوائية أن كثير من الموظفين تم توظيفهم على غير تخصصاتهم مما دفع بكثير منهم إلى اللجوء لمحكمة القضاء الإداري مايعني أنهم يختصمون مع جهات عملهم في تلك المحكمة؛ مايعني أن تلك الجهات الآن تبذل الكثير من الجهد والمال للدفاع عن نفسها وغيره!!
وهذا بدوره يؤدي لمشكلة أخرى وهو تشتت تركيز الجهات فبدلا من أن تركز على أداء وظيفتها واختصاصها كل التركيز تجد أن جزءاً كبيرا من ذلك التركيز يتوجه إلى كيفية حل المشكلات الأخرى الجديدة!! وحتى وإن سلمنا أن التوظيف بتلك الطريقة كان حلاً ..

السؤال الذي يليه هل فعلا الحكومة محتاجة لكل تلك الآلاف من الموظفين ؟؟ الإجابة وبشكل قاطع ستكون لا!! هذا يعني أن هنالك أعداد من البطالة المقنعة في بعض الجهات في حين أن بعض الجهات الأخرى تعاني من نقص وعجز في عدد الموظفين !! اذاً ما الحل ياترى ؟؟!! دعونا نحلل المشكلة منطقيا .. أولا يجب أن نعترف أن ظاهرة البطالة هي ظاهرة عالمية ترتبط بظروف عالمية كثيرة، ولكن مايهمنا أن نركز عليه هنا هو كيفية تعامل كثير من الدول مع تلك الظاهرة وكيف تعاملنا نحن ؟! كثير من الدول تعمد إلى مد شبابها بسلاح العلم والشهادة ، بالمقابل نحن ولفترة طويلة من الزمن كنا نرمي بمن لم يحصل على معدل مرتفع جدا في الثانوية العامة في الشارع ، فلا نحن أعطيناه وظيفة يعتاش منها ولا نحن مددناه بسلاح العلم والشهادة ليبحث لنفسه عن وظيفة بل حتى قد يستطيع استخدام الشهادة للعمل في الخارج كما هو الحال بكثير من الموظفين بالشركات الوطنية من الأجانب، وسنة بعد سنة كانت تتكدس آلاف الأعداد من مخرجات الثانوية دون محاولة إيجاد حل حقيقي لهم !! طيب .. الآن .. ما الحل ؟ الحل بسيط جدا لا يحتاج إلى اختراع .. يكمن في توسيع قاعدة الجامعات الحكومية فلا جامعة ولا اثنتان ولا حتى ثلاث جامعات تكفي لمجتمع كالمجتمع العماني الذي يتميز بأنه مجتمع فتي أغلب سكانه من الشباب !!
ما أود قوله أن التعامل مع المشكلات يجب أن يبدأ بتحليل حقيقي للمشكلة من كافة جوانبها ومن ثم معرفة الأوضاع المرتبطة وأخيرا النظر في إيجاد حلول حقيقية من شأنها تقليل آثار نتائج تلك الظواهر والمشكلات شيئا فشيئا إلى حين التخلص منها .

ختاما .. يجب علينا جميعا حكومة وشعبا أن نقتنع ونتذكر بأننا نكمل بعضنا وأننا نمثل مجتمع واحد متكامل يجب أن نحرص على بث التوازن فيه ويجب أن نكون جميعا شركاء في بناء ملامحه فنحن كلنا نركب على ظهر نفس المركب فإذا وصل إلى بر الأمن نجونا جميعا، وإذا اختلفنا وتصادمنا خرق ذاك المركب وغرقنا جميعا، و من ثَم دعونا جميع نطرح على انفسنا ذلك السؤال “وماذا بعد ؟!” حتى نخرج بالوطن من الأزمات والمواجهات ونحافظ عليه بأمنه وأمانه وإنسانه ومسؤوله بأحسن وضع وأكمل صورة