مدونة ” أرني عينيك كي تراني” تبعث تساؤلات من كوريا

تُعد كوريا الجنوبية من الشواهد الحديثة على قدرة الدول على تسخير إمكاناتها المُتاحة من أجل تحقيق إنجازات غير مسبوقة؛ تجعل الآخرين يقفون احتراماً لها وتقديراً لطموحاتها في الوصول إلى قمة التطور و الرقي رغم حداثة عهدها و ضعف مواردها الطبيعية .
الكاتب هلال البادي يقوم بزيارة إلى سيول و شاهد عن قرب ما تحقق و ما يتحقق من إنجازات ضخمة في هذه الدولة و كتب المقال التالي محاولا طرح مقارنة مع ما يحدث في عمان و طرح تساؤلات عميقة .
البلد تنقل لكم المقال كما جاء في مدونته  ” أرني عينيك كي تراني
أكتب الآن من كوريا الجنوبية، حيث يمكن مشاهدة كيف يمكن للنظام واحترام الذات أن يصنعا دولة عصرية من لا شيء، الدقة ومعرفة أن العلم هو الطريق للغد جعل من كوريا الجنوبية دولة من الدول الكبيرة في العالم، حيث وبحسب ما أخبرت فإن العاصمة الكورية الجنوبية سيئول هي ثاني أو ثالث أغلى مدينة في العالم، ولم يتأت هذا الأمر هكذا، بل من خلال العمل ومن خلال الجدية في الطرح.
واليوم لا أحد ينكر أن أفضل هاتف في العالم هو هاتف ينتج في كوريا الجنوبية، وبأن أفضل شاشة تلفازية هي شاشة كورية جنوبية، وبأن سيارات هايونداي وكيا تحتل المركز الخامس على مستوى العالم، وبأن واحدا من أفضل مصانع السفن في العالم يقع في كوريا الجنوبية، وبأن واحدة من أهم الجامعات على مستوى العالم هي جامعة كورية، تحتل المركز الخامس حاليا مع أنها بدأت قبل ما يقارب من أربعين عاما
أربعون عاما أو لنقل ستون عاما لا تزيد هي عمر هذه الدولة الحديثة المتطورة، وفعليا كانت تحت الصفر أو أكثر، وها هي تتبوأ مكانة عالمية أهلتها أن تستغني عن الموارد الطبيعية وتفعل فعل اليابان فتصبح ما أصبحت عليه اليوم في المقابل، فإننا وبرغم النفط الوفير، برغم كل الموارد الطبيعية ما زالت البنية التحتية تبنى إلى اليوم مع وجود كثير من الأخطاء الفادحة، وما زالت العقلية العمانية/ العربية تؤمن بأنها أفضل شعوب الأرض قاطبة.
طوال اثنين وأربعين عاما ماذا قدمنا للعالم نحن العمانيون؟ نحن الذين نمتلك تاريخا طويلا من الإنجازات الحضارية التي يشهد لها القاصي والداني على حد سواء؟ بل ماذا نكون جوار دول مجاورة مهما انتقدناها إلا أنها تمكنت من أخذ زمام المبادرة والسير إلى منطقة بعيدة عن المنطقة التي نحن فيها؟.
نحن لا نستطيع أن نشق نفقا دون أن نفكر بأنه سيكلف وبأنه يمكن أن ينهار علينا! نحن لا نستطيع أن نفكر في إنشاء جامعة أخرى إلا بعد أن يضج الناس بأن أبناءهم لا يستطيعون مواصلة الدراسة المرتفعة التكاليف، وهي التكاليف التي لم تعد أسرة يفترض أنها متوسطة بقادرة عليها.. نحن لا نستطيع أن نفكر في تخطيط مدينة دون حسابات المصلحة الخاصة، دون أن نوزع الكعكة على بعض الرؤوس، ثم يرمى الفتات الفتات إلى بقية الناس لعلهم يألكونه! نحن لا نفكر في زراعة نخلة أو الاهتمام بها إلا إذا كان ذلك “شو” نقدمها للمقام السامي ومن بعد ذلك نصمت، فيما جيراننا الآن يصدرون تمورهم إلى أوروبا.
وأنا الآن في كوريا أضج بالأخبار التي تردني عن سلسلة اعتقالات وعن بيانات وعن تخبط “قانوني” صريح وكأننا لا نتعلم من التاريخ ولا يهمنا أصلا أن نتعلم أو أن نفهم بأن زمن العصا قد انتهى، وبأن التخويف والتكميم ومواصلة نهج وضع لاصق على الأفواه قد ذهب إلى غير رجعة، وبأن الأجيال الجديدة لا هي يسارية ولا هي يمينية ولا هي منتمية إلا إلى ذاتها التي تعي قناعاتها عبر لغة العصر، أو ما يسميه البعض بلغة “أولاد الفيس بوك والتويتر”.
يصدر الإدعاء العام بيانا فضفاضا لا يمكن أن تفهم منه ماذا يراد لنا، ويتم اعتقال الناس دون وجود مبررات قانونية سوى أنهم يحبون أوطانهم بطريقتهم التي لا تضير أحدا إلا أجهزة بعينها
ما ذنب هذا الجيل إذا كنتم تصرون على أن تفهمونا بالمقلوب؟ وهل علينا أن نصمت ولا نقول رأينا والنظام الأساسي وسلطان البلاد يخبرنا بأن لا مصادرة لحرية الفكر؟ ثم تلصقون في البعض تهما من قبيل أنهم يشتمون وبأنهم يحرضون وبأنهم يتجمهرون ما ذنب هذا الجيل إن كنتم توقفتم في منطقة واحدة ولم تعودوا تفكرون إلا بلغة قديمة ترون أنها يمكن أن تحقق كل أهدافكم والتي في واقع الأمر لا أحد يعرفها على وجه الدقة ما تكون.
ألا يحق لمواطن أن ينتقد الحكومة وأي وزير ومسئول فيها؟ ألا يحق لأي مواطن أن يبدي شعوره من أمر قامت به أي مؤسسة حكومية في هذا البلد بأي وسيلة متاحة؟ لماذا عندما عبر آلاف العمال العاملون في الصحراء عن استيائهم اعتبرتم من قام بمتابعة أحوالهم بأنهم محرضون؟ وبأن من كتب كلمة واحدة في هذا الاتجاه بات في حكم الإراهابي؟! وهل تتوقعون فعلا أن سلسلة الإجراأت التعسفية الحالية قد تفضي إلى حل؟ هل إسكات الصوت بالقوة قد يحل مشكلة أي مشكلة؟ وهل القوة مع أبناء الوطن المسالمين قد توصلنا إلى نقطة الضوء والمستقبل؟
رزمة تساؤلات ولا أعرف فعليا كيف يمكن الإجابة عليها، ولا أعرف إلى أين يمكن أن نصل؟ هل سنحقق شيئا يذكر في الغد؟ أتحسر عندما أشاهد الصور التي تمثل ماضي كوريا الجنوبية، حيث الدمار وحيث الحرب المقيتة جزت بمنجلها كل شيء، ولم يبق سوى أكوام من الخراب، فيما اليوم هي ما هي عليه من تفوق وتقدم وإنجاز.
أتحسر أكثر عندما أعلم بأنها المدة الزمنية إياها تقريبا التي بدأنا نعمر عمان فيها، تلك التي بدأت بها كوريا الجنوبية مسيرة تفوقها وتقدمها ومنجزها، ولا أحد يأتي ليقول بأنهم “غير”.. لنكف عن غرورنا بأننا الأفضل وبأن الله منحنا نعمة الإسلام ويكفينا هذا، فصدقوني إن الله يختبرنا بأن جعلنا مسلمين.. والله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم
وللحديث بقية.