محمود درويش.. صوت الحياة والحرية

٢٠١٢٠٨٠٩-١٥١١٠٣.jpg

‎”على هذه الأرض سيدة الأرض ما يستحق الحياة” … من كان يظن يوما أننا سنحيي ذكرى رحيل قائل هذا البيت الشعري بعد أن صرخت به حناجر المظلومين في أصقاع الوطن العربي في مثل هذا اليوم الـ9 من أغسطس. لم يكن صوت محمود درويش حين صدح بهذا النداء يخص فلسطين فقط، بل هي دعوة للتمسك بالحياة رغم الظلم والقهر والسجن، دعوة لنبذ الحزن واليأس، دعوة للكفاح والحرية، فعانق بهذا النداء الملايين .

هكذا كان محمود دوريش شاعر فلسطين الأول الذي استطاع أن يتربع على عرش الشعر العربي الحديث وساهم بتطويره عبر شعر “التفعيلة” وإدخال الرمزية فيه، مُقرنا اسمه بالمقاومة الفلسطينة وحب الحياة، والكفاح من أجل العيش. داعيا من خلال شعره إلى الوحدة العربية ونبذ العنف بين الأخوة العرب والتركيز على مقاومة العدو الوحيد ألا وهي “الدولة الصهيونية”. ولم يكن ذلك فحسب وإنما سطر أروع الأبيات التي قيلت في الحب، وامتزجت كثيرا بالوطن والأنثى، وصارت مزارا لكل العاشقين.

ولد محمود درويش في قرية البروة وهي قرية فلسطينة تقع قرب ساحل عكا في عام 1941، وبعد نكبة 1948 اضطرت عائلته للخروج برفقة اللاجئين الفلسطينين إلى لبنان، ثم عادت متسللة وسكنت في قرية الجديدة.

“أخي العبري”

بدأ محمود درويش كتابة الشعر في سن مبكرة، ولاقى تشجيعا من بعض معلميه في المدرسة. وقد ألقى في يوم الذكرى العاشرة للنكبة في عام 1958 قصيدة بعنوان “أخي العبري” في احتفال أقامته مدرسته، حيث حوت القصيدة مقارنة بين ظروف حياة الأطفال العرب مقابل الأطفال اليهود، فتم على إثرها استدعائه إلى مكتب الحاكم العسكري الذي قام بتوبيخه وهدده بفصل أبيه من العمل في المحجر إذا استمر بتأليف أشعار شبيهة.

بداية نشاطه السياسي

انضم محمود درويش إلى الحزب الشيوعي في أراضي 48 ، وبعد أن أنهى تعليمه الثانوي، قام بكتابة كثير من القصائد والمقالات في صحيفة “الاتحاد”، ومجلة “الجديد” حيث أصبح بعد ذلك مشرفا على تحريرها. كما اشترك في تحرير جريدة “الفجر”.
وكانت قصائده ومقالاته التي تدعو إلى مقاومة الاحتلال الصهيوني والكفاح من أجل الحفاظ على الأراضي الفلسطينة القشة التي تمسك بها الاحتلال لاعتقاله، فاعتقل أكثر من مرّة منذ العام 1961 بتهم تتعلق بأقواله ونشاطاته السياسية.
في عام 1972 نزح محمود درويش إلى مصر وانتقل بعدها الى لبنان حيث عمل في مؤسسات النشر والدراسات التابعة لمنظمة التحرير الفلسطينية .

عاش درويش في بيروت منذ عام 1973 وعمل رئيسا لتحرير مجلة “شؤون فلسطينية” في تلك الفترة وأصبح بعد ذلك مديرا لمركز أبحاث منظمة التحرير الفلسطينية، حتى ترك بيروت بعد حرب لبنان عام 1982 حينما حوصرت بيروت لشهرين وتم طرد منظمة التحرير الفلسطينية منها.

شغل منصب رئيس رابطة الكتاب والصحفيين الفلسطينيين وأسس مجلة الكرمل، واستقال عام 1993 من اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية احتجاجا على توقيع المنظمة اتفاق سلام مع الاحتلال الصهيوني فيما يعرف باتفاقية أوسلو.

شعره

استطاع محمود درويش من خلال قصائده التي طبعت في دواوين أن يحقق جماهيرية كبيرة في نفوس أبناء الوطن العربي حين لامس وجدانهم وقضاياهم فتجاوز بها المكان ومحا الحدود الجغرافية ، فكان ولا يزال شاعر القضية الفلسطينية حين نجح وتحمل عبء هذه الصفة من غير أن يتخلى عنها لحظة.
من بين هذه الدواوين : “عصافير بلا أجنحة”، “العصافير تموت في الجليل”، “حبيبتي تنهض من نومها”، “شيء عن الوطن”، “أثر الفراشة”، “في حضرة الغياب”، و “لماذا تركت الحصان وحيدا”

تقول سهام جبار- أكاديمية وناقدة عراقية : “شعر درويش أنيق ظاهر غير موغل في مغيبات أو ميتافيزيقيات أو بلاغة معرقلة بساطة المعنى ووضوحه.. شعر درويش يحمل من الطزاجة ما يجعله حاضراً، ومصوَّراً وموسيقياً. وفي هذا حقق درويش خصوصيته بوصفه الشاعر العربي الوريث للشاعر القديم الذاب عن قبيلته وصوتها الممثل لكيانها في أسهل صورة ممكنة مع عدم الاستغناء قدر الإمكان عن الجانب الجمالي الذي كان يكبح دفعه له إلى ما هو غامض أو غريب أو مختلف عن الذائقة والعرف والإدراك العربي العام”

جوائز

حصل محمود درويش على عدد من الجوائز منها:
جائزة لوتس عام 1969، جائزة البحر المتوسط عام 1980، درع الثورة الفلسطينية عام 1981، لوحة اوروبا للشعر عام 1981، جائزة ابن سينا في الاتحاد السوفيتي عام 1982، وجائزة لينين في الاتحاد السوفييتي عام 1983.

رحيله
بعد مسيرة حافلة بالأدب المقاوم والشعر الجميل، وصراع مع مرض تضخم الشريان الأبهر وإجراء عدة عمليات قسطرة، رحلت روح الشاعر محمود درويش إلى بارئها في مثل هذا اليوم من عام 2008 بالولايات المتحدة الأمريكية، حيث قرر الأطباء نزع أجهزة الإنعاش عنه بناء على توصيته. ووري جثمانه الثرى في 13 أغسطس من نفس العام في رام الله بفلسطين المحتلة ، الأرض التي أحبّها وعاش مكافحا لتبقى “عربية”، فعشقته وكانت ملاذه الأخير.

رحمة الصوافية – البلد

4 تعليقات

Comments are closed.