مجلس التعاون مسوغات البداية وضرورة التكامل .. ذياب العامري

في ظل النقاش الساخن الذي تعرفه الساحة الخليجية مؤخرا و المتجلي في قبول فكرة الانتقال من مجلس التعاون الخليجي إلى الاتحاد الخليجي تنشر “البلد ” هذه القراءة التي وصلتنا من ذياب سباع العامري كما جاءت :

في الدورة الأخيرة بمعرض مسقط للكتاب كنت برفقة الصديق موسى البلوشي وعند اقترابنا من مكتبة “رياض نجيب الريّس” إذا بي أسمع صوتا بدا مألوفا “ذياب . ذياب ”
فإذا به عبدالناصر البائع في المكتبة  الذي أشاكسه كل سنة، و أدعوه بالناصر .
قلت له :” هل من جديد للريّس ؟ ”
قال لي: نعم هذا “رياح الخليج”
فقلت: أبقيَ للخليج شيء يكتبه بعد كتبه الأربعة رياح السموم، و رياح الشمال، و رياح الجنوب، و رياح الشرق؟
قال: نعم هذا الكتاب نشره المؤلف في كانون الثاني ( يناير ) 2012م.

الكتاب يفصل حكاية انطلاق مجلس التعاون الخليجي بأبطاله وسياسييه عربا و أجانب، و يفسر أبعاد و أسباب الصراع العربي ـ الإيراني بين الفترة الممتدة من 1980 إلى 1990.
كان لحكام إيران طموح دائم إلى لعب دور أساسي في الخليج، وكثيرا ما كانت شخصية الحاكم الإيراني هي التي تقرر دور بلاده في الخليج من داريوس الكبير و الملوك الساسانيين في التاريخ القديم إلى الشاه عباس الكبير ونادر شاه ومحمد شاه في التاريخ الحديث.
بعد سقوط ” الراج البريطاني” وانسحاب بريطانيا من الخليج العربي واستقلال دويلاته، حدث فراغ في المنطقة وبعدها بعشر سنوات سقط شاه إيران بيد ثورة طلابية إسلامية وحدث فراغ إيراني في المنطقة مما أدى إلى شعور حكام الخليج العربي بالخوف من هذا السقوط.

الخوف الأول من التغيير ، يتجلى في خوفهم السابق من تصرفات إيران في المنطقة و الآن أصبح خوفهم ممركزا حول نتائج هذا التغيير الذي حصل فجأة و دون سابق إنذار.
الخوف الثاني من البديل أيا كان. فإن كان البديل دينيا فعند كل منهم أقلية شيعية تكبر وقد تصغر بحجم التحريض الذي تتعرض له، وإذا كان البديل يساريا شيوعيا فلا تخلوا دول الخليج من مثقفين ينتمون إلى الأحزاب العربية التي تؤمن بالثورة الشاملة، وإن كان البديل عسكريا يمينيا فعند كل منهم هاجس الغزو الإيراني بالبحر و الجو و احتلال لما ادعته فارس لمئات السنين.
الخوف الثالث من التدويل، فالخليج يقع في ساحة الصراع الأمريكي السوفياتي.
بعد كل هذا التوجس الأمني و العديد من القضايا المتشابكة فضلت دول الخليج أن يكون أمنها من صنع يدها ونابعا من احتياجاتها، وليس مفروضا عليها على شكل مظلة واقية من الخارج.

في مسقط عام 1981م كانت بداية المسيرة حيث اجتمع وزراء خارجية الدول الست وخرج المؤتمرون الخليجيون وقد أتموا الاتفاق على الهيكل التنظيمي لمجلس التعاون الخليجي وقد كانت التسمية “مجلس التعاون لدول الخليج العربية ” جاءت باقتراح من السلطان قابوس ووقتها صرح وزير الخارجية قائلا: “إن العمل الأمني لا يدخل ضمن إطار مجلس التعاون الخليجي، بل سيبقى إطاره ضمن التعاون الثنائي بين الدول. فليس من مهام المجلس تنسيق العمل الأمني أو العسكري”.

على أساس تصور فترة المجلس في حل أي خلاف بين دوله فقد تم الاتفاق على أن يكون التصويت بالأكثرية – بل أكثرية من حضر .
تم الإتفاق على أن الدولة التي لا توافق على مشروع ما مطروح في المجلس تستطيع أن تمتنع عن التصويت عليه ومن ثم لا تشارك فيه ولا تساهم به كبلد مستقل، وبذلك تنتفي صورة الخلاف حوله وهذا الترتيب يلغي تعطيل أي مشروع يمكن الخلاف حوله بعد ذلك، ويعطي المجلس الحيوية المطلوبة التي انتفت في مجالس متشابهة كمجلس جامعة الدول العربية.

صارعت الكويت طويلا داخل اجتماع مسقط لإقناع الدول الخليجية بإدخال جملة في مقدمة النظام الأساسي تشير إلى أن هذا المجلس ما هو إلا سعي لتحقيق فكرة الوحدة بين دول و شعوب الخليج، وقبلت دول الخليج هذا الطموح، على أساس أن الحديث عن الوحدة أمر سهل أما تنفيذها فهو أمر صعب.

الكثير من الأزمات مرت على الخليج تلك الفترة ولا تزال آثارها قائمة حتى الآن لعل أهمها و أخطرها أزمة البحرين القديمة المتجددة التي كانت أخطر فصولها إبان عزّ حكم الشاه، و التي أدت إلى استفتاء الأمم المتحدة و إعلان استقلال البحرين دولة عربية ذات سيادة عام 1971م.

هذه الأيام طفت على السطح الخليجي فكرة الاتحاد بين دول المجلس، ولعل فكرة الاتحاد ليست وليدة اللحظة، ولكنها حتما هي نتيجة الكثير من التراكمات، و كذلك الكثير من تجاذبات السياسة و الإقتصاد، و المذهبية في الكثير من الأحيان.

تؤيد فكرة الاتحاد بعض الدول و تتحفظ عليها دول أخرى، فهل سيتحقق طموح الاتحاد كما تصورتها الكويت في بدايات المجلس؟ أم أن للسياسة لعبتها التي لا يتنبأ بها أحد؟ لا يسعنا إلا الانتظار.