قانون المناقصات الحالي

سلطان الغافري بعث هذا المقال إلى  الصحيفة. و” البلد ” تنشره كما جاء.

كثيرًا ما تُثيرُ أرقامُ مَجلسِ المُناقَصاتِ التساؤلَ الكبيرَ حول مدَى تَناسُبِ الأسعارِ مع المَشروعِ المُسند, وفي حقيقَةِ الأمرِ وبعدَ الاطِلاعِ على قانون المُناقَصاتِ الحالي (36/2008) فإنَّ شرعَنةَ سرقَة المَال العَام مُتحقِّقةٌ في هذا القانونِ نظرًا لما يَحتَويهِ من موادٍّ مُخالِفَةٍ للمبادئِ العامَّةِ لإبرامِ العُقودِ الإداريَّة.

صدرَ أوَّلُ قانونٍ للمُناقَصاتِ في البلادِ بعدَ أربعَةَ عشرَ عامًا من بدايَةِ الدَولَةِ العُمانيّة الحديثة, أي سنة 1984 بمرسومٍ سُلطانيٍّ رقم (86 / 84 ) بإصدارِ قانونِ ونظامِ المُناقصاتِ الحُكوميَّةِ, ولكن العَجيب في الأمر أنّ القانونُ الجديد (36/2008) أتى رجعيًّا وكأنَّ لم يَستَفدْ من تَجرُبَةِ القانونِ السابقِ, حيثُ أتى ضاربًا بعرضِ الحائِطِ للمبادئِ الأساسيّة للتعاقُدِ في العُقودِ الإداريّة , مُستندًا إلى معاييرَ عمَليَّةٍ أكثر حسبَ ما فُسر لاحقًا وعندَ مُناقَشةِ القانُون, مُتحلِّلًا من القيودِ الإداريَّةِ المَفروضَةِ على المُناقَصاتِ بحُجَّةِ جُمودها وإعاقَتها لسرعَةِ عمل وإسنادِ المشاريع وكذلكَ حُريَّة اختيارِ الطَرفِ المُمتَعاقَدِ معهُ , متناسيًا من وضعَ مُسوَّدة المَشروعِ أنَّهُ يعملُ تحتَ إطارِ قانونٍ منحَ الإدارَةَ سُلطةً خاصَّةً تُميُّزُها في التَعاقُداتِ عن باقي الأفرادِ تحقيقًا للمَصلحَةِ العَامَّةِ, وقيّدهُ بمَجموعَةٍ منَ القُيودِ فرضًا عليهِ كذلكَ لتَحقيقِ المَصلَحةِ العَامَّةِ.

ولكن القانون جاءَ مانِحًا سُلطَةً تقديريَّةً واسعَة جدًا لمَجلسِ المُناقَصاتِ, والأصلُ في التشريعاتِ المُختلفة في العالم أنَّ الدائرَةَ المُختصَّةَ بإبرامِ العُقودِ الإداريَّة لا تَختصُّ بسُلطَةٍ تقدريَّةٍ في إبرامِ هذهِ العُقودِ , بل سُلطتُها دائمًا تَكونُ مُقيَّدةً بأصلٍ عامٍّ تردُ عليهِ استثناءاتٌ مُحدَّدَةٌ , ومثالُ ذلِكَ المادَّة (3) من القانونِ الحالي حيثُ جاءَ فحواها أنَّ التَعاقُدات على التَوريدَاتِ أو تنفيذ الأعمالِ أو النقل أو تقديمِ الخدماتِ والدراسات الاستشاريّة والأعمال الفنيَّةِ وشراءُ واستئجارُ العقاراتِ عن طريقِ مُناقصةٍ عامَّةٍ , ولكن المُشرِّع لم يجعل من المُناقَصةِ العامَّةِ أصلًا واحدًا يتقيَّدُ بها المجلس , بل أجازَ لهُ التَعاقُدَ بطُرقٍ أخرى وهي ” المُناقَصةُ المَحدودَةُ والمُمارسَةُ والإسنادُ المُباشِرُ وأخيرًا المُسابقةُ ” , وهُنا لم يُقيِّد المُشرّع المَجلسِ بشرطٍ للجوءِ إلى هذهِ الطُرقِ لجعلها استثناءاتٍ مُقيَّدةً على الأصلِ وهوَ المُناقصَةُ العامَّة , بالرُغمِ من أنَّ القانونَ السابق (86/84) وضعَ شرطًا لللجوءِ إلى هذهِ الاستثناءاتِ وهي ألّا يتجاوزَ قيمَةُ المَشروعِ المُسنَدِ 25 ألفَ ريالٍ عُمانيٍّ.

وهذا الأمرَ يَجعلُ القانونَ السابقَ أكثرَ مدنيَّةً وتحضُرًا عن القانونِ الصادِرِ لاحقًا , حيثُ أنَّ الاستثناءَ لا يجوزُ أن يُتوسَّع فيهِ أو يُقاسَ عليهِ. وهذا ما أتى بهِ القانونُ السابقُ ولكن القانون اللاحق أتى كاسِرًا للقاعِدَةِ ومانحًا المَجلسَ الضوءَ الأخضرَ في اختيارِ المُتعاقدِ معهُ بأيٍّ من الوسائلِ دونَ قيدٍ أو استثناءٍ مُحدَّدٍ.

وكذلكَ لم يقُيّد المُشرّعُ المَجلسَ بضرورَةِ تسبيبِ لجوءهِ إلى المُناقَصةِ المَحدودَةِ أو المُمارسَةِ أو المُسابقةِ أو الإسنادِ المُباشر, وبالتّالي تكونُ المادّة الرابعَةُ من القانونِ الحاليّ كأنّها والعَدمُ سواءٌ لأنّها ساوتْ بينَ الأصلِ والاستثناءِ مما يجعلُ من المبادئِ الواردَةِ في المادّة – العلانيّةُ وتَكافؤُ الفُرصِ والمُساواةُ وحُريَّةُ التَنافُسِ –  عديمَةَ الوُجودِ.

كذلكَ فإنَّ المَجلسَ غيرُ مُقيَّدٍ بالإلتزامِ بالعَطاءِ الأقلِّ قيمَةً مع مُراعَاةِ الجَودةِ طبعًا, بل أنَّه أعطى المَجلسَ صلاحيّاتٍ وسُلطَةً تقديريّةً في تقديرِ أمرِ الرسوِّ من عَدمهِ على الشَركاتِ, أما عَمليّةُ الإسنادِ المُباشرِ فقد قيَّد المُشرِّعُ الجهاتِ الحُكوميّة في هذا الشأنِ, فقد اشتَرطَ أنْ تلجأَ الجِهَةُ الحُكوميَّةُ إلى عَمليّةِ الإسنادِ المُباشرِ إذا كانَ المَشروعُ المُردُ إسنادهُ لا يتجاوزُ العشرةَ آلف ريالٍ عُمانيٍّ (المادّة 55 من قانون المُناقصات), إلا أنّ المُشرعَ لم يُقيّد المَجلسَ بشروطٍ مُحدَّدةٍ للجوءِ إلى هذا الشرطِ بل اكتفى بإجازَتهِ اللجوءَ إلى هذا الإجراءِ متى ما رأى ذلكَ يُحقِقُ المصلحةَ العامّة.

وعليهِ فإنَّ القانونَ بحاجَةٍ إلى إعادَةِ توازُنٍ بينَ الواقعِ العَمليّ والقيود التي يَجبُ أنْ تفرض في القانون, لأنَّ العُقودَ الإداريّة هي أمرٌ مُهمٌّ جدًا لسيرِ المرافقِ العامَّةِ وتشغيلها, وفي نفسِ الوقتِ فإنَّ القيودَ المَفروضَة على هذا الجانب لم تُوضع إلا ضمانَةً لحمايَة المال العَام من السَرقة أو هدره, وكلُّ هذه الأمُور في النِّهايَةِ هي وسائلٌ لتحقيقِ المَصلحَةِ العامَّة.

1 تعليقك

  1. مقال جميل يا سلطان
    أتوقع لك مستقبلاً قانونياً مشرقاً.. موفق.. وشكراً لصحيفة البلد

Comments are closed.