قانون المطبوعات والنشر .. الواقع والمأمول

على بعد خطوات من مكان ندوتنا هذه، وقبل عام بالضبط، كان حق حرية التعبير أحد أهم مكاسب ساحة الشعب أمام مجلس الشورى وساحات الاعتصام الأخرى المنتشرة في ربوع عُمان، اسمحولي أيها الحضور العزيز أن أوجه إبتداءً تحية إعزاز وتقدير لكل عمانية وعماني ساهم في تلك الأكاديمية المفتوحة للثقافة السياسية، بأحلامه ورؤاه، بتصريحاته وتلميحاته، بتحليلاته وتضحياته من أجل عمان حرة شامخة، يحيا فيها الإنسان بعزة وكرامة وبرأس مرفوعة. وشكراً كثيراً، بعد ذلك ، لكل من نقل بأمانة وحب وحرص حالة الجدل السياسي والفكري من تلك الساحات محدودة المساحة إلى كل مفصل من مفاصل حياتنا العامة، حتى غدا هذا الجدل الصحي والمفيد سمة واضحة في المشهد السياسي والثقافي والاجتماعي والاقتصادي، وأصبحنا نعيشه واقعاً، ونتنفسه كحق من حقوقنا في الفضاءات الإلكترونية المتنوعة وفي سائل الإعلام المحلية، وفي نقاشات مجلسي الشورى والدولة، و في الندوات التي تنظمها مؤسسات المجتمع المدني، وفي المبادرات الأهلية والشبابية المتزايدة والمتصاعدة في الجهد والوتيرة. لقد اكتسبت عُمان وأهلها حقاً أصيلاً من حقوق الإنسان الأساسية، ومعه ازدادت حالة القبول بالتعدد في الآراء والأفكار، والاختلاف في التوجهات، وأصبح هنالك نقد واضح وجريء للسياسات التي تنفذها السلطة التنفيذية (الحكومة)، وتحفز ويقظة من قبل السلطة التشريعية، وحرص أكثر من ذي قبل لأجهزة الرقابة، وأضحى القضاء يواجه نفسه أمام تحديد ملامح استقلاليته دون تدخل من أحد.

أما الرأي العام العماني، هدف كل تلك السلطات ومؤدى جميع هذه المؤسسات، فيقف اليوم، أكثر تعطشاً للمشاركة في رسم السياسات العامة للدولة، وأكثر وعياً بحقوقه وواجباته، وأكثر يقظة على ماله العام، وثرواته الوطنية، وكنوزه البشرية.إن المواطن العماني اليوم يعلن عن ولادة ذاته الحرة، ويؤكد مواقفه العلنية المعترضة، والمحتجة، والناقدة للسلطة. إن سنوات من الخوف تساقطت كأوراق الخريف، وبراعم خضراء نبتت، وزهور تفتحت في الروح العمانية الجديدة!إنها حرية التعبير التي تهب الإنسان قيمته الكبرى في الوجود، والتي لا يمكن بدونها التمتع بأي حقٍ آخر من الحقوق الإنسانية، ولا يمكن بدونها أن يتمتع الفرد باستحقاقات مواطنته كاملة، ولا حتى أن يمارس نشاطاته الإنسانية والسياسية والاقتصادية والعلمية والاجتماعية بصورةٍ فعالة ما لم يضمن له التشريع حقه في التعبير عن هويته وفكره ومعتقده واشتغالا ته.
والتشريع في عمان يعتمد على النظام الأساسي للدولة، وهذا الأخير في المادة 29 منه ينص على أن” حرية الرأي والتعبير عنه بالقول والكتابة وسائر وسائل التعبير مكفولة في حدود القانون” لكن أي قانون، ينظم هذا الحق؟ وأي حدود مارسها القائمون على تنفيذ هذا القانون طوال السنوات الماضية؟ وكيف أثرت هذه الممارسة على مسار الإبداع بكافة أشكاله وإشكالاته؟ هل ساعدنا هذا التشريع على المساهمة الفاعلة في التنمية الشاملة، أم عطل الطاقات، وفوت الزمن والفرص على أجيال متحفزة للعمل والعطاء؟ هل مخاوفنا التي سيطرت علينا تلك الفترة، وانعكست على تشريعاتنا وقوانيننا خدمتنا، وأمِنت، وأمنّت وطناً ومواطناً واثقاً من نفسه وقدراته؟ أم أرجعتنا للوراء، وجمدت حراكنا ونمونا الطبيعي؟كلها تساؤلات اكتشفنا أننا لا نملك إزاءها إلا طريقة واحدة: مواجهتها بالحوار، وبالجدل المتمدن الواعي، بمشاركة أهل العلاقة: المواطن، والكاتب، والصحفي، والقانوني، والمشرع، والقاضي، والمنفذ، والمُراقب.
لذا كانت فكرة هذه الندوة، ولذلك اشتغلت الجمعية العمانية للكتاب والأدباء على تنظيم هذا اللقاء، والمتواصل مع ندوة الكلمة التي نظمتها في العام 2009، كل ذلك يأتي من منطلق إيمان هذه الجمعية بأنها أحد المؤسسات المدنية التي أخذت على عاتقها المشاركة في بناء عمان؛ حضارية، مدنية، يعيش فيها الإنسان متمتعاً بحقوق؛العدل،المساواة،العزة، والكرامة في مقابل تحفيز ذلك الإنسان على المشاركة في جهود التنمية؛ بوعي، ويقظة، وإيجابية. ونظراً للحاجة الملحة لتغيير قانون المطبوعات والنشر والذي يظن كثير من الخبراء والمختصين أن الزمن قد تجاوزه بمكتسبات وواقع جديد. واقع يرتكز على دولة المؤسسات والقانون، هذا القانون الذي يقر تطلعات ومشاركات جميع من تربطهم علاقة المواطنة بواجباتها واستحقاقاتها.
اسمحولي أن أرحب بكم أولاً و بضيوف هذه الندوة الكرام، لنفكر سوياً وبصوت مسموع، عن الطريقة التي نستطيع من خلالها أن نصل إلى قانون يكفل ويصون حق حرية التعبير في بلادنا، قانون يمثلنا ويمثل الروح الجديدة التي تسري في أوصالنا، محبة وإخلاصاً لعُمان وأهلها.

سعيد سلطان الهاشمي

مصدر الصورة

*كلمة تقديم ندوة قانون المطبوعات بين الواقع والمأمول