في ذكرى الربيع العماني(1-2)

مرت علينا في الأيام الماضية القليلة ذكرى الربيع العماني الذي خرج فيه الشباب العماني مطالبا بالعديد من الإصلاحات التي تحقق البعض منها بينما ما زال البعض الآخر في قائمة الانتظار الطويلة، وفي الفترة الماضية نفسها قرأنا تقريرا صادرا عن منظمة مراسلون بلا حدود يشير إلى خسارة السلطنة لأربع وعشرين درجة في الحريات، فقد أمست السلطنة تحتل المرتبة (141) بعد أن كانت تحتل المرتبة ( 117) ووصفت المنظمة هذه النتيجة بأنها الخسارة الأكبر على مستوى الشرق الأوسط وشمال إفريقيا في عام2012م.

محمد الهنائي
محمد الهنائي

ومن المعروف أن التقرير الذي تصدره المنظمة مبني على استبيان أرسل إلى منظمات تتشارك مع منظمة مراسلون بلا حدود كما أنها أرسلت إلى صحفيين، وباحثين، وقانونيين، ونشطاء في حقوق الإنسان، ويتضمن الاستبيان أسئلة عن الاعتداءات التي طالت صحفيين وإعلاميين، وهذا يعني أن السلطنة احتلت هذه المرتبة بسبب المحاكمات التي طالت مجموعة من الكتاب والمدونين الالكترونيين والناشطين الحقوقيين، واتهامهم بتهم إعابة الذات السلطانية، ومخالفة قانون تقنية المعلومات، والتجمهر، وقد سلم العديد منهم نفسه إلى المؤسسات ذات الشأن لقضاء فترة محكوميته.

وقد أشارت منظمة حقوق الإنسان “هيومن رايتس” قبل ذلك في تقريرها عن عام 2012 الصادر بنهاية يناير الفائت إلى القضية نفسها، وهي تقييد حرية التعبير، وحرية التجمع، وذلك من خلال استخدام السلطات العمانية إلى العديد من القوانين المتعلقة بالتشهير والاعتقالات الجماعية والمحاكمات.
ولقد صدرت في الفترة الماضية الكثير من المطالبات من قبل منظمات حقوقية انهاء العديد من الاجراءات التي طالت تلك المجموعة المشار إليها في التقريرين السابقين، ويتضح لي من خلال كل تلك التقارير والاحتجاجات المنددة والمستنكرة لمثل هذه الاجراءات أننا بحاجة إلى مراجعة الذات مرة أخرى، وإلى إعادة حسابات ما حدث، وإعادة النظر له من زاوية غير الزاوية التي نظرنا إليها سابقا حتى نعي ما ترمي إليه هذه التقارير، وهذه النتائج. فأن تحصل السلطنة على هذه النتيجة، وهذا القدر من التراجع فهو أمر خطير يحتاج إلى أن نعيد النظر في المسألة مرة أخرى، حتى نعيد عقارب الميزان حيث كانت على الأقل، إن لم نقل بوجوب تقدمها خطوات أكبر، وأوسع، عوضا عن هذا التراجع المفجع.

أربع وعشرون درجة على الرأس مرة واحدة ضربة مؤلمة، وتسبب أزمة كبيرة، وندبة دائمة خاصة وأنها ظهرت بعد مطالبات مشروعة رفعها الشباب العماني، وحلم أن تكون بلده أجمل مما كانت عليه بسببها، فعوقب على ذلك الحلم. وعلى رفعه العديد من اللوائح مطالبا بتحقيقها، ومذكرا المسؤولين بوجوب وجودها على أرض الواقع، وهذا لا يخرج أبدا عن باب التنمية المستدامة التي قطعت فيها السلطنة أشواطا عدة من خلال مختلف مؤسساتها، والشباب إذ يرفعون تلك اللافتات فإنهم بذلك يرفعون وعودا للمؤسسات ذات الشأن بأنهم سيكونون بمثابة اليد الأخرى التي ستصفق معها، ومعنى هذا أن الشباب واع لأهمية قيامه بالدور المنوط إليه، الملقى على عاتقه. وكان ينبغي أن تتلقى المؤسسات هذا الأمر بشيء من الفرح لا بمجموعة من المحاكمات المجانية، فقد كانت تلك المطالب بمثابة بداية الطريق للمرحلة التي أشار إليها صاحب الجلالة حين قال في إحدى خطبه “حتى نستطيع حكم العمانيين بالعمانيين”.

فكان ما حدث من قبل الشباب ترجمة لهذه المقولة، وبرهان واضح على أن الشباب صار بمقدوره أن يدير دفة النهضة من الداخل من قبل أبنائه الخلص، صحيح أنه ظهرت في داخل هذه الترجمة بعض الأخطاء التي لا يمكن اعتبارها أكثر من كونها أخطاء في الترجمة لا تحيد عن الموضوع بعيدا، ولم تكن هذه الأخطاء بتلك الفداحة التي ارتكبت من قبل، بل وكانت نتيجة لها، وكان الحل في التخلص من هذه النتيجة يكمن في التخلص من أسبابها إلا أنها قوبلت بمجموعة من الأخطاء الأخرى التي كانت عبارة عن ردات فعل لا تخلو هي الأخرى من أخطاء في الترجمة، فحصل خطأ بخطأ، وهنا كان يجب أن تغلب المصلحة العامة على تصيد الأخطاء من قبل الطرفين، وهذا يعني أن يلتقي الجميع في منتصف الطريق، يتحاورن، يفهم بعضهم بعضا، يخرجون بحل يرضي جميع الأطراف، وهذا ما لم يحدث حتى الآن.

وتحولت المسألة من عمل تكاملي إلى تصيد للأخطاء، فقد بات كل طرف يتحين الفرصة التي يعثر فيها على خطأ للآخر حتى يستطيع محاسبته عليها، وتغافلنا عن تلك الأخطاء الكبيرة التي لا تغتفر، والتي نادى من أجلها الشباب بالإصلاح، وطالبوا به عبر حناجرهم، وعبر اللافتات التي كتب عليها يدا بيد لمكافحة الفساد، فعوقبوا عليها، وعلى أمثالها، وباتوا يقضون محكومياتهم في قضايا لا نتفق معها كثيرا؛ لتتكشف بعدها روائح فساد عفنة، استغلت غفلة القانون، والمجتمع بمؤسساته، وأفراده لنكتشف في آخر الأمر أن كل ما يقدم لنا بمقابل مادي كبير يكسر أظهرنا منتهي الصلاحية، ولم يستطع القانون أن ينزل على المتلاعبين بهذه التواريخ، وهذه الكميات الكبيرة من المواد المقدمة للشعب بأسعارها الكبيرة ما تستحقه من عقاب بسبب القصور في القوانين، بينما أنزل على المجموعة الأولى ما لا تستحقه، وهي من كانت تسعى لأن تشير إلى تلك الروائح التي تعرفها، والتي تشمها، وكانت بحاجة إلى من يستمع لها، وكانت تعد كل ما تقوم به من باب القيام بالواجب، وكان على الجهات أن تستمع إلى هذه النداءات المطالبة بالتغيير، والعمل عليه مباشرة، والعمل على تنفيذ طموحات الشباب، وخلق البيئة المناسبة لهم من أجل وجود وطن يحلمون به.