فراشات

عدو الفراشات الريح، وحبيبها الربيع. هي الآن تستعد لموسم كثيف من العمل وتوزيع الجمال على الكون والناس. تشحذ أسلحة الإغراء والجاذبية، تدخر الألوان والروائح، توزع جداول البهجة، وحصص الأفراح على أسرابها المتحفزة للاحتراق في محراب النور والضياء.

عجيبة هي الفراشات، تتحدانا في الجمال، كيف يكون، وكيف يتناهى في الصغر، وكيف يفعل بكائن صغير، وكيف يترك أثر، وكيف يُصّر على الحياة، وكيف يؤدي واجبه للام الطبيعة بلا منّة او فضل. كائنات من سرور وألوان وصبر جميل هذه الفراشات. تذرع الأرض دأباً في حبور الأطفال، وخفة النسيم، وفرادة السحاب في رسم السماء

سعيد سلطان الهاشمي
تواصل مع الكاتب: hashmisos9@yahoo.com
العمر، ما العمر عند الفراشة غير الجمال المكتنز بالقصر؛ قِصر الزمن وامتداد الأثر، كثافة في الحضور، خفة في الغياب، رضاً بالمهام، وسعةً في العطاء. كم تعيش الفراشة، كم تستهلك من هواء وماء ومواد، لكي تعيد إنتاجها؛ هياماً وسلاماً للآخرين، وداً ودفئاً للحقول والأشجار والعشب، وزناً وأنساً للنسيم، سبباً رئيس وضروري لجريان الجدول، وانسياب النهر. اللحظات بساعاتها وأيامها وشهورها أصفار على شمال الفراشة المنشغلة بتكريس الدهشة، وتعميد الوئام. ما حاجتها لموت وفناء وهي كافية لنظرة وحيدة لتبتسم الجبال، وتغني الريح للأبدية، وتحنو الشمس بأشعة رضية لا ضرر منها ولا ضرار.
أجنحة الفراشات تغتسل بخيوط الضوء في الصباح، لتعاشر النور في النهار، وتلد القمر في العشية. تختزل قوة من حرير وأزهار، تُعلم الخلق بأن الحجة ليست بالأحجام، ولا الأوزان، ولا النسب أو السلالة. بل في الدلالة، في البذل، في الإيمان بكوامن الذات وقدراتها، في الاعتقاد بأن الحياة تستحق أن تعاش، أن تتنفس كل ذراتها، لا لأننا بحاجة إليها بقدر حاجتها هي إلينا، ولا لأننا وقودها المزعوم، بل أنسها هي ومتعتها الأثيرة. الحياة بدوننا نحن المخلوقات وحدة وضياع، بئر معطلة وبيت خرب.
أجنحة الفراشة طواحين هواء عليل، ومولدات طاقة لا تستهلكها إلا الارواح. تقسو عليها الرياح، وتستهدفها غارات الغبار، وتخترقها طلقات السنابل و رحيق البتلات ، لكنها تداوي جراحها بالندى، وتلف ضماداتها بسناء القمر، فتبعث من جديد، سريعاً، مديداً، لتواصل أغنيات التحليق، وإزهرار اللون، وإحتفائيات الهجرة، من الرحيل إلى الرحيل.
دودة كانت الفراشة، اعتكفت في شرنقتها زمناً من هدوء وصمت وصلوات. وحيدة إلا من ورقة شفيفة، راهنت على المجهول العليم، في حسنها، وقوتها، في صحتها وفعلها للخير والجمال، لم تتربى في كنف القطعان، ولا ألزمها دستور الأسراب، ولا قيدتها تقاليد الأغيار لتعرف المسار، وتؤدي الواجبات، ولم تطلب المصير من سيد الفراشات، وحيدة جاءت وستغيب وحيدة. هكذا هم المتفردون ينشغلون بالصوت القادم من الأعماق، لا يلتزمون إلا بخرائطهم الداخلية، لا حاجة للدليل، المنارة هي الحق الذي أودعته روح الخلق الأولى، البقية الآتية متعة وفرجة لا غير، طالما العمر قصير، والجمال هو الرسالة.

4 تعليقات

  1. أخي العزيز ،،،
    كلمات جميلة خفيفة تبعث الأمل والسرور وتمحو الكآبة بواسطة فراشة.
    جزاك الله خير.

  2. مجلتكم تفرد مساحة للحريات المكتومة.. اود المشاركة معكم بمقالاتي التي تمنع من النشر… تمنياتي لكم بالتوفيق والازدهار. محبتي وتقديري…

  3. مجلتكم تفرد مساحة للحريات المكتومة.. اود المشاركة معكم بمقالاتي التي تمنع من النشر… تمنياتي لكم بالتوفيق والازدهار. محبتي وتقديري…

Comments are closed.