غازي القصيبي.. الكاتب الجريء ورجل الدولة

‎”أخط اسم غازي القصيبي، وأشعر أن قلبي يقول ها أنت أمام مدخل مدينة المجددين، وأطلقت عليه عندما أصدر ديوانه أشعار من جزائر اللؤلؤ (الدم الجديد ) ، وكان فعلا دما جديدا سمعناه يهتف بالشعر في الستينيات، ولم يقف، بل سار مصعدا، يجدد في أسلوب شعره، وألفاظه ومواضيعه”

هكذا يصف الأديب عبدالله الطائي شعر الدكتور غازي القصيبي –الذي تحل الذكرى الثانية لرحيله اليوم الـ15 من أغسطس- ضمن حديثه عن الشعراء المجددين في كتابه (دراسات عن الخليج العربي)، وهو كما قال “دم جديد” تدفق بغزارة على الخليج العربي ليس في الشعر فحسب، وإنما كسياسي وإداري وروائي ووزير أثار جدلا واسعا في الأوساط السعودية خاصة والعربية عاما، واعتبر أحد المجددين الذين تركوا بصمة حقيقية في التاريخ السعودي، شعرا ونثرا وحياة إدارية.

حياته الأولى

قضى غازي القصيبي سنوات عمره الأولى في الأحساء ، حيث وصف هذه المرحلة من حياته بعد رحيل أمه قائلا: “ترعرعت متأرجحا بين قطبين أولهما أبي وكان يتسم بالشدة والصرامة (كان الخروج إلى الشارع محرّما على سبيل المثال)، وثانيهما جدتي لأمي، وكانت تتصف بالحنان المفرط والشفقة المتناهية على (الصغير اليتيم)” ، وقد شكّل هذان القطبان المتضادان، اللبنة الأساسية للميزات التي تحلى بها غازي المدير والوزير والسفير معترفا بذلك في كتابه “حياة في الإدارة” حين قال: “السلطة بلا حزم، تؤدي إلى تسيب خطر، وأن الحزم، بلا رحمة، يؤدي إلى طغيان أشد خطورة”,

انتقل غازي بعدها إلى المنامة بالبحرين ليدرس فيها مراحل التعليم. حصل على ليسانس الحقوق من جامعة القاهرة ثم على درجة الماجستير في العلاقات الدولية من جامعة جنوب كاليفورنيا، ثم على الدكتوراة في العلاقات الدولية من جامعة لندن والتي كانت رسالتها حول اليمن.

غازي الإداري 

بعد حصول غازي على الماجستير وعودته إلى السعودية تفاجأ ببدء العام الدراسي الذي حال عن تنصيبه مدرسا جامعيا فقضى غازي ساعات عمله اليومية في مكتبة الكلية (بلا عمل رسمي)، وقبيل فترة الامتحانات الجامعية سلمته إدارة الجامعة مكتباً متواضعاً ومهمة عملية، لم تكن سوى لصق صور الطلاب على استمارات الامتحان ! وقام حامل الماجستير في العلاقات الدولية بتلك المهمة عن طيب خاطر!.

تنقل غازي القصيبي في المناصب الإدارية بعد ذلك من أستاذ جامعي إلى عميد لكلية التجارة ثم انتقل من الحياة الأكاديمية ليعمل مديرا لمؤسسة السكة الحديدية التي “أثارت شهية الإداري الذي ولد داخل الأكاديمي” كما يقول القصيبي.

أصبح الدكتور غازي بعد ذلك وزيرا للصناعة والكهرباء وكان من أهم ما حققه في هذه الفترة نشوء شركة “سابك” عملاق البتروكيماويات السعودي.
حظى الدكتور القصيبي بثقة الملك فهد فعيّنه بعد ذلك على رأس وزارة الصحة التي “كانت تعاني من بطء شديد في تحقيق الإنجازات “، فاستطاع القصيبي أن ينتشلها من بطئها عبر زياراته المفاجئة المتوالية للمستشفيات الحكومية، وحقق عدة إنجازات كان أهمها إنشاء جمعية أصدقاء المرضى، إنشاء برنامج يقوم على إهداء والدي كل طفل يولد في مستشفيات الوزارة، صورة لوليدهم بعد ولادته مباشرة، مع قاموس للأسماء العربية ! هذا فضلا عن تعزيز عملية التبرع بالدم وبث ثقافتها وتحفيز المواطنين نحوها.

أعفي من وزارة الصحة بعد أزمة قصيدة “رسالة المتنبي الأخيرة” ، وبعد شهر واحد فقط، صدر تعيينه سفيرا للمملكة في دولة البحرين، بناءً على رغبته، وبقي كذلك لثماني سنوات، حتى صدر قرار تعيينه سفيرا للمملكة في بريطانيا، وظل هناك احدى عشرة سنة، ليعود من السلك الدبلوماسي نحو الوزارة، وزيرا للمياه ثم المياه والكهرباء بعد أن دمجتا في وزارة واحدة، لينتقل أخيرا نحو وزارة العمل.

اكتسب القصيبي عبر سيرته الإدارية التي اعتبرها الكثيرون “ناجحة” شعبية إضافية جعلت حصر شهرته في الإطار الأدبي أمراً صعباً.
وقد يعزى ذلك أيضا إلى ذكائه في التعاطي مع الإعلام الذي مهد لبروزه على حساب آخرين يفوقونه موهبة ربما، إضافةً إلى غزارة إنتاجه وتعرّض الكثير من أعماله للمنع الرقابي. كذلك، كان دخوله في صراعاتٍ شرسة مع تيار الصحوة الدينية عاملاً إضافياً لإثارة المزيد من الجدل حول شعره ورواياته.

غازي الأديب
عرف القصيبي بشغفه الكبير باللغة العربية وأدبها منذ أيام الثانوية، خاصة الشعر ، وقد أدى ميوله الأدبي إلى توليد صراعات بينه وبين خصومه نوجزها في المحطات التالية

1) أصدر القصيبي ديوان ( معركة بلا راية) عام 1390 هـ واعتبره المحافظون هجمة ليبرالية جديدة وشكوه إلى الملك فيصل الذي أمر بدراسة الديوان وتأليف لجنة وزارية لمحاكمته، وصدر القرار بعد ذلك ببراءة الديوان وصاحبه. ولا تمر هذه الحادثة في ذهن القصيبي إلا ويتذكر موقف الملك عبد الله بن عبد العزيز من هذه القضية قائلا: “سمعت من أحد المقربين إليه أنه اتخذ خلال الأزمة موقفا نبيلا وحث الملك فيصل على عدم الاستجابة إلى مطالب الغاضبين المتشنجة”.

2) أطلق غازي قصيدته الشهيرة ( رسالة المتنبي الأخيرة إلى سيف الدولة ) على صفحات الصحف المحلية السعودية عندما كان وزيراً للصحة حيث عاتب فيها الملك فهد لاستماعه إلى «الوشاة»، واعتبر هذا الأمر مخالفاً للقوانين فأُعفي من منصبه الوزاري قبل أن يصبح سفيراً في البحرين.

3) كتب غازي القصيبي قصيدة امتدح فيها العمليات الاستشهادية في فلسطين حين كان سفيرا للمملكة في بريطانيا، ذاكراً بالاسم الاستشهادية آيات الأخرس. وكانت النتيجة أن طالبت بريطانيا بإقالته من منصبه سفيراً للملكة السعوديّة فيها، فعاد القصيبي إلى الرياض معرباً عن عدم دهشته مستذكرا قول الماغوط : ” ما من موهبة تمر بدون عقاب” وأضاف عليها: “وما من موقف يمر بلا ثمن !”:

4) توالت بعد ذلك إنجازات القصيبي الأدبية التي منع بيع أغلبها، نتيجة السخرية اللاذعة من الأوضاع العربية، وكانت باكورة أعماله الروائية رواية “شقة الحرية” التي أصدرها عام 1994 وأثارت جدلا واسعا، تلتها “العصفورية” و”أبو شلاخ البرمائي” ثم “دنسكو” وغيرها الكثير إلى جانب عدد من الدواوين الشعرية والكتب السياسية والاقتصادية المتعلقة بالخليج العربي .

وفاته:
بعد مسيرة طويلة من العمل الدؤوب والإنتاج الأدبي الغزير وإثارة الجدل، رحل غازي القصيبي عن عمر يناهز السبعين عامًا في الـ 5 رمضان 1431 هـ الموافق 15 أغسطس 2010 في مستشفى الملك فيصل التخصصي بالرياض بعد معاناة طويلة مع المرض.

 

تقرير: رحمة الصوافية – البلد