عُمان أكثر من حياة

khalifa

انطلقت فكرة كريمة قادتها مبادرة (أكثر من حياة) بالدعوة لتجمّع قرائي في حديقة القرم الطبيعية، ورغم أن الفكرة حديثة عهد إلا أن التجاوب الذي تلاقيه في مواقع التواصل الاجتماعي يعكس حضارة موغلةً في القدم، كانت المعرفةُ دستورها الأقدم، والعلمُ منهجَ حياتها منذ أن امتزجت حضارتها بالحضارات القديمة في مصر والعراق والسند والهند والصين وغيرها.

لذلك لم تكن الدعوة لمعانقة الكتاب بشكل جماعي بحاجة لكثير شرح أو تشجيع كبير؛ فالأمم تسري في عروقها جينات آبائها مهما امتدت بهم العصور، والكتاب مأدبة صحية يزداد الانتفاع بها كلما زاد معدل تناولها.

ولأن تغيير حياة المجتمع مرهونة بتغيّر حياة الفرد، وهذه الحياة لا تقوم في جانبها الروحي إلا على العقل، ولأن غذاﺀ العقل هو المعرفة بمختلف مصادرها وأساليبها فقد كانت هذه الدعوة في حقيقتها هي دعوة للتعقّل والحكمة.

والتعقّل والحكمة ليسا كما يحبّ البعض أن يكيّفهما بأنهما يكمنان في تبني الآراﺀ المسالمة أو المهادنة في مختلف قضايا الحياة، وإنما تكمن حقيقتهما في إنزال أحكام هذه الحياة في مواضعها الصحيحة؛ شدّةً ولينا، وحزماً وعزما، ورفقاً وصرامة؛ والوصول إلى أفضل درجات الحكمة لا يتأتّى بغير المجاهدة في توسيع مساحة الإدراك التي تكبر بالقراﺀة.

وإذا كانت القراﺀة تفعل بالعقل فعل الماﺀ بالنبات، فإنها تعد وسيلة سفر رخيصة الكلفة، تُبحر بشخصها باتجاه عوالم وأزمان وشخصيات ومعارف يستحيل عليه الالتقاﺀ بها، أو الاجتماع معها خارج إطار الكتاب، وهي متنفّس للروح في خضمّ معتركات الحياة، وعلاج للذات من الأوهام التي يسوّغها الجهل، ونبراس لدروب الحياة في مدلهمّات الخطوب.

إن عمان مهيئة لأن تقرأ وفقا للأسباب التي ذكرتّها، وإن التأخر عن دعوة المعرفة هو تخلّف لا يليق بغير العاجزين، ومن عجز عن إشعال مصباح دربه فلا يحق له أن يكون مرشدا للسالكين، ولا واصفا للمدن وطرقاتها، ولا دالّاً على أساليب البناﺀ وطرق التعمير.

فهيّا بنا جميعا نعقد قِراناً أبدياً مع الكتاب؛ نحيا به ومعه، ومن كان الكتاب رفيق دربه فإنه حتماً سيعيش (أكثر من حياة).

خليفة الهنائي