عيدٌ بين الأبواب

يد العيد على الباب يفكر متردداً هل يدخل على الناس ام يتركهم لعيدهم الشكلي، عيدهم الزائف الذي يتنكر فيه الخصام والزعل ويدخلان بين الناس والأقارب؟ هل يتركنا العيد الحقيقي ليد العيد الزائف الذي يطغى فيه الضيق والكدر على الجميع وتكثر فيه الحوادث السيئة،، وتزداد فيه المعارك بين الناس في الطرقات؟

هل جربتم عيداً زائفاً من قبل؟ ربما كانت كل اعيادكم زائفة وأنتم لا تعلمون لأنكم لم تجربوا عيداً حقيقياً من قبل، لكن ذلك غير ممكن، لأنكم جربتم العيد الحقيقي ولو مرة واحدة على الأقل: المرة القياسية

الكاتب: ابراهيم سعيد

العيد الحقيقي هو عيد يتحول فيه الجميع إلى أطفال وأشباه أطفال طامعين في الحلوى، مسرفين في التفاؤل، لا يستطيعون امساك أنفسهم أمام جاذبية الألوان والألعاب الشعبية، الأطفال هم أساتذة الفرح الذين يُجرون كل التجارب الممكنة لتحويل كل الأشياء الموجودة إلى ألعاب وأشباه ألعاب تبعث لحظة الفرح وتصنع متعة الضحكات.

على الأبواب عيد حقيقي معطر ومتكحل، شعره مدهون بالزيوت العطرة، ويلبس ثياباً ملونة، متأهباً في كامل زينته، ويفكر: هل يستحق الناس هذا العام زيارتي؟ هل يحتاجها فعلاً؟ أم يكفيه العيد الشكلي؟

هل سيزورنا العيد كي يعطي لشكل العيد ذلك المعنى الحقيقي الصادق الذي يجعل ضحكات الشيوخ والعجائز تكركر أصداؤها في حنايا البيوت، وضلوع الحجرات، ويجعل زعيق الأطفال في النهار عالياً يشدّ انتباه العصافير والطيور لتبحلق في كمية البهجة التي تسكنُ صغار البشر؟

عيدٌ حين يأتي ترقص الحياة بنفسها وتغني في الطرقات، حتى تتلألأ أعين الجميع لمرآها الخفيّ والواضح، الصريح والمضمر؛ ترف أعلام الفرح أعلى من كل الأعلام، تصير مياه الشرب العادية خموراً مسكرة تدير الرؤوس من طرب السعادة، ويتهافت عليها الناس؛ تنتشر عدوى اسراف الكرم في كل الناس فيعطون بلا حدود كل ما يملكون كي يبنوا حصن الفرح المتين من خرسانات العطاء، يمسحُ الكرمُ الكبير النبيل ألم ليلة العيد الثقيل على البيت الفقير ويقلبها زغاريد سعادة، تنطلقُ الأهازيج الطروبة لتنتشر وتضيء الأنفس. فرحٌ أساسهُ العطاء، وقضبان فلسفته المشاركة، وخشبه وأعمدته الزيارات الباسمة، وأصباغه الطيبة واللطافة، وأثاثه عناقات الأشواق الطيبة، وعطوره وبخوره بهجة التحيات. وقهوته هي نفس القهوة فوالتها من الحلوى والتمر والفواكه وقهوة الأحاديث.

من جرب الحياة واقترب من سرها يعلم أن واجبه الحقيقي الدائم يحتم عليه ألا يفوت أي فرصة للفرح، لأن الفرح هو الثمين الحقيقي الذي من دونه تفقد الحياة معناها بسهولة، والعيد هو وهي الفرصة التاريخية التي لا تتكرر على الدوام، كي يتشارك الجميع في صناعة الفرح. رياحٌ موسمية للأعياد والأفراح.

الصورة من اختيارات الكاتب، وهي لمصور يدعى
Lennon نقلا عن موقع فليكر للصور

صناعة الفرح هي أولى الصناعات التي نتعلمها بالفطرة، من الطفولة نحمل معنا تلك المهارة المتقنة في صناعة الفرح، تقنية الانفعال والدهشة والاستغراق في المرئي والمسموع والمشموم والمفهوم، غير ان ابتعادنا عن تلك الطفولة الأثيرة وانغماسنا في الحياة ومتاعبها يجعل الخدعة القاتلة تنطلي علينا، فنذهل عن مهارتنا، لنستبدل صناعة الفرح الجيد المبدع والمبتكر بصناعة الفرح الرديء الشكلي الزائف المقلّد، فنقتل أنفسنا ونحن نستبدل عادات الحماسة والاعجاب المتقدة بعادات باردة مصنوعة من التأفف المستمر والافراط في التذمر وعدم الانعجاب بالعَجَب، والنحيب والنواح والشكوى، وكل تلك العادات التي تجعل الحياة في المحصلة تخلو من قيمة الحياة، عبر التهوين المستمر من قيمة العيش، كأننا نريدُ أن نرفع قيمتنا بتخفيض قيمة حياتنا ومعناها، حتى لو كانت أشياء الحياة ناقصة ومعيبة فهي حياتنا ونحن جئنا كي نصلح تلك العيوب ونقلل من تلك الأخطاء لا لكي نمزقها، وجئنا كي نصلح الخلل لا لنزيده ونشنّع به.

أيها العيد الكريم لا تتردد هذه المرة في الحضور على موعدك، لا تتركنا للأعياد الزائفة الشكلية، فلا طعم لأي محاولاتنا للفرح بالعيد من دون أن يأتي العيد الحقيقي ويلمس بأصابع يده المُخضبة بالحناء أرواحنا، بتلك اللمسة الممزوجة بالقداسة التي تعطي للعيد معناه المنير المضيء الذي يجذب الناس ليكونوا بمستوى أعيادهم وعلى قدر حسن أفراحهم، يتعاونون معاً للعناية بشجرة الحياة كما في الفيلم: Tree of life التي ليست الا شجرة العائلة، يتعاونون على بث المحبة والثقة في بيئاتهم، وازالة كل حشائش الشك الضارة، يداوون الجروح بالمحبة التي تجعل الابتسامات تشرق أكثر في العيد.

اذا جاء العيد فستصير كل أشجار الحياة أبهج، وأكثرَ فرحاً، والمياه ضاحكةً وبهيجة، سيغدو العيدُ عيداً بفعل اشراق ارواح الجميع، دون أي استثناء، عيداً من بالونات فرح وأضواء ملونة، وأغانٍ وموسيقى منطلقة كالحب العميد.

عيدٌ من فرحٍ مستمر، وزمنٌ معطر، تتحقق فيه الامنيات الصغيرة بنهار مليء بالفرح، يطيب فيه اللقاء وتصبح الحياة جميلة حقاً بين الأحبة الطيبين، ووسط مرح وهناء يليق بمعنى الحياة الحي، ويطرد كل معاني حياة الموت، تلك الحياة الشكلية التي تخنقنا بادعائاتها ولا تعطينا أي شيء في المقابل إلا مزيداً من التعاسة.

تعال أيها العيد الحقيقي، سنحاول مع الكرماء أن نحصّن بيت العيد بتلبية حاجات المحتاجين والفقراء، مشجعين معاً كل فرق البر ونوادي الإحسان بكل ما نستطيع لتفوز في مباراتها الحاسمة يوم العيد على الحزن والكآبة، كي تقضي السعادة بيننا يوماً واحداً طيباً، تتكفلُ السعادة فيه بإهدائنا عطور أفراح العيد التي نستحقها، كلٌ على قدر كرمه، كرمهُ في البذل والعطاء وكرمه في الشكر والدعوات، لتظهر نبالة الأرواح التي يحتاجها هذا العالم الجاف المتسمم، كي تبلسم ولو قدراً ضئيلاً من جروح مسيرة مآسي الانسان التي لا تنتهي.

العيدُ علامة ملوّنة في الزمن، اخترعناه كي يخفف مروره كل تلك الدوامة المستمرة من الشكوى والآلام والضيق والكدر برنة ضحكة قوية، وايقاع خطوة صافية صادقة.

عيداً طيباً وأفراحاً أنيقة.