عن مهاتير الذي لا يتوقف عن العمل رغم كبر سنه !

بعث لنا محمد بن ناصر بن مهنا العبري هذا المقال، وننشره كما جاء :

التقيت به وهو يناهز 88 عاما, فلم ألتقي بشخص طاعن في السن, إنما التقيت برجل بعطاء الشباب, فهو رابع رؤساء وزراء لماليزيا في الفترة من 1981 إلى 2003، مما يجعلها أطول فترة لرئيس وزراء في ماليزيا، وهي من أطول فترات الحكم في آسيا، امتد نشاط مهاتير السياسي لما يقرب من 40 عاما، منذ انتخابه عضواً في البرلمان الاتحادي الماليزي عام 1964، حتى استقالته من منصب رئيس الوزراء في عام 2003. كان لمهاتير محمد دور رئيسي في تقدم ماليزيا بشكل كبير، إذ تحولت من دولة زراعية تعتمد على إنتاج وتصدير المواد الأولية إلى دولة صناعية متقدمة يساهم قطاعي الصناعة والخدمات فيها بنحو 90% من الناتج المحلي الإجمالي، وتبلغ نسبة صادرات السلع المصنعة 85% من إجمالي الصادرات، وتنتج 80% من السيارات التي تسير في الشوارع الماليزية. كانت النتيجة الطبيعية لهذا التطور إن انخفضت نسبة السكان تحت خط الفقر من 52% من إجمالي السكان في عام 1970، أي أكثر من نصفهم، إلى 5% فقط في عام 2002، وارتفع متوسط دخل المواطن الماليزي من 1247 دولارا في عام 1970 إلى 8862 دولارا في عام 2002، أي أن دخل المواطن زاد لأكثر من سبعة أمثال ما كان عليه منذ ثلاثين عاما، وانخفضت نسبة البطالة إلى 3%…

مهاتير

ولدى مغادرة مهاتير مؤتمر آفاق الاستثمار الإسلامي الذي أقيم الأسبوع الماضي في مسقط، تشرفت بمقابلته شخصيا وسؤاله عن سر نجاحه, فقال لي: بأن سر نجاحه بأنه يعيش عيش الشباب, فيستغل كل ثانية تمر, ولا يتوقف عن العمل رغم سنه الكبير! وحبه للعمل أساس نجاحه, وأن محبة العمل يجعل من العمل يحبك, فسر نجاحي في المؤتمرات واللقاءات هو حبي لها. وطلبت منه في النهاية إعطائي نصيحة لي ولجميع شباب عمان, فقال: أنتم مستقبل عمان وحاضرها, ونجاحكم اليوم هو نجاح عمان في الغد, فلا أملك إلا أن أقول لكم بأن تهتموا بالتعليم لأنه أساس قويم, وأن لا تيأسوا من العمل لأنه باني القمم, ولا نجاح بلا إيمان, ولا إيمان بلا إسلام, فجعلوا من مغريات الدنيا بمثابة المنافس لكم, فتزيد من روح المنافسة لديكم, فتنافسوا بها الكبار،وفي نهاية الحديث لا أملك القول إلا أنني التقيت برجل عظيم وكريم ومتواضع ومثابر.. قال لي بأنني أشكرك على مقابلتك لأنني أحب مقابلة الشباب, لأني أرى فيهم المستقبل, ويعطوني حس الشباب والنشاط.. شكرا مهاتير, هي زيارتك الأولى لعمان, ولكن ليست الزيارة الأولى لقلوبنا.

يذكر أن مهاتير ألقى كلمة في هذا المؤتمر, وأحيطت باهتمام كبير من قبل الحضور, وبدأها باستعراض مسيرة ماليزيا التنموية وأسباب نجاحها, فقال بأن أساس نجاح ماليزيا هو توفير مستويات عالية من التعليم والتكنولوجيا, ودفع بالشباب الماليزيين وتشجيعهم للتعلم والعمل, وإتاحة المجال لهم في المساهمة في المجال التنموي, وإرسالهم بعثات خارجية للتعلم, والاستعانة بالخبرات الأجنبية, وتوفير التكنولوجيا المتطور لأجل الانفتاح والتواصل مع العالم الخارجي, والتعرف على الثقافات المختلفة, فحين أصبحت رئيسا للوزراء كان لدينا فقط 5 جامعات، أما الآن فلدينا 80 جامعة، 40 منها حكومية و40 خاصة. والجامعات الماليزية من أهم الجامعات في العالم، وهي مصنفة من بين أهم وأول 200 جامعة عالمياً, ولا ننس رفع مستوى الإنتاج الاقتصادي بإتاحة وتيسر أرضية الاستثمار بإنشاء شركات ومصانع تزيد من إنتاجية الدولة و تموه مصادر دخلها واكتفائها الداخلي وتقلل البطالة, وكل هذا بمساهمة الاقتصاد الإسلامي بتوفيره قروض إسلامية ميسره لتساهم في تيسر وتقوية الاستدامة التنموية, وهذا ما أوصل ماليزيا لمقارعة دول العالم, وتكون مركز للصرفية والمعاملات الإسلامية.
وأكد مهاتير دائما رفضه لفكرة العولمة حسبما تقدمها أو تفسرها الولايات المتحدة، ذلك لأنها ستؤدي إلى فتح أسواق الدول النامية إمام الشركات الأمريكية العملاقة التي لا تقوى مؤسسات الدول النامية على منافستها، وينتهي الأمر باستمرار احتكار الشركات الكبرى, ويرى مهاتير انه لا يجب أن تقبل أي أفكار أو سياسات لمجرد أنها صادرة من الغرب، وطبق أفكاره عمليا عندما رفض تطبيق السياسات التي أوصى بها صندوق النقد الدولي إثناء أزمة الأسواق الآسيوية التي طالت دول منطقة جنوب آسيا بما فيها ماليزيا. فقد تعرضت العملة الماليزية، وهي الرينجيت، إلى مضاربات واسعة بهدف تخفيض قيمتها، وظهرت عمليات تحويل نقدي واسعة إلى خارج ماليزيا، وبدا أن النجاح الذي حققته على وشك التحول إلى فشل, وبعد بحث مستفيض للموضوع، اصدر مهاتير مجموعة قرارات تهدف إلى فرض قيود على التحويلات النقدية خاصة الحسابات التي يملكها غير المقيمين، وفرض أسعار صرف محددة لبعض المعاملات، وهذا يخالف سياسة تعويم العملة التي يصر عليها صندوق النقد الدولي دائما.
ورغم ضغوط الصندوق، إصر مهاتير على سياسته التي أثبتت الأيام أنها كانت ناجحة حتى إن دولا كثيرة تدرسها وتحاول تكرارها. لكن وسائل الإعلام العالمية، حسبما يقول مهاتير، ترفض الاعتراف بالنجاح الذي حققته ماليزيا في مواجهة الأزمة المالية الآسيوية، ولا تظهره بالشكل الكافي.
وأكد مهاتير بأن العمود الفقري للاقتصاد هو المشاريع الصغيرة والمتوسطة, فيجب الاهتمام بها كل الاهتمام, بتيسر طريق الاستثمار, ودعمها حكوميا, وتيسر القروض, والاهتمام بالصرفية والتمويل الإسلامي لأنه بناء اقتصادي مركزي قادم بقوة, ويجب تنويع مصادر الدخل لتأمين الاقتصاد, وأشار هنا بالتجربة الماليزية بتحويل ماليزيا من دولة زراعية بحتة إلى دولة صناعية متعددة الدخل والإنتاج.
وأشار بأن أرضية دول الخليج أرضية خصبة للاستثمار والانتعاش الاقتصادي لأنها تملك ثروات طبيعية ضخمة, وموقع إستراتيجي مميز يتيح لها الانفتاح والتبادل الخارجي بسلاسة, فيجب المسارعة بإنشاء المشاريع التنموية, وقال أيضا بأن دخول السلطنة في مجال التعاملات المصرفية الإسلامية سيخلق أبواب جديدة للاقتصاد العماني, والأرضية العمانية أرضية خصبة للاستثمار والتنمية.
وقال أيضا عن استقالته من منصب رئيس الوزراء: وجدت أنني مكثت فترة طويلة في الحكم وأن الناس أرادوا أن أتنحى، وربما ظنوا أنني أتقدم في السن وكان عليّ أن أفسح المجال أمام قيادة جديدة، كما ترددت في ذهني عبارة كانت تقولها لي أمي، عبارة تطلب عدم إطالة مدة الزيارة حتى وإن كنت محل ترحيب، لأن الناس سيستاءون منك لو أطلت.

2 تعليقات

Comments are closed.