عن الرحيل المبكر للإعلامي سعيد الزدجالي

أستيقظ الإعلام العماني اليوم على نبأ وفاة الإعلامي المخضرم سعيد الزدجالي الذي عاصر الإعلام العماني في فترات مختلفة تجاوزت العقدين. سعيد الزدجالي الذي رحل عن الدنيا في صراع مع مرض عضال ألّم به منذ سنوات. تلك الشخصية التي كانت تظهر نهاية كل أسبوع في حلقة مصورة تتحدث عن السياحة في عمان في الوقت الذي لم تكون فيه آنذاك وزارة أو وزير للسياحة عوضا عن برامجه الأخرى التي قدمها للإعلام العماني. 

تلقف الصحفيون والإعلاميون خبر الوفاة، وهم يتذكرون وجه سعيد الذي  كان يخرج للجمهور بصوته الإستثنئايي محدثا الوجوه بإبتسامته قبل لغته. سعيد الكاتب والصحفي ومقدم البرامج الذي رحل مبكرا عن المهنة وفق صمت المؤسسة التي خدمها بعمره كما يقول اصدقاؤه.

سعيد الزدجالي، صورة ارشيفية : الإنترنت.

 ودّع الإعلام العماني سعيد الزدجالي منذ سنوات، بعد أن تعرض لظروف صحية منعته من مواصلة المشوار، فنعاه أصدقاؤه وزملاء مهنته قبل وفاته. البلد في هذا الحدث تنشر مقتطفات عن مقال  نعى فيه الإعلامي زاهر المحروقي صديق مهنته ” سعيد”.

يقول زاهر في مقاله المنشور في صحيفة الرؤية العمانية في العام الماضي:  كلما جلست مع الأستاذ عبد الرحيم عيسى وهو رائد من رواد الإعلام العماني فإني أفخر بهذا الإعلام الذي ضم كوكبة جيدة من الإعلاميين سواء العمانيين أو العرب الذين كان لهم شرف التأسيس، فالرجل موسوعي في ثقافته ولا يزال الإعلام يجري في دمه لذا تجده يتابع الأحداث ويحللها وكأنه لا زال يعمل محررا أو مذيعا لنشرات الأخبار أو محللا سياسيا، ومثله بالتأكيد هناك كثيرون لكنهم انزووا وتركوا العمل إما برضاهم أو مجبرين، ولا أدري كيف يمكن للإعلامي في العالم أن يتقاعد ويترك العمل راضيا وكأنه موظف إداري.

 

ويسرد زاهر عن تجربته معاناتة أصدقاء المهنة : ” وكيف للكاتب أن يترك الكتابة بمجرد تركه للوظيفة الإعلامية؟ وهو ما شاهدناه في كثير من الزملاء الإعلاميين العمانيين لعل الشيخ حمود بن سالم السيابي واحد منهم فهو عندما ترك العمل في جريدة عمان طلق الكتابة كليا وبالثلاث رغم إمكانيات قلمه وخبرته في مجال الصحافة وكأنّ صفة الصحفي مجرد”وظيفة”، وما ينطبق على عبد الرحيم عيسى وحمود السيابي ينطبق على الكثيرين، فرغم وجود الكثير من البدائل الآن إلا أنهم فضلوا الابتعاد وآثروا السلامة، لقد كان ذلك الجيل الذي بُني الوطن على أكتافه جيلا مميزا وعندما أقارنه بجيل اليوم أُصاب بدهشة من وجود ذلك الفرق الشاسع بين الجيلين رغم أن الجيل الجديد مسلح بالتأهيل العلمي، وإذا كنت أشرتُ إلى عبد الرحيم عيسى فذلك لأني أقابله وأتناقش معه فالإعلام العماني كان زاخرا بالكثير من الكفاءات مثل الأساتذة أحمد الفلاحي وذياب بن صخر العامري وعبد العزيز السعدون ومنى بنت محفوظ وغيرهم الكثيرون، وما ينطبق على الإعلام ينطبق على قطاعات الدولة المختلفة”
ووفق رؤية الإعلامي زاهر المحروقي فإن جيلا ذهبيا عاصرت عمان البدايات  جيل” الـ 70 والــ 80 من القرن الفائت حيث قال في مقاله : ” لقد رزق الله عمان جيلا رائدا ومميزا هو جيل السبعينات فقد قامت النهضة على أكتافهم وهم الذين بنوا عمان وواصلوا الليل والنهار وأعطوا جهدهم ووقتهم لبناء البلد بكل أمانة وإخلاص إذ كان بناء الوطن والإخلاص لجلالة السلطان هو شعارهم، وترفعوا على العصبيات العرقية والمذهبية وأنكروا نفوسهم في سبيل بناء الوطن وكانوا الأساس واللبنات الأولى التي قام عليها الوطن دون مقابل يُذكر، فمنهم من ذهب إلى النسيان ولم يحصل على شيء ومنهم من عانى بصمت ومنهم من حمل في قلبه الأسى لما وصل إليه حال”
ولم يكن يتوقع زاهر المحروقي أن يكتب المقال وأن ينشر اليوم وهو يودع صديقه سعيد الزدجالي الوداع النهائي الأبدي، وهو الذي قال في مقاله: “لقد قدمت هذا المقال اليوم على كثير من المواضيع التي تنتظر دورها للنشر لأن الزميل المذيع سعيد بن محمد الزدجالي شغل بالي كثيرا ومن فترة طويلة إذ هو الآن طريح الفراش يعاني من مرض عضال ونادر يصيب العظام ولم يسأل عنه أحد وهو الذي دخل مبنى الإذاعة والتلفزيون صغيرا وقضى حياته كلها بين جدران المبنيين وهو الذي أعطى جهده وسنين من عمره في سبيل رفع اسم السلطنة إعلاميا وجاب مناطق السلطنة كلها يقدم برنامجا تلفزيونيا عن السياحة في عمان، غير طامع في منصب أو رتبة إلا الراتب الذي كان يتقاضاه، وفي ظني أنه لم يصل إلى ألف ريال حتى الآن رغم مرور هذه السنوات الطويلة من العمل والعطاء وهي حال الكثيرين ممن أعرف”
ويقول المحروفي في مقاله: “إن الزميل سعيد بن محمد الزدجالي من ذلك الجيل الذي أعطى دون مقابل وهو بالتأكيد في مرضه هذا يحتاج إلى من يقف معه في محنته لأن الحالة النفسية عواقبها أشد أحيانا على الإنسان من المرض الجسماني خاصة إذا أضفنا إلى ذلك أن الزميل سعيد قبل مرضه كان قد حُرم من قراءة النشرات الإخبارية في التلفزيون بوجود العناصر الجديدة مما كان له الأثر السيء في نفسه وعلى نفسيته، ومع ذلك واصل المجيء إلى الدوام يوميا وكان يساهم في قراءة نشرات الأخبار في الإذاعة وإذا به يتفاجأ أنه لا يستحق مقابلا ماديا عن ذلك لأن لائحة الأجور تحدد أن من يقرأ الأخبار خارج وقت الدوام الرسمي هو الذي يأخذ المقابل مما يعني أنه قرأ نشرات الأخبار مجانا أكثر من عام، ورغم كل ذلك واظب سعيد على الدوام رغم أنه كان يسحب رجله من موقف السيارات حتى مبنى التلفزيون أكثر من 20 دقيقة صعبة وثقيلة على مريض في العظام مثله “.
“لقد قرأت قصة قصيرة لا أدري من كاتبها تقول:” صافحه الوزير وهو يقدم له شهادة تقدير ودرعا تذكاريا وقال له : أتمنى لك حياة جديدة مفعمة بالنجاح ..خرج الرجل من الحفل ليبيع الدرع في سوق الخردة ويشترى بثمنه عشاء لأطفاله” وفي الحقيقة إن هذه القصة الرمزية تشير إلى حال الكثيرين ولكن يبق أن بطل القصة أُعطي درعا وتمكن من بيعه ولكن ماذا لو لم يعط شيئا وهو حال الكثيرين؟!”
“إن الإنسان ليأسف لحال الكثيرين من المخلصين الذين عملوا بجهد وأمانة وساهموا في بناء الوطن ثم خرجوا من المسألة كلها بلا حمص كما يقول المثل، فكثير من جيل السبعينات الذين أتكلم عنهم أجبروا على التقاعد الإجباري برواتب قليلة لا تكفي لتغطية نفقات الحياة الصعبة ولم يكن حظهم من المقابل المادي جيدا نظير ما قدموا للوطن،والمؤسف أن لا ينالوا حتى كلمة الشكر وهي من أبسط الأمور ومن أبسط الحقوق، وهذا ينطبق على الكثير من الجهات ولا أتكلم عن الإعلام فقط”
وأختتم زاهر مقاله الذي ستتداوله المواقع والمنتديات، كما فعلت البلد : ” وفي العالم العربي نماذج كثيرة تظهر أن كثيرا من المتفانين الحقيقيين والمخلصين للأوطان والذين خدموا وأعطوا بإخلاص عاشوا على هامش الحياة مجهولين وفقراء بينما حصل أناس أو فئات على أعلى الامتيازات مقابل التملق والولاء المزيف، وقد سبق لي وأن تساءلت في أحد المقالات عندما كتبت عن الراحل أحمد الهوان وعن جميلة بو حيرد وعن د. عبد الوهاب المسيري، كم من جمعة وجميلة في الوطن العربي هُضم حقهم؟ وكم من مخلص ومبدع مات حسرة؟ ثم كم من أناس أو فئة استغلوا خزائن الأوطان بالباطل وأكلوا حقوق وأموال الشعوب بغير حق وهم لم يقدموا شيئا للوطن؟نتمنى من المسؤولين في وزارة الإعلام التي أفنى فيها سعيد محمد عمره ونتمنى من الهيئة العامة للإذاعة والتلفزيون ومن الحكومة كل حسب مجال اختصاصه الاهتمام بسعيد وعلاجه لأن مرضه نادر جدا ولا يملك لا هو ولا أهله أموال العلاج وهو نداء أيضا لكل الجهات الحكومية والخاصة أن تهتم بموظفيها خاصة ذلك الجيل الذي بنى عمان وهو جيل يبدو أنه لن يتكرر أبدا”.

 

تقرير:رئيس التحرير – البلد