عبدالناصر النجّار : الثورات العربية لم تحقق طموح الجماهير

أكد أستاذ الإعلام في جامعة بير زيت الفلسطينية الدكتور عبدالناصر النجّار، مدير تحرير صحيفة الأيام الفلسطينية ونقيب الصحفيين الفلسطينيين، على أن هناك تحولات كبيرة حدثت على واقع الإعلام العربي إثر التطور الهائل في وسائل الاتصال والتقنية الحديثة، وأوضح في حديث لصحيفة “البلد” أن الإعلام التقليدي قد انتهى عصره مع بداية القرن الواحد والعشرين، ولم يعد الإعلام الحكومي أو السلطوي في مختلف الدول العربية قادرا على المنافسة في تقديم المعلومات القادرة على إحداث تغييرات في مختلف المجالات، ويضيف :”شهدنا انهيارا واضحا في مفهوم الإعلام التقليدي لصالح الإعلام الجديد الذي بدأ آثاره تظهر مع سرعة دخول التقنية الحديثة وانتشارها في الدول العربية، وتابع النجار: وبشكل غير مدروس ومنظم بدأ تدفق المعلومات للمتلقي العربي دون أن يكون هناك قدرة حكومية للحد من تدفق هذه المعلومات، أو على الأقل “فلترتها”، مما خلق تناقضا كبيرا بين الإعلام التقليدي الذي ساد في القرن التاسع عشر والإعلام الجديد الذي تجذر في المنطقة العربية خلال العقد الماضي، وهذا يؤكده التطور في شكل وسائل الإعلام حاليا، فلم تعد الصحف الورقية مصدراً أولا للمعلومات ولم يعد الراديو أيضاً الذي بدأ تأثيره واضحا في بدء القرن العشرين وهذا ينطبق أيضاً على الإعلام المرئي التقليدي، وليبدأ عصر الفضائيات ومن ثم الإعلام المجتمعي”.

النجّار أثناء حديثه لـ “البلد”

طموح التغيير

وأضاف عبدالناصر:” بدأ واضحا أن الإعلام المجتمعي من خلال استفادته من وصول الإنترنت إلى نسبة لا بأس بها من العرب أثر على تدفق المعلومات بكافة أشكالها الاجتماعية والاقتصادية والسياسية وساهم في إحداث تغيير واضح على المنطقة العربية وخاصة فئة الشباب التي تزيد نسبة التعليم بها في الدول العربية عن ٨٠٪، وبدأ الطموح بالتغيير المبني على مفاهيم سياسية واجتماعية وثقافية مثل الدمقرطة، التعددية، الحريات بمختلف أشكالها، حقوق المرأة والطفل، والحكم الصالح والفصل بين السلطات الثلاث ( التشريعية والقضائية والتنفيذية)، وأيضاً في الجانب الاقتصادي كالحد من البطالة، وتوظيف الخريجين، والمنافسة المشروعة، والتنمية، ودعم القطاع الخاص من أجل خلق فرص عمل حقيقية وليس بمفهوم البطالة المقنعة”، وأوضح النجار أن “أهم التغييرات التي حصلت في المنطقة العربية دخول المنظمات الأهلية إلى العمل، وبالتالي فإن الإعلام المجتمعي ضخ الكثير من المعلومات للشباب مع ملاحظة مهمة وهي التدقيق في صحة الإعلام المجتمعي، ولكن الإعلام الجديد والإعلام المجتمعي تمكنا خلال فترة زمنية محدودة من تشكيل رأي عام واسع في كل البلدان العربية، ومن هنا ظهر تأثير هذا الإعلام على الرأي العام على الربيع العربي الذي تأثرت به عدد من الدول بشكل مباشر وباقي الدول العربية بشكل جزئي، مما أجبر النظام السياسي التقليدي على تغيير الكثير من مفاهيم الحكم، وربما للمرة الأولى التنازل الواضح لصالح الشعوب”.

تأثير الإعلام الجديد

وأشار النجّار إلى وجود خطين متوازيين لتأثير الإعلام الجديد على الرأي العام، “الأول هو نقل المعلومات دون التحقق من مصداقيتها وهو ما يخلق إشكاليات كبيرة قد تكون تأثيراتها السلبية أكثر من الإيجابية، حيث التركيز على الأبعاد السياسية في هذا المعلومات يضعف من البنى المجتمعية الأخرى، وبالتالي إحداث التغيير السياسي دون موازاة مع تغييرات اقتصادية واجتماعية وثقافية تؤدي إلى تناقض واضح في المفاهيم والثورات التي ساهم هذا الإعلام بتأطيرها، ونلاحظ اليوم أن الثورات العربية لم تحقق طموح الجماهير، وبالتالي هل هو قصور في الإعلام الجديد ونقله للمعلومات أم أن الوضع العربي غير مواكب للتطورات في العالم بشكل أجمع”، ويضيف النجار:” أما الخط الثاني فهو التأطير في الإعلام الفضائي الجديد لصالح أنظمة سياسية قادرة على الدفع المالي وتهديد أنظمة أخرى من خلال التثوير الإعلامي وهذا أدى إلى إشكالية كبيرة في المفاهيم الإعلامية الحديثة، وبمعنى آخر كنا نلاحظ السبعينات وما قبلها الانقلابات العسكرية في بعض الدول العربية الممولة من أنظمة سياسية محافظة أو قومية أو ثورية، واليوم نشهد دعم لانقلابات سياسية من خلال الإعلام الفضائي والإعلام الجديد”.

جنى على نفسه

وأوضح النجار:” أن الإعلام التقليدي العربي بني على ثلاثة قواعد أساسية هي التمويل والملكية والانتماءات السياسية مما شكل بوابة بين هذه العوامل والجمهور العربي، أو بمعنى آخر، السياسات التحريرية في وسائل الإعلام التقليدية عملت كحارس البوابة الذي يقدم المعلومات كما يشاء ومتى يشاء وماذا يهدف من هذه المعلومات، وبالتالي الإعلام التقليدي حاصر نفسه برقابة شديدة بحيث أن معظم المعلومات التي كان يقدمها لم تحدث أي تغيير إيجابي، بل ساهم في ترسيخ الأنظمة السياسية العربية علما بأن معظم وسائل الإعلام مملوكة للحكومات، مما أدى إلى عزوف الجمهور عنها، فمثلا مقروئية الصحف في الوطن العربي كانت هي الأقل عالميا مقارنة بدول نامية في أفريقيا وآسيا وبالتالي الجمهور العربي لم يجد فيها، وخاصة الحكومية، أي دور إيجابي قائم على أسس المسؤولية الاجتماعية، فقد كان متعطشة بصورة كبيرة لإعلام بديل عن هذا الإعلام الذي جنى على نفسه خلال سنوات طويلة والانغلاق في دائرة مغلقة، ولا أعتقد أن هذه نهاية للإعلام التقليدي وأظن انه سيبقى لعقدين من الزمن بتأثير محدود كحد أعلى كما هو الحال عند الخبراء المتفائلين، وفي الجانب الآخر هناك تطور واضح في الإعلام المجتمعي من خلال تضاعف أعداد المشتركين فيه وإقبالهم عليه، حيث أن العالم أصبح بسببه قرية صغيرة فكيف سيكون شكل العالم العربي في هذه القرية”.

فلسطين والإعلام الجديد

وعن تأثير الإعلام المجتمعي على الفلسطينيين يقول النجار: “فلسطين كباقي الدول العربية تأخرت في الإعلام المجتمعي مع وجود خصوصية التناقض الأساسي مع الاحتلال وبالتالي الإعلام المجتمعي بدأ يأخذ مساحة واسعة متفوقا على الإعلام التقليدي وبدأ الكثير من الفلسطينيين يستقون معلوماتهم من هذا الإعلام خاصة في القضايا التي لا يتجرأ الإعلان التقليدي الخوض فيها مثل الفساد الرشوة حقوق المرأة التطبيع وغيرها من القضايا التي بدا يعتمد فيها الفلسطينيون على المجتمع، وبذلك أصبح جليا أن مستقبل الإعلام في فلسطين هو الإعلام الجديد المتجدد وربما أكثر المستفيدين من هذا الإعلام الجديد هي الحركات الإسلامية التي تدعو إلى مقاومة الاحتلال من جانب وتحقيق مطالبها الاقتصادية من جانب آخر، ويضيف :”ولا شك أن الإعلام الجديد أثر إيجابيا على مواجهة الاحتلال على الصعيدين العربي والدولي، ومثال ذلك عندما أعلن الأسرى الفلسطينيين الإضراب عن الطعام وتم نشر ذلك في وسائل الإعلام الاجتماعي وتغيير صورة الأشخاص على الفيس بوك وتويتر وباقي مواقع التواصل الاجتماعي إلى كاريكاتير لاحظنا أن الآلاف من الشباب العرب يتفاعلون مع هذا الطلب مما شكل رأي عام كبير واضغط لتحقيق المطالب، وبالتالي تدفق المعلومات من الإعلام الجديد سيكون في صالح القضية الفلسطينية على الرغم من وجود الكثير من المعوقات من دولة الاحتلال من خلال الضغط على الشبكة العنكبوتية الفلسطينية أكثر من مرة ومحاولة إغلاق بعض المواقع”.

علي الأنصاري والنجّار في أوهايو الأمريكية

الإعلام في الخليج

وعن الإعلام الخليجي يقول نقيب الصحفيين الفلسطينيين : “لا يختلف كثيرا عن الإعلام العربي فهو إعلام ممول وفي معظمه يميل للجهات الممولة، وربما وجود خصوصية تتمثل في الوضع الاقتصادي الذي أدى إلى إشباع رغبات الناس اقتصاديا وماليا ويلهيها زمنيا عن قضاياها، ولكن بدأنا نشاهد الدور المؤثر للإعلام المجتمعي في بعض الدول الخليجية وانعكاس هذا الإعلام على تنظيم مسيرات ومظاهرات ورفع شعارات تطالب بالحقوق ، وهذه القضايا لا يتعرض لها الإعلام التقليدي ولكنا تثار بشكل كبير في الإعلام المجتمعي، ويضيف:”من الجيد أن نرى جمعيات للصحفيين في الدول الخليج، ولكنها في الواقع أقل تطورا من الاتحادات والنقابات العالمية ربما لأن كلمة اتحاد أو نقابة غير مرغوبة سياسيا في دول الخليج، وأيضاً أن بعض الدول لا يوجد بها جمعيات أبدا كقطر التي فيها أهم وسائل الإعلام تأثيرا، إلا أنه لا يوجد تأطير للصحفيين، فمازال ممنوعا تشكيل نقابة، كما أنه في السعودية أعضاء الجمعية تختارهم الحكومة، مما يجعل تأثير هذه الجمعيات محدود جداً على ما يطرحه الإعلام في منطقة الخليج، حيث تحتاج إلى انتخابات قوية وتمكين الصحفيين من الدفاع عن حقوقهم والدخول إلى المناطق المحظورة من أجل تغطية الكثير من القضايا الموجودة والهموم الجماهيرية والمستقبلية.

الأخلاقيات والمستقبل

ويختم أستاذ الإعلام في جامعة بير زيت الفلسطينية حديثه لـ “البلد” قائلاً:” الإعلام الجديد والمجتمعي له المستقبل مع التطور المتواصل في التقنية وهو ما سيحدث انقلابا كبير، وبالتالي الاستثمار في هذا الإعلام أصبح ضرورة وواجب أخلاقي، ولكن مع تجنب الوقوع في أخطاء الإعلام التقليدي السابق، فالإعلام الجديد يحتاج إلى منظومة أخلاقيات جديدة وهي غير متوفرة على المستويين العربي والدولي حالياً، وعدم وجود إطار واضح لمثل هذه الأخلاقيات يجعل الإعلام المجتمعي كتابة غير متوازنة ينمو فيها الضار والنافع والخوف من غلبة الضار مستقبلا أن لم يكن هناك إطار أخلاقيا ومن ثم قانونيا للتعامل مع تدفق المعلومات”.

مدير التحرير – أوهايو – البلد