صُوَرُكم، وجوهنا

(1)

في هذي البلاد تنشر صور المجرمين – عمانيين كانوا أو غير عمانيين — في صحافتنا المحلية الجليلة التي يُفتَرض انها تحترم مشاعر الناس، وهويّاتهم الشخصية، والعائلية، والجمعيّة أكثر إلى أكبر الحدود – تجار ومروجو خمور ومخدرات ومجوهرات وساعات يد مُزيَّفة التصنيع، مغتصبون ومتحرشون جنسيون بالأطفال والقاصرات، قتلة، مشعوذن، ومرتزقة يفهمون أو لا يفهمون “قوانين” الارتزاق، إلخ – حتى بدون ذكر أسماء البلدان التي يحملون جنسياتها – انهم “آسيون” أو “أفارقة” فحسب خوفاً على توتر علاقاتنا الاستراتيجية، والأخلاقية، والتاريخية الوطيدة مع دولة فولتا العليا، أو ساحل العاج، أو جزر الواق واق، على سبيل المثال.

عبدالله حبيب
لا تزال “صورتنا” في الخارج تهمنا أكثر مما يهمنا “وضعنا” هنا في الداخل، فمواطنة عمانية (أعرفها جيداً) تشحذ وتستجدي على أرصفة الشوارع في منطقة الخوير، بينما من المشاهد “البربوغاندية” (الخارجية) عن عمان مشهد باذخ لفندق قصر البستان البهيج.
 لا نزال نترنح بإصرار نحو الحضيض العالي.
يمكن القول أن هذه سياسة “فوتوغرافية” بامتياز.  بَيْدَ انها ذات الفوتوغرافيا التي جعلتنا نتقيأ أحشاءنا دماً وقَيْحَاً وصديداً حين حدث ما حدث.
ففي النسبة للعمانيين لا تنشر أسماء القبائل حتى في الحالات الجُرميَة البَيِّنَة، إذ أننا أبناء مجتمع قبلي مجيد، وتقليدي تليد، ومحافظ أكيد، مهمته “صيانة الوحدة الوطنية” و”الترابط الاجتماعي” و”العرف الأخلاقي”؛ فإذا ما جاهر شخص أحمق وأخرق وأهوج مثل عبدالله حبيب المعيني مثلاً باستيائه من الإهانة والإساءة اللتين حاقتا بأُناس من بني وطنه في قضية نشر الصور فإننا قد نصدر حكماً اجتماعياً أو قضائياً قاسياً ضده شخصياً، لكننا نقول في الوثيقة الصحفية إنه “ع  ح” فحسب؛ إذ ان ليس كل آل معين الكرام مسؤولون عن شذوذ آفاقه وانحطاط أخلاقه (والمفارقة هنا هي ان السلطة نفسها هي من كرّس هذه البنية القبليّة تاريخياً.  لكن لأية أغراض؟).
عوداً إلى بدئ، توضع عصابة سوداء على عيني المتهم، أو حتى المُدان، بل وفي بعض الحالات يُصوَر من الخلف.  وهذا ما حدث تحديداً وبالضبط في نفس العدد من تلك الصحيفة الذي نشرت فيه صور الدفعة الثانية من “ولاد بلادي” المتهمين بالإساءة والتحريض في حكم ابتدائي فقط، وكأن الورق يعلم مقدماً ما سيقوله الاستئناف، أو ما سيقوله الله.
“المفارقة تاريخ” (ماركس).
وحقاً، صدق رولان بارت في كتابه Camera Lucida عندما قال:  “ان من ينظر إلى عيني شخص آخر فهو مجنون”.
أقف شخصياً ضد حكم الإعدام مهما كان الجرم، إذ لا يحق لإنسان أن ينهي حياة إنسان آخر، لأنه ليس من وهبه إياها في المقام الأول.  لكن في معظم دول العالم فإن عقوبة “الخيانة العظمى”، أي خيانة الوطن، هي الإعدام بلا أي جدال، ولا أي هرج ومرج وكثير نقاش.
أما فيما يخص قضية خلية التجسس التي حدثت عندنا قبل مدة (تناقلت الألسن والشفاه الخبر ثم بثته ذات وكالة الأنباء ذاتها، ثم الصحف عينها)، والتي تورط فيها العديد من “مواطنينا” أعاننا الله منهم ومن “مواطنتهم” لنا، فإننا لم نرَ صورهم منشورة في الصفحات الأولى من صحفنا الجليلة المهيبة، ولم نَرَ وجوههم، ولا نعرف أسماء قبائلهم.  لا نزال لا نعرف أسماء الخونة، ولا نعرف أماكن وتواريخ ميلادهم، ولا تواريخ اكتناز حساباتهم المصرفية في بنوك سويسرا بالأموال المسروقة من حليب أطفالنا ودم أمنا الجليلة عمان.
(2)
في صوركم لا نرى وجوهنا فحسب، لا نرى الفأس وقد ذابت على الهواء والملامح فحسب، لا نرى الماء حزيناً على الندى فحسب، لا نرى السجين وهو يقترح أدوات تعذيب جديدة على السجّان فحسب (“عندما  كان الحارس ينام/ كنت أوقظه”، قاسم حدّاد)، لا نرى القافلة قرب القافية فحسب، بل نرى وطناً بأكمله (أيضاً:  فحسب)
في صوركم أرادوا تنكيس القلوب
فرفعنا عيوننا أكثر وأكثر
حتى خجلت السماء التاسعة
ونكّست ركبتيها
أمام ترابكم.
(3)
في فيلم “الواقعية أفضل” الذي لا تزيد مدته عن دقيقة واحدة فقط لاثنين من سينمائيينا العمانيين الشباب – وهما ياسر الكيومي وداود الكيومي– (وهو الفيلم الحائز على الجائزة الأولى في فئة أفلام الطلبة في الدورة الأولى من مهرجان الخليج السينمائي، دبي، 2007) لا تقوم آلة التصوير بتسجيل الجريمة، أو توثيقها، أو إثباتها، بل ــ إذا ما كنتَ مشاهداً فطناً وتتأمل في الأمر جيداً ــ فسترى ان آلة التصوير تقوم بالاعتراف انها أداة الجريمة في المقام الأول، وليست الشاهد عليها.
بين “المأساة” و”الملهاه” لا يزال هيغل وماركس يزعجاننا من قبريهما منذ القرن التاسع عشر.
(4)
حقاً:  “في أزمنة الظلمة تصفو الرؤية” (ريتكه).
وفي عيونكم لا بريق غيركم
في عيونكم عيون الليل الذي يرانا.
(5)
حين أحدق في عينيك المنهكتين لفرط ما رأيتَ به أحوال البلاد والعباد فإني أتذكر هذا:
“سلطان
أعرفك الآن أكثر
أنت سؤال
كيف يقتلون السؤال؟” (علي الشرقاوي).
(6)
في نفس الصفحة المنشورة فيها الدفعة الأولى من صوركم في إحدى صحفنا.. الصور التي يهطل من عيونها الغيث، كانت هناك صور للأمطار التي هطلت علي البريمي ومحضة، وجريان الأودية بدماء والطائيين
لكنهم لا يفقهون
لن يفقهوا أبداً
لن يفقهوا أبداً لأنهم أشد عسراً من أن يغسلهم الماء.
(7)
شعر رأسك الأشعث كانت أمّي قد مشَّطته بمشطها الخشبي القديم
وكانت محفوظة ولطيفة قد قبّلتاه بعد أن تناولنا “الريوق”
والصورة ليست إلا مجازاً (تنويعاً على سوزان سونتاغ).
(8)
نعم، في هذه الحالة:  تعلو العين على الحاجب.
(9)
نحن القطارات وأنتم البحر
لا يسير القطار إلا على البحر
لا يتكاثر البحر إلا على التراب
أنتم الوجوه ونحن المرايا.
(10)
“الأخلاقيّات هي جماليّات المستقبل” (لينين).
(11)
القفص الصدري يقبض على الأسرار
لا شيء في القفص الصدري
لا شيء في القفص الصدري سوى رئتيك المنهكتين لفرط العاصفة
لا شيء في القفص الصدري سوى ذيك العيون.
(12)
عيناك في وَسَنٍ
كأنك الطوفان.
.
(13)
أحبكم
والوطن ليس طلسماً
ولا نسياناً.
(14)
في مقلتيك
يكمن نديم الأرض
وندمها
وكم في الأرض من فقد وندم
إلا على الحب
إلا في الحب.
(15)
لا يُعالج الخطأ بالخطأ إلا من كان خطّاء بطبعه.  ومن أساء مرة يمكن أن يسيء مرة أخرى حتى لو في المرة الأولى اعتذر بطريقة يعتقد البعض انه ينبغي الاعتذارعنها أصلا.
لكن (وهي “لكن كبيرة” على طريقة التعبير الأمريكي)، وليس من باب التظاهر بـ “التوازن”، فإنه ينبغي التمييز بين المؤسسة الإعلامية باعتبارها أداة للحكومة/ الدولة وبين الأناس العاملين في تلك المؤسسة باعتبارهم أشقاءنا في الوطن والمواطنة.
في تلك المؤسسات الإعلامية التي شهّرت بمواطنينا هناك من يتميّز غيظاً لما حدث مثلنا تماماً.  وما أدراكم ان هناك على رأس الجهاز الإعلامي من هو غير راضٍ عما جرى.  لكن أين هو الحول، وأين هي القوة حين يكون المرء مضطراً لتنفيذ أوامر جاءت “من فوق”؟.
ردة الفعل الأخلاقية الشخصية المباشرة (الاستقالة مثلاً) متروكة لضمير وظروف كل شخص على حده.  ولست ممن يحبون أكل لحم إخوانهم أمواتاً فكرهتموه.
(16)
في التلفزيون تظهر صوركم كما لو أنها جزء من فيلم وثائقي عن عمان في قرن غير هذا.
أنتم التاريخ.
(17)
رولان بارت في كتابه المرجعي عن تحليل الصورة الفوتوغرافية الذي سبقت الإشارة إليه – أي Camera Lucida – يعمد إلى شحذ مفهومين جاء بهما من الإغريقية:  الأول هوstudium  الذي يصير لديه الانخراط الثقافي العام في الصورة الفوتوغرافية.  المفهوم الثاني هوpunctum؛ أي ما “يَثقُبُ” بمعنى: “يَجْرَحُ” أو “يأسِر” في ذات الصورة (الـ stadium هو الصورة الشهيرة لجثة ذلك المناضل الأمريكي اللاتيني المتروكة في العراء؛ الـ punctum هو الذباب وقد بدأ يتكاثر على وجهه).
آه، كم في عيني كل واحد منكم من ألف punctum.
(18)
قد لا أتفق مع بعض أو كل ما تفعل، لكنك إن تعرضتَ لإساءة فسأدافع عنك حتى الموت إذا اقتضى الأمر.
(19)
“ينبغي ترجيح الإستحالات الممكنة على الإمكانات المستحيلة” (أرسطو) .
(20)
أنتِ لطيفة:
حمقاء وصغيرة ومتهورة
ضحكتها طويلة، لكن صامتة
ابتسامتها حزينة ومُهمَلة
عيناها ساهمتان إلى التراب
عيناها ساهمتان في الهواء
وفي قلبها فناجين فارغة.
(21)
تسجنني صورتك
ومن يحبسك؟.
(22)
في متاريسك الضامرة
لم يروا عيني زرقاء اليمامة.
(23)
“الضارب ينسى، والمضروب ما ينسى” (مثل شعبي).
(24)
ما أشبه الليلة بالبارحة؛ فبحسرة أمي على محفوظة ولطيفة تذكّرني صوركم المنشورة على ذلك النحو بالطريقة التي نشرت بها صور وجوه شهداء السبعينات، خاصة المجموعة التي تم إعدامها في إثر وقوعها في كمين الرستاق في حوالي الثامنة من مساء 29 أكتوبر 1974.  (أنظر عدد السبت، 26 إبريل 1975 من صحيفة “عمان” [نعم، هيَّه ما غيرها!].  ولم تكن جريدة “الوطن” تصل إلى قريتي المبجَّلة مجز الصغرى عهدذاك، أما صحيفة “الشبيبة” فطبعاً لم تكن قد أنشئت بعد!).
(25)
“استعدوا
الماضي قادم” (قاسم حداد).
(26)
تقف الزنزانة أمام الجريدة، وتمشّط شعرها.
(27)
لا أحبكم
أنتم أبعد من المحبة (أقصد:  أقرب من كل الكلمات).
(28)
أما أقوم به الآن “إساءة وتحريض” أيضاً؟!.
(29)
“الغوص فِ الرَّدَّة” (مَثَلٌ شعبي).
(30)
في عيونهم (هُم)  يمتلىء الفراغ بالفراغ.
(31)
المسافة من ظفار إلى مسندم رموش وحواجب.
(32)
ينظر الجلاد إلى عيونكم في الصُّور، فيستحي، ويختفي.
(33)
أحببت عيونكم كما أحبّت وجهي الوحشة.
(34)
لم يعد في مقدور أحد أن يغادر وجهه
وهم لا وجوه لهم.
(35)
“لقد كدّتُ أن أنسى طًعْمَ الخوف” (شكسبير).
(36)
كلّنا سيغادر إلى التراب
وسوف يبقى التراب هنا.

9 تعليقات

  1. مقال راقي من استاذ راقي..

    ((قد لا أتفق مع بعض أو كل ما تفعل، لكنك إن تعرضتَ لإساءة فسأدافع عنك حتى الموت إذا اقتضى الأمر )).
    عبدالله حبيب..

  2. مقال راقي من استاذ راقي..

    ((قد لا أتفق مع بعض أو كل ما تفعل، لكنك إن تعرضتَ لإساءة فسأدافع عنك حتى الموت إذا اقتضى الأمر )).
    عبدالله حبيب..

  3. بعض الكتاب يغطي ضعف كتابته بالتعكز على أسماء يتصورها تمنحه قوة. ما أهمية رينكة أو علي الشرقاوي أو بارت أو ماركس ليعتبر ما قالوه قرآنا جديدا؟ إنها الدعاية الغبية التي تطبل لها بعض وسائل الإعلام حتى تخدع المواطن عن نفسه وتقتلعه من قيمه والتي ساقت هي وغيرها مجتمعات كثيرة نحو الدمار والقتل والخراب. وإذا كان المحكوم عليهم (ولاد بلادي) كما تقول فالذين يعارضونهم أليسو (ولاد بلادك وبلادي) أيها المحترم؟
    محمود

Comments are closed.