صيني مع شاي كرك وهندي مع شاي أخضر ..!

حين تكون في مدينة دبي يتعاظم فيك إحساس بأنك في كل الأماكن وهذا ما أشعر به دائما حين أكون في دبي .. وهي مدينة تتميز في كونها تجامع تحت سقف واحد مختلف الثقافات والحضارات لدرجة يصعب على المرء التمييز بأنها دولة خليجية بل هي خليط سكاني متعدد الفكر والثقافات والهويات وفي مثل هذه المدن يقابل المرء العجائب وتجتمع أمامه الدهشات ويجد نفسه متعاطيا ومتلقيا ومستمتعا بها ومعها..

ليلى البلوشي : للتواصل : Lailal222@hotmail.com

ومن الغرائب التي استوقفت نظري أثناء تواجدي في هذه المدينة هو تعاطي الناس ببساطة مع كل ما هو مختلف ومع كل ما لا ينتمي إلى ثقافتهم ؛ ففي ” دبي مول” رأيت رجلا من جنسية هندية يتأمل على إحدى المقاعد الفراشات الصناعية البيضاء التي تتدلى كأسراب من قبّة السقف بينما يحتسي بهدوء راهب شايه الأخضر .. وحين عرجت على ” سوق التنين ” فاجأني صيني يحملق في جهاز الآي باد وهو يأكل شطائر الجبن مع كوب شاي كرك كبير ..!

ورأيتني أتساءل : ترى هل ما رأيته هو ” تمازج ثقافات” أم أنه ” تصادم حضارات ” ..؟!

لا شك أن الانفتاح الذي يحياه العالم اليوم أحدث انقلابا هائلا في الأفكار وفي تعاطي الثقافات بمختلف أنواعها ، دون أن نشك لوهلة أن هذا التطور يكاد يساوي بين جميع الدول فــ” لندن ” كــ” دبي ” والصين” كــ” الهند ” من هنا تشكلت هوية مختلفة يتعاطى منها ومعها الجميع دون أن ننكر الحذر السائد في عملية التعاطي ، فكما هو معروف دائما العالم الغربي منفتح بشكل أكبر وأعمق على كل ثقافة جديدة تحمل معها تحديات واستحداثات جديدة ؛ فالشعب الغربي يقبل على المغامرة بهدف اكتشاف لبّ المغامرة نفسها ومراكمة معرفة جديدة على رصيدهم المعلوماتي ؛ على نقيض الشعوب العربية التي كانت في موضع متوجس ومتفرج ومن ثم متلقي حذر ومعظم الإقبال على الوسائل المستحدثة بقي لزمن بتسويغ تقليد أعمى ونتاج إشباع فضول من ناحية أخرى ..

ولكن حاليا الثقافة العربية أخذت تقبل باندفاع حقيقي وواضح على مختلف الفكر والثقافات  لارتفاع منسوب الوعي والنتاج المعرفة والرغبة في التلقي .. دون أن ننكر أن مع انفتاح الحضارة الإسلامية بدأ يتدفق خوف من قبل أوروبا في استقبال كل ما هو عربي لما يحمله من نظرة إسلامية بدأت تكتسح دولهم نتيجة هجرات العرب والمسلمين ..

لعل توجس الحذر للأمم من الانفتاح عائد إلى تفاقم الشعور من فقدان ماض عريق بالأصالة أو إسقاط لقيم نبيلة يتمتع بها تاريخهم ؛ وهذا ما عانته اليابان حين انفتحت بعد خسائر الحرب على كل ما هو مستحدث وأمريكي توجس معظم كتابهم ودعاتهم من هذه الخطوة الجريئة في التعاطي مع هويات أخرى وهذا ما دعا أديب عظيم بحجم ” يوكيو ميشيما ” إلى الانتحار لاستعادة الروح اليابانية النبيلة نتيجة انجراف اليابانيين خلف العولمة ..!

لكن انفتاح اليابان تسامق بمكانتها عاليا كدولة صناعية كبرى وذات هيمنة اقتصادية ؛ فهي عرفت جيدا كي توازن ما بين معطياتها العريقة كإمبراطورية وما بين روح العصرنة والحداثة وحققت ذلك بجسارة دون خوف أو وجل ..

على نقيض فرنسا ؛ فمعظم الفرنسيين باتوا لا تثيرهم الوسائل الحديثة ذاك الاهتمام كالعولمة والانترنت وذلك ناجم عن خوف أن هذا سوف يؤثر على مكانتهم وثقافتهم ولغتهم فهم يرون أن العولمة مرادفة اليوم للأمركة ؛ لهذا يمتعضون من افتتاح مطعم للوجبات السريعة في حيهّم .. كما أنهم حانقون على هوليود والـNNوديزني والميكروسوفت وغيرها من أشياء ليست من أصول فرنسية ..!

هنا الحداثة تغدو مثار شبهة حتى في بلد مزدهر ومتطور كفرنسا ؛ فدولة كعراقة تاريخ فرنسا تخشى من فقدان هويتها أمام تحديات هويات أخرى بدأت عن طريق الانفتاح العولمي تحتل حدودا وتصل لآفاق شتى ..

عصرنا يشهد تحديات عديدة والإنسان كائن متحول ومتغير في طبائعه وذوقه وفكره وثقافته فإذا ما كان الهنود أصبحوا يفضلون الشاي الأخضر والصينيون استعاروا منهم الشاي كرك هنا تظل المسألة حاصرة في منتج واحد مختلف في مذاقه وطريقة إعداده ولكن أن ينكّب الفرنسيون على الموالح والهريس والبرياني بالمقابل العرب يهجمون على أفخاذ الضفادع المشوية ونودلز الأندومي فهنا المسألة تكاد تكون غريبة ومدهشة ودمج وتلاقح حضاري عميق ..

واتفق مع ما ذهب إليه ” أمين معلوف ” في كتابه ” هويات قاتلة ” حين قال : ” إن الانقلابات التكنولوجية والاجتماعية التي تحدث حولنا تشكل ظاهرة تاريخية ذات تعقيد واتساع كبيرين ، يستطيع كل فرد أن يستفيد منها ولا أحد قادر على السيطرة عليها ولا حتى أمريكا .. ”

 

وللروائي التركي ” أورهان باموق ” رأي عن التصادم الحضاري عبّر عنه بقوله : ” أنا لا أؤمن بالصدام بين الحضارات ، فأنا أؤمن بالوئام والتواصل بين الحضارات ، فالثقافات دائما متداخلة وهذا هو الثيمة الأساسية لكتبي ” ..

وأضيف أخيرا : من الجميل أن نحيا تنوعنا دون أن نفقد ذاكرة أو كرامة ..

 

 

 

6 تعليقات

  1. اولا ليلى انتي رائعة في ما كتبتي…ثانيا أننا نحن العرب اكثر الشعوب فقدانا لهويتنا وثقافتنا امام الامركة المعولمة..حتى لغتنا التي نعتز بها لم تصمد امام طوفانهم وهي المتجذرة في التاريخ.

  2. نحن نعيش في عالم واحد و وطن واحد وهوية واحدة

    هذا هو القرن الواحد والعشرين …

    لكن اهم شي عندي هو الحفاض على الدين …

    يجب علينا ان نشارك الامم الاخرى تقاليدهم دون المساس بتقاليدنا الثابته المستمدة من الدين الاسلامي

    هي مسألة توازن صعبة عند الكثيرين

  3. نحن نعيش في عالم واحد و وطن واحد وهوية واحدة.

    هذا هو القرن الواحد والعشرين ….

    لكن اهم شي عندي هو الحفاض على الدين ….

    يجب علينا ان نشارك الامم الاخرى تقاليدهم دون المساس بتقاليدنا الثابته المستمدة من الدين الاسلامي.

    هي مسألة توازن صعبة عند الكثيرين.

  4. السلام عليكم و رحمة الله و بركاته..
    بوركتِ أخت ليلى و إلى الأمام دومًا في عالم الكتابة و التدوين، و اسمحي لي بمداخلة صغيرة: في الواقع إن هذا الأمر ليدعو إلى الشعور بالارتياح و الرضا حيث أن شعوب الأرض أصبحت في حالة تقارب و تآلف و تمازج، و كما نعلم جميعًا ألّا مانع مطلقًا من هذا الأمر سواء فيما يختص بالأطعمة المختلفة أو اللغة أو اللباس أو السينما أو غيرها من الأمور الحياتية، شرط أن يحافظ المرء على هويته و دينه و مبادئه، أحسنتِ مجددًا و أتمنى لكِ كل خير.. أما بالنسبة للأخ/ علي العبدور: أخي أحسنتم بتعليقكم و لكن اسمحوا لي أن أناقش ما تفضلتم به حيث أنه لا ينطبق تمامًا على مجموع العرب أو بالأحرى ليس بتلك الدقة، فالمحافظة على الهوية من عدمها ليس مختصًا بشعبٍ دون آخر، بل هو مرتبط بمدى تمسك الفرد الواحد بدينه و قيمه و مبادئه و حذره في تعامله مع الثقافات الأخرى، فكما أن هنالك جمعًا غفيرًا من العرب الذين انسلخوا من قيمهم و مبادئهم و انساقوا إلى أبواق البهرجة المزعومة للغرب و ثقافاتهم، فهنالك أيضًا من العرب ممن لا تهزهم الريح و ما زالوا على عهدهم بدينهم و أوطانهم و مبادئهم رغم تقدمهم في الحياة و اتباعهم لأساليبها الحديثة، فالمسألة عائدة إلى نظرة الفرد نفسه للأمور، و كما قال تعالى : "يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر و أنثى و جعلناكم شعوبًا و قبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم إن الله عليم خبير".. أرجو المعذرة على الإطالة، و تقبلوا تحياتي..

  5. استعير من الكاتبة الجميلة عبارة واحةد وهي:
    وهي مدينة تتميز في كونها تجامع تحت سقف واحد.. ما معنى دبي تجامع؟ لا أريد أن أحدش الحياء العام وأكشف المستور والمستخبي.

Comments are closed.