صراع الأجيال .. حقيقة أم خيال

​ليس معلوما طول الفترة الزمنية بين الوقت الذي أنزل الله تعالى فيه آدم وحواء إلى الأرض وبين الوقت الذي قتل فيه قابيلُ هابيلَ، ولكن ما نستفيده من هذه القصة والعبرة التي نأخذها من قراءتنا للآيات التي تحدثت عن هذه الواقعة هو تغير السلوك البشري جيلا بعد جيل، فقد كان الجيل الأول المتمثل في أبينا آدم وأمنا حواء يعيش بكل أمان واستقرار، حتى جاء الجيل الثاني من البشرية وهم هابيل وقابيل اللذين أختلفا في القربان الذي قدماه إلى الله سبحانه وتعالى فقبل الله تعالى قربان هابيل ولم يتقبل قربان أخيه قابيل، فقد كان هذا الأمر سببا للصراع بين الأخوين رغم التربية التي تربيا عليها من أبيهما أدم النبي وأمهما حواء، فقد اختلف قابيل في الرأي مع أخيه الأكبر هابيل، وكأن قابيل قد أبدى حساسية في التعامل مع أخيه الأكبر.

​كانت الاستعانة بالنموذج السابق ضرورية للولوج إلى موضوع حديثنا، حيث أن التاريخ البشري يثبت لنا أن سلوك الأفراد والجماعات يزداد تأثرا بغيره أو تأثيرا على غيره كلما تشعبت علاقاته مع الغير سواء على المستوى الفردي أو الجيل بأكمله. حيث تتحدد طبيعة هذا التأثير والتأثر بنوعية هذه العلاقات والمجتمعات وسلوكياتها ووسائل الاتصال والتواصل المتوفرة في حينها. وعليه أخذ هذا التأثير والتأثر منحىً تصاعديا سلبيا كان أو إيجابيا حتى وصل في عصرنا الحالي إلى حالة أقرب ما تكون من الصراع إن لم تكن صراعا بعينه أنتجته الثورة المعلوماتية ووسائل الاتصال الثورية.

​وعندما يصل الأمر إلى المقارنة بين آخر جيلين في مجتمعاتنا العربية والإسلامية، ألا وهما الجيل الحالي والجيل السابق، نجد أن كلا الطرفين يدعي أنه الأفضل والطرف الآخر هو الفاسد. ولا يجد رواد الجيل السابق أية صعوبة في إلقاء اللائمة على مكونات الجيل الحالي وترف الحياة الذي وفرته لهم التكنولجيا المعاصرة.

​وقد يتطور هذا الأمر إلى أن يصف أبناء الجيل الماضي شباب الجيل الحالي بأنهم متمردون وفاقدون للإحساس بالمسؤولية والإنتماء إلى الوطن والمعتقد والموروث الشعبي. وفي المقابل نجد أن الكثير من شباب هذا الجيل يصفون الجيل الماضي بالتخلف والرجعية وعدم الإلمام بالتطور العلمي والتكنولوجي.

​لقد تطرق العلماء والمفكرون إلى هذا الموضوع وألفت الكتب وأجريت الدراسات والبحوث من أجل الوصول إلى المسببات الحقيقية لهذا الصراع ووصل العديد منهم إلى نتيجة مهمة للغاية والمتمثلة في قول الإمام علي – كرم الله وجهه- في إحدى كلماته: “لا تؤدبوا أولادكم بأخلاقكم لأنهم خلقوا لزمان غير زمانكم”. وقد رأيت العديد من المواقف التي صدرت من بعض الآباء والذين لا زالوا يتعاملون مع أبناءهم بمنطق “العصا والجزرة”، وهذا الأسلوب أصبح لا يجدي نفعا في الوقت الحاضر، حيث أثبتت الدراسات العلمية التي أجراها علماء النفس والسلوك أن منطق “العصا والجزرة” ليس حلا نافعا لمشاكل الشباب في الوقت الراهن، بل إن هذا الأسلوب يدفع بالشاب إلى التمرد على بيئته ومجتمعه وأهله أكثر من ذي قبل.

​وعلى الضفة الأخرى، فإننا نرى الشاب المتهم بالتمرد، يقف بكل كبرياء وتعالٍ، وهو ينظر إلى الجيل السابق وكأنهم يعيشون في التخلف بعيدا عن مواكبة التطور العلمي والتكنولوجي ولا يستطيعون العيش في ظل العولمة الحديثة.

​إن هذا التناقض بين أفكار الجيل الماضي ووجهات نظر الجيل الجديد خلق العديد من المشاكل في المجتمعات البشرية وتسبب في نشوء صراع بين جيلين، حتى أصبح الأب غير قادر على تحمل أفكار ولده والتي يعتقد أنها سلبية غير منتجة من وجهة نظره وأصبح الإبن أيضا لا يرى في أفكار والده إلا تُرهات وخزعبلات من الماضي، الأمر الذي خلق نوعا من التوتر في العلاقة الأسرية، والتي ألقت بظلالها على المجتمع بأسره. وقد بدأ هذا الصراع في المجتمعات الغربية أولاً بُعيد الحرب العالمية الثانية عندما بدأت حياة الترف والرفاهية في غزوهذه المجتمعات، وما صاحَبها من ظهور الإنحرافات الفكرية والسلوكية فيها. ورويدا رويدا، بدأت هذه المظاهر البراقة في ظاهرها والمدمرة في باطنها تغزو المجتمعات العربية والإسلامية كالنار في الهشيم، مخلفة على ضفافها كل أنواع الإنحرافات الفكرية والسلوكية وإن كانت لا تخلو من بعض الإيجابيات هنا وهناك.

​ولا يختلف إثنان على أن العولمة الحديثة وحالة الترف والرفاهية والغزو الإعلامي والثقافي المهول الذي حصل عن طريق الشبكة المعلوماتية للإنترنت ووسائل الإتصال الحديثة كالتلفاز والهواتف النقالة وغيرها من جانب، وغياب الوازع الديني والتربية الروحية التي كان يتمتع بها الجيل الماضي من جانب آخر، عمقت الفجوة بين جيل الآباء والآبناء وخلقت نوعا من الإنفلات السلوكي والديني عند الفئة الشابة، وأدت إلى نوع من الإبتعاد عن المبادئ والعادات والتقاليد الموروثة.

والآن فإن الواقعة قد وقعت والمحظور قد وقع والداء قد استشرى، فحري بنا أن نبحث عن الدواء. وهل هناك صيدلية في الوجود أفضل من صيدلية الخالق التي تحتوي على دواء لكل داء. نعم إن دواء هذا الداء متوفر في هذه الصيدلية الربانية، إنه العلم ثم العلم ثم العلم. لذلك أهتم الإسلام بالعلم وبين لنا أهميته في كتابه العزيز وعلى لسان نبيه الكريم. فها هو – صلى الله عليه وسلم – يقول في حديث له: “اطلبوا العلم ولو في الصين”، وقال القدماء وهم يحثون على طلب العلم: “اطلبوا العلم من المهد إلى اللحد”، وفي كل ذلك إشارات إلى ضرورة طلب العلم، كما بين الله تعالى في سورة الزمر (9) أنه من المحال أن يكون العالم والجاهل في مرتبة واحدة حيث يقول سبحانه وتعالى: “قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون” وقال أيضا :”يرفع الله الذين أمنوا منكم و الذين أوتوا العلم درجات” (المجادلة11 ).

​وما أجمله من ثنائي عندما يجتمع العلم مع التقوى. لذلك، جاء العلماء ليحددوا آداب طالب العلم والكيفية التي يجب أن يكون عليها طالب العلم فقالوا بأن أهم شيء في طلب العلم هو التقوى وخشية الله سبحانه وتعالى واستدلوا على ذلك بقوله سبحانه وتعالى: “إنما يخشى الله من عباده العلماء”(فاطر 27). وقد قرأت عن أحد العلماء قوله: “وينبغي أن يكون حريصا على التعلم مواظبا عليه في جميع أوقاته ليلا ونهارا حضرا وسفرا ولا يُذهب أوقاته في غير العلم. ويأخذ بقدر الضرورة للأكل والشرب والنوم”.

 

​وقد قال الإمام علي – كرم الله وجهه – في فضل العلم والعالم: “العلم خير من المال، فالمال تحرسه والعلم يحرسك، والمال تفنيه النفقة، والعلم يزكو على الإنفاق، والعلم حاكم والمال محكوم عليه، مات خزان المال وهم أحياء والعلماء باقون ما بقي الدهر أعيانهم مفقودة وآثارهم في القلوب موجودة”. وقد كانت في قصة النبي موسى – عليه السلام – مع الخضر الواردة في سورة الكهف عبرة لمن يعتبر في فضل التعلم وأداب المت

علم، ونحن نشاهد أحد أنبياء أولي العزم وهو يطلب من الخضر – عليه السلام – أن يعلمه بعضا مما تعلمه ويطلب منه أن يتبعه بكل أدب واحترام وتواضع، وقد كانت الغاية من هذا الإتباع هو طلب الهداية والإرشاد حيث يقول الله تعالى على لسان نبيه موسى:” قَالَ لَهُ مُوسَى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَن تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْداً”.

رضا بن عيسى اللواتي
لـ : رضا بن عيسى اللواتي

 

​ختاما، إن المطلوب من شباب هذا الجيل وفي ظل ما تقذفه بحار العولمة من زبدها على شطئان سواحلنا، أن يتحلوا بأداب العلم والتعلم، والإستزادة من منهل الدين والشريعة السمحاء، وزيادة التواصل الإيجابي مع الجيل الماضي والآخذ عنهم والتعلم منهم حتى يتمكنوا من مواجهة أمواج الحياة المتلاطمة وسبر أغوارها.